رثاء محمود جبريل يجمع الداخل والخارج

رئيس حزب تحالف القوى الوطنية الراحل محمود جبريل. (أرشيفية: الإنترنت)

بيانات وتصريحات ورسائل وتغريدات عزاء ومواساة من داخل ليبيا وخارجها في وفاة رئيس تحالف القوى الوطنية، محمود جبريل، عقب الإعلان عن نبأ رحيله ظهر أمس السبت، بعضها أخذ شكله الرسمي، والأخرى صدرت عن شخصيات سياسية ودبلوماسية، أجمعت على توديع قامة سياسية ظلت في بؤرة هذا المشهد الليبي، خصوصا في الفترة التي بدأت مع فبراير 2011 فور إطاحة نظام العقيد معمر القذافي، فيما عرف بثورات الربيع العربي، مشيدة بمواقف الفقيد، رئيس المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي السابق، مشيدة بمواقفه التي كانت مثار اهتمام الأوساط السياسية، والرأي العام الليبي.

وداع جبريل تجاوز الانقسام
رثاء جبريل تجاوز الانقسام الداخلي، فقد وصف رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، في رسالة تعزية، جبريل بأنه «قامة علمية وشخصية وطنية»، كذلك نعت رسالة أخرى من المجلس الأعلى للدولة الفقيد، فيما قال عضو المجلس بالقاسم اقزيط: إن «الليبيين سيتذكرون محمود جبريل مطولا، إذ كان يطرح خططا وسياسات بدت متقدمة جدا سندرك أهميتها بعد سنوات».

في المقابل، قدم القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر تعازيه لأهل الراحل وعرض عليهم نقل جثامنه إلى ليبيا وأن يدفن في أرض الوطن، لكن الناطق باسم قوات القيادة العامة قال إن «أقارب جبريل رفضوا نقل جثمانه إلى البلاد ليجري دفنه في جمهورية مصر العربية»، كما تقدم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بالعزاء في وفاة المغفور له جبريل، وفق المستشار الإعلامي لرئاسة مجلس النواب فتحي عبدالكريم المريمي.

وفي تعزية مشتركة، قال عضوا مجلس النواب والتيار الفيدرالي عيسي العريبي وزياد دغيم «إن العزاء لكل الشعب الليبي وكل الأصدقاء بالتيار الوطني وحزب التحالف في وفاة رئيس حكومة ليبيا الأسبق وأحد رموز ثورة فبراير المجيد، ونحتسبه شهيدا بإذن الله».

وتوفي د. محمود جبريل، في أحد مستشفيات العاصمة المصرية القاهرة عن عمر يناهز (68 عاما)، بعد أيام من الإعلان عن إصابته بفيروس «كورونا» المستجد في 26 من مارس الماضي، ومن المقرر أن «تقام صلاة الغائب على روحه الإثنين عقب صلاة الظهر» في القاهرة و«سوف يقتصر الدفن على الأسره ولن يقام عزاء»، وفق منشور لابنته مروة عبر حسابها بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

البعثة الأممية والسفارة الأميركية
دوليا، تقدمت البعثة الأممية وعلى لسان الممثلة الخاصة بالإنابة للأمين العام للأمم المتحدة، رئيسة بعثتها للدعم في ليبيا، ستيفاني ويليامز العزاء في وفاة الدكتور جبريل، وقالت «كان حريصًا بشكل خاص على بناء المجتمع المدني وتعزيز إدماج النساء والشباب الليبيين في العمل السياسي». وأضافت ويليامز أن الدكتور جبريل كان أيضا «صديقا ومرشدا للكثيرين»، مشيرة إلى أنه «شارك مؤخرا في مسار الحوار السياسي الذي نظمته الأمم المتحدة». وتابعت: «سوف نفتقده بشدة».

أما السفارة الأميركية لدى ليبيا، فقالت في رسالة إنها «تنضم إلى جميع الليبيين في التفكير في إرث الدكتور جبريل، والتزامه الكبير بضمان مستقبل ديمقراطي وآمن ومزدهر للشعب الليبي»، وقال السفير الأميركي ريتشارد نورلاند في رسالة تعزية نشرتها السفارة الأميركية في ليبيا إنه التقى رئيس «تحالف القوى الوطنية»، الراحل الدكتور محمود جبريل «آخر مرة في 19 فبراير الماضي، حيث كان يعمل بهمّة عالية لتنظيم مؤتمر شامل لليبيين المستقلين مكرس للتوصل إلى مخرجات سلمية من خلال الحوار». وأكد السفير الأميركي أن جبريل «كان رجلا وشخصا محترما يهتمّ بشكل واضح برفاهية الشعب ومستقبل البلاد».

السفارة الفرنسية في ليبيا أشادت «بمسيرة رجل الدولة الذي التزم بالثبات من أجل ليبيا ديمقراطية وحديثة وذات سيادة». وأضافت في بيان «وفي مواجهة التحدي الإضافي الذي يطرحه فيروس كورونا، تجدد السفارة دعوتها الملحة لأطراف الصراع الليبي إلى هدنة إنسانية وتوقيع وقف إطلاق النار الذي تم إعداده في إطار الحوار العسكري 5+5 الذي سيرته البعثة الأممية».

شهادة شلقم وقويدر
لم تتوقف كلمات الرثاء عند الحدود الرسمية، بل صدرت أيضا عن شخصيات سياسية ودبلوماسية عايشت وتعاملت مع جبريل، إذ استذكر المندوب السابق لليبيا لدى الأمم المتحدة ووزير خارجيتها الأسبق عبدالرحمن شلقم الخطوات الأولى لجبريل على دروب السياسة بالقول «أقنعت النظام السابق بجدوى الاستعانة بمحمود جبريل في مجال التخطيط، وترك بصمة مهمة بعد ذلك في عمله»، ووصف شلقم جبريل بأنه «أيقونة وطنية» و«إنسان سياسي استثنائي حصل على مليون صوت في انتخابات 2012 بسبب شخصيته التي تجمع بين الاحترام والمعرفة والعلم والقيادة».

المدير العام السابق لمنظمة العمل العربية ابراهيم قويدر، روى تفاصيل اللقاء الذي جمعه مع جبريل في العام 2000 في برنامج «بلاحدود» الذي تبثه قناة الجزيرة، واتصال أحد رجال النظام السابق به لاستشارته بشأن مواقف جبريل خصوصا بعد ما نقل إعجاب العقيد معمر القذافي باللقاء، وقال «سألني هل أعرف الدكتور محمود وما تقييمي، قلت له (تقييمي له من أية ناحية؟)، وفهمت من إجابته أنه يقصد هل الدكتور معارض للنظامأ م لا .. وكان الرد أن معرفتي به لا تتعدى الثلاثة أسابيع، ولكني أستطيع أن أقول إنه ليس معارضا أو مؤيدا للنظام، فهو رجل عالم متخصص يستعين به كثير من المؤسسات في إعداد دراسات لها».

ويصف قويدر، الدكتور جبريل بالقول «كان محبا لعمله يسعى دائما لتحقيق النجاحات، ولا يكل ولا يمل من أجل الوصول إلى تحقيق طموحاته، إضافة إلى أنه متحدث لبق وذو فكر ورؤى استراتجية كبيرة»، وأضاف «فقدناه بحق سواء كنا متفقين أو مختلفين معه في بعض المواقف نتيجة أحداث متغيرةـ ولكن لم نكن نختلف في الثوابت وهي حب ليبيا وناسها والانحياز إليها».

شخصية وطنية فذة
وأعاد نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي الأسبق عبدالحفيظ غوقة التذكير بمواقف جبريل بعد ثورة فبراير، وقال إن «جبريل كان صادقا ووطنيا أثناء رئاسته للمكتب التنفيذي في المجلس الانتقالي، وغادر موقعه بهدوء لتأسيس أهم تيار سياسي»، وأشار إلى أنه «قاد مرحلة سياسية صعبة تعتبر الأهم في تاريخ ليبيا طيلة العقود الماضية».

وفي حين وصف المبعوث الأممي الأسبق طارق متري، في تغريدة عبر «تويتر» جبريل بأنه «شخصية وطنية كبيرة»، وأضاف «كان محمود جبريل رجل مبادرة وحوار، عينه على المستقبل.. أحر التعازي لأسرته ومحبيه». فقد نعى وزير الخارجية الأسبق بالحكومة الموقتة محمد الدايري، رئيس تحالف القوى الوطنية (محمود جبريل)، قائلا: «فقدت ليبيا ظهر اليوم شخصية وطنية فذة. سيبقى دكتور محمود جبريل رمزا للعطاء والتفاني من أجل إرساء دعائم الدولة المدنية وهيبتها». وأضاف «شخصية متميزة تمتعت باحترام وتقدير بالغين من الكثيرين داخل وخارج الوطن».

مسيرة سياسية وتخطيطية حافلة
ولد رئيس حزب تحالف القوى الوطنية في العام 1952، وحصل على البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة العام 1975، و الماجستير في العلوم السياسية من جامعة بتسبيرج بولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة العام 1980، والدكتوراه في التخطيط الاستراتيجي من نفس الجامعة العام 1984. وشغل منصب أمين مجلس التخطيط الوطني ومدير مجلس التطوير الاقتصادي في عهد النظام السابق.

وعقب اندلاع ثورة 17 فبراير تولى جبريل رئاسة المكتب التنفيذي في المجلس الوطني الانتقالي . وأسس تحالف القوى الوطنية في العام 2012 وقت الإعداد لانتخابات المؤتمر الوطني العام الذي اكتسح نتائجه رغم توقعات واسعة بفوز الإسلاميين، إلى أن جرى تحويل التحالف إلى حزب سياسي في فبراير من العام الماضي. 

في الخامس والعشرين من يونيو من العام الماضي، ومع احتدام القتال في الأشهر الأولى لحرب العاصمة طرابلس، أعلن الحزب الذي يقوده جبريل مبادرة تحت مسمى «مقترح إيقاف الاقتتال واستئناف العملية السياسية»، شارك الدكتور محمود جبريل في جلسات حوار المسار السياسي التي انعقدت في جنيف، في 26/2/2020، وكان ذلك آخر ظهور سياسي له. وفي 26 من مارس الماضي، أعلن «تحالف القوى الوطنية»، إصابة جبريل بفيروس «كورونا»، وحسب بيان للتحالف فإن نتيجة تحاليل رئيس الحزب، ظهرت إيجابية، ليصارع المرض حتى وفاته السبت.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط