رسائل السراج والكبير.. مسعى لتوحيد «المركزي» أم جولة اشتباك جديدة؟

السراج والكبير ورسائل متبادلة عبر منصات التواصل الاجتماعي. (بوابة الوسط)

دخلت العلاقة بين المجلس الرئاسي والمصرف المركزي في طرابلس منعطفا جديدًا أثار جدل المحللين، وذلك إثر تبادل الجانبين الرسائل والاتهامات في بيانات عبر شبكات التواصل الاجتماعي أمس الخميس، ففي حين دعا رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج إلى اجتماع عاجل لمجلس إدارة «المركزي»، وتوحيد المصرف المنقسم منذ العام 2014، رد محافظ «المركزي» الصديق الكبير بدعوة أخرى إلى «كافة مؤسسات الدولة إلى توحيد الجهود وتكاتفها لمواجهة الأخطار المحدقة»، دون إجابة واضحة بشأن اجتماع مجلس الإدارة أو خطوات توحيد «المركزي»، مما فتح باب التساؤلات حول ما إذ كان المشهد الاقتصادي الليبي أمام مسعى حقيقي لتوحيد المؤسسة النقدية السيادية في البلاد أم أنها مجرد جولة اشتباك بين «الرئاسي» والمحافظ.

ففي تطور جديد للشد والجذب الدائر بين «الرئاسي» و«المركزي» منذ أشهر حول الترتيبات المالية للعام 2020، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة لتبادل التلاسن بين الطرفين، عبر بيانين متبادلين أمس الخميس، إذ دعا بيان المجلس الرئاسي إلى اجتماع عاجل لمجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي عبر الدوائر التلفزيونية، لممارسة صلاحياته القانونية، ووضع السياسات النقدية والائتمانية والمصرفية وتنفيذها. مطالبا بـ«اتخاذ الخطوات اللازمة التي من شأنها الشروع في خطوات وإجراءات توحيد مصرف ليبيا المركزي».

الكبير.. سيطرة أحادية على السياسة النقدية
ودون إشارة مباشرة إلى  الصديق الكبير، طالب الرئاسي بأن «يستعيد مجلس إدارة المصرف المركزي مجتمعا مهامه، وإنهاء حالة الانفراد بالقرار والسيطرة الأحادية على السياسة النقدية». وانتقد المجلس الرئاسي «تدخله (الكبير) في سياسات الدولة الاقتصادية والمالية»، ودعا إلى «إنهاء حالة فرض وجهة نظر شخص واحد، أوقف دون سابق إنذار منظومة المقاصة والتحويلات، وتأخر عن تنفيذ أذونات المرتبات الشهرية المحالة إليه شهرا بشهر من وزارة المالية».

أما بيان محافظ «المركزي» في طرابلس لم يرد على نحو واضح على دعوة السراج لتوحيد المصرف، بل دعا في المقابل «كافة مؤسسات الدولة إلى توحيد الجهود وتكاتفها لمواجهة الأخطار المحدقة والتحديات المتزايدة». ولفت إلى «المبادرة منذ العام 2015 بطلب توحيد المؤسسة بعد إجراء عملية تدقيق شاملة لعمليات المصرف المركزي والمصرف الموازي».

وعن ملف المرتبات، قال المصرف في بيانه إنه قام «بتنفيذ المرتبات لشهور يناير وفبراير ومارس من العام الجاري، فور اعتماد الترتيبات المالية بتاريخ 16 مارس 2020، التي سبق وطالب مصرف ليبيا المركزي بإعدادها منذ سبتمبر 2019 لتُعتَمد قبل نهاية العام 2019 وفق القانون المالي للدولة والاتفاق السياسي». واصفا إقفال المظومة المصرفية عن فرع المصرف المركزي في بنغازي بأنه «كان إجراءً احترازيًا، سببه قيام نائب المحافظ بقرصنة بعض الحسابات المصرفية لجهات عامة، خارج إطار القانون».

وفي تحرك مفاجئ، يتماهى مع مبادرة المجلس الرئاسي، طالب أربعة أعضاء بمجلس إدارة المصرف المركزي ، اليوم الجمعة، بإيقاف الصديق الكبير، عن العمل واتخاذ الإجراءات اللازمة لإسقاط اسمه من قائمة المحافظين بصندوق النقد الدولي وبية هيئات دولية ذات علاقة، وتشكيل لجنة تنفيذية تقوم تحت إشراف مجلس الإدارة مباشرة بممارسة اختصاص المحافظ المنصوص عليها بالمادة 18 من قانون المصرف. ودعا الأعضاء الأربعة وهم علي محمد سالم، ومراجع غيث سليمان، ومحمد أحمد المختار، وعبدالرحمن يوسف هابيل، في بيان إلى اجتماع طارئ لمجلس إدارة المصرف في 9 أبريل الجاري، وطالبوا بضرورة اتخاذ الخطوات الفورية اللازمة لتنفيذ أذونات صرف المرتبات الشهرية، وفتح الاعتمادات لتوفير السلع الضرورية والأدوية والمستلزمات العاجلة، وإعادة فتح منظومات المقاصة.

مجموعة ضاغطة على قرارات «المركزي»
ووسط هذه البيانات المتبادلة، والتلاسن الذي يقول محللون إنه ذو «طابع سياسي»، لاحظ الباحث الاقتصادي علي الصلح «غياب التواصل المباشر بين المجلس الرئاسي والمصرف المركزي عبر قنوات التواصل الرسمية بالدولة، وانتقاله على نحو علني إلى الصفحات الرسمية لشبكات التواصل الاجتماعي». واعتبر في تصريح إلى «بوابة الوسط» أن «هذا مؤشر على غياب التنسيق والإدارة الرشيدة للدولة». ولم يبد الصلح تفاؤلا بشأن دعوة السراج لتوحيد فرعي المصرف المركزي، وقال: «لا توجد نوايا حقيقة لذلك، بسبب سيطرة المجموعة الضاغطة على القرارات من أجل مصالح خاصة وليست عامة»، معتبرا أن ما يحدث هو «إسقاط سياسي وليس اقتصاديا بسبب الظروف القائمة، بل ويظهر غياب كلا الطرفين عن الساحة الليبية في هذا الوقت الحاسم».

وفي حين يقر المحلل المصرفي نعمان البوري في تصريح لـ«بوابة الوسط» بأن توحيد «المركزي» أو حتى تغيير مجلس الإدارة «مهمة شبه مستحيلة، في ظل انقسام البرلمان وعدم توافقه مع مجلس الدولة»، إلا أنه قال لـ«بوابة الوسط»: «هناك فرصة ذهبية لأعضاء مجلس إدارة المصرف المركزي للاجتماع وتوحيد سعر الصرف من خلال سياسات نقدية، لوقف الفساد في الاعتمادات، ومعالجة المقاصة بين المنطقتين الشرقية والغربية».

وفي منتصف الشهر الماضي تصاعدت حدة الخلافات بين الجانبين، حين اعتمد المجلس الرئاسي الترتيبات المالية للدولة بقيمة 38 مليار دينار، لكن مصدرا ماليا قال لـ«بوابة الوسط» إن بعض بنود الترتيبات المالية للعام 2020 لا تزال قيد المناقشة بين المجلس الرئاسي والمصرف المركزي، مثل نفقات الدعم، وتغيير سعر صرف النقد الأجنبي»، ومنذ ذلك الحين وحتى صدور البيانين لم يجد هذا الجدل حلا حاسما.

نداءات دولية ومخاوف من أزمة إنسانية
في الوقت نفسه، تزايدت الدعوات الدولية لاتخاذ خطوات على طريق توحيد المصرف المركزي، من خلال نداءات صدرت عن البعثة الأممية والسفارة الأميركية في ليبيا الأسبوع. فالبعثة الأممية، وعلى لسان الناطق باسمها جان العلم عبرت عن الأسف لعدم انعقاد مجلس محافظي مصرف ليبيا المركزي منذ سنوات عدة، مشددًا على ضرورة توحيد المؤسسات المنقسمة، ومن بينها مصرف ليبيا المركزي باعتباره ضمن صميم عمل البعثة وهدفًا رئيسيًّا من أهدافها. أما السفير الأميركي ريتشارد نورلاند، فقال إن السماح بمراجعة خارجية لحسابات «المركزي»، سيكون خطوة سهلة تُظهر للعالم أنّ القادة الليبيين ملتزمون بالشفافية ومحاربة الفساد؛ ومثل هذا التدقيق جاهز للبدء ولكن لسبب ظلّ عالقًا «وهذا سيؤذي الليبيين».

ووسط مبادرات داخلية ودعوات دولية لوضع نهاية للانقسام في المؤسسة النقدية السيادية في البلاد، تبقى مخاوف المحللين من استمرار هذا الوضع الصعب في ظل جائحة «كورونا»، وتعطل منظومة النقد الأجنبي بفعل غياب السياسات المصرفية الرشيدة، بما قد ينعكس على احتياطات الغذاء والدواء خلال شهرين، وقد يضع البلاد في قلب أزمة إنسانية جديدة، سيكون الخاسر فيها هو المواطن الليبي.

المزيد من بوابة الوسط