بين جائحة «كورونا» وحرب طرابلس.. نجاح «الحظر» وفشل «الهدنة»

آثار القصف الذي استمر رغم «الهدنة الإنسانية» والإجراءات الاحترازية ضد وباء كورونا (بوابة الوسط)

أوقفت المخاوف من فيروس «كورونا» المستجد معظم مظاهر الحياة في البلاد، مع فرض حظر التجول في مختلف أرجاء ليبيا، بيد أن هذه الجائحة العالمية وقفت عاجزة أمام حرب العاصمة طرابلس، التي باتت على عتبة عامها الثاني، إذ نجح حظر التجول وفشل «حظر القصف» الذي جاء بعد نداءات دولية لهدنة إنسانية، وقوبل بموافقة علنية وتجاهل عملي من جانب طرفي القتال، ليفوق أعداد مصابي الاشتباكات هذا الأسبوع عدد المصابين بـ«كورونا» في البلاد، الذي بلغ ثماني حالات حتى الآن.

فقد قوبلت الاشتباكات التي تجددت على مدى أسبوعين بين قوات القيادة العامة وقوات حكومة الوفاق، وفشل الطرفين ميدانيا في تحقيق «هدنة إنسانية»، بأسف من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، لكنه عاد أمس، الإثنين، ليتحدث بنبرة أكثر واقعية قائلا: «ما بين قبول المبدأ والتطبيق الملموس لوقف إطلاق النار، هناك عمل كبير يتعين القيام به. ويجب على الجميع أن يفهموا أن عدونا هو فيروس كورونا»، مضيفا: «إن جميع ممثلي البعثات الدبلوماسية ورؤساء عمليات حفظ السلام يشاركون في مفاوضات لتحويل هذه الدعوة إلى قبول لوقف إطلاق النار».

أما البعثة الأممية فقد التقطت خيط الدعوات التي صدرت عن شخصيات ليبية لوقف القتال، وشددت في بيان، الجمعة، على ضرورة تعاون الجميع من أجل حماية الليبيين من هذا الخطر المحدق بليبيا وشعبها. وجاء في البيان أن البعثة تدعم بقوة «النداءات الصادقة التي أطلقها أخيرا العديد من الشخصيات الليبية من مختلف التوجهات والاختصاصات والمناطق، وتضم صوتها إلى صوتهم في الدعوة إلى تناسي الخلافات... ».

دعوات دولية لهدنة إنسانية
ومنذ أسبوعين، أطلقت بعثة الأمم المتحدة للدعم والاتحاد الأوروبي وأطراف دولية أخرى نداءات بتطبيق الهدنة الإنسانية التي أعلن طرفا النزاع الالتزام بها منذ مطلع الأسبوع الماضي، لمواجهة «كورونا»، لكن هذه الهدنة لم تدخل حيز التنفيذ مع استمرار الاشتباكات، إذ أعلنت عملية «بركان الغضب» الجمعة، استمرار الضربات الجوية في قاعدة الوطية الجوية؛ بينما قالت قوات القيادة العامة، الخميس، إنها سيطرت على مناطق العسة والجميل ورقدالين وزلطن. فيما أعلن المجلس الرئاسي أن قواته أجبرت قوات القيادة العامة على التراجع من منطقة أبو قرين، بعد اشتباكات بين الطرفين.

لم تتوقف الدعوات المتجددة للهدنة الإنسانية عند أروقة الأمم المتحدة وبعثتها للدعم، إذ دعا الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي، جوسيب بوريل، الأطراف الليبية إلى وقف القتال فورا والسعي لحل سياسي للأزمة. وأعرب عن أسفه لتصاعد القتال في ليبيا، على الرغم من الدعوات الدولية إلى هدنة إنسانية للمساعدة في احتواء جائحة فيروس «كورونا» في البلاد. وقال إن الظروف الصعبة الناجمة عن الوباء، تجعل الحاجة إلى وقف القتال في جميع أنحاء البلاد أكثر إلحاحا.

كما حث البرلماني الأوروبي جميع الأطراف المتحاربة في ليبيا إلى «وقف هجماتها على الفور، وأن تسهل إيصال المساعدات الإنسانية إلى كل مَن يحتاجها». وقال كوزولينو: «فيما يحتاج العالم إلى الاتحاد ضد جائحة فيروس كورونا المستجد، يجب على كل مواطن في كل مكان في العالم أن يستجيب لدعوة الأمم المتحدة لوقف الأعمال العدائية».

رسالة أميركية للسراج وحفتر
أما السفير الأميركي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند فقد وجه «رسالة مفتوحة» إلى القيادة السياسية والعسكرية والشعب الليبي، معبرا عن قلقه العميق إزاء «تهديد قاتل» لليبيا يلوح في الأفق. وقال إن «أفضل نهج لتجسيد الهدنة الإنسانية هو أن يقوم المشير حفتر بتعليق حملته على طرابلس». بل -وفي دعوة غير مسبوقة- ناشد نورلاند، كلا الطرفين إلى إعلان تجميد فوري لنشر المقاتلين الأجانب، الذين يخاطرون بنشر المزيد من وباء «كورونا» في ليبيا.

ومن مجلس الشيوخ خرج نداء أميركي آخر، على لسان السيناتور كريس كونز والسيناتور كريس مورفي، اللذين طالبا «الأطراف الليبية المتحاربة ومؤيديهما الأجانب والمجتمع الدولي إلى تنفيذ فوري لوقف إطلاق النار على الصعيد الوطني، والاحترام الكامل لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة»، وقالا في بيان مشترك: «مثل هذه الإجراءات ضرورية لتعزيز حل سلمي للصراع ومحاولة احتواء انتشار (كوفيد 19)». يشار إلى أن كونز وكورفي من بين أربعة أعضاء بالكونغرس الأميركي، تقدموا في أكتوبر الماضي بمشروع قانون «تحقيق الاستقرار في ليبيا» لتوضيح سياسة الولايات المتحدة تجاه ليبيا، ودفع حل دبلوماسي للنزاع في ليبيا، ودعم الشعب الليبي.

«كورونا».. إصابات وإجراءات احترازية
وبعد أن ظلت ليبيا خالية من إصابات بفيروس «كورونا» منذ اندلاع الجائحة، جاء الإعلان عن رصد السلطات الصحية خمس حالات إصابة، الأحد، ليرفع عدد المصابين إلى ثمانية، يأتي ذلك وسط إجراءات احترازية اتخذتها كل من حكومتي الوفاق و«الموقتة» لمنع حدوث إصابات بالبلاد.ومما يبعث على قلق الكثيرين تلك التحذيرات الدولية هذا الأسبوع من هشاشة النظام الصحي في البلاد، إذ يقول مدير منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، أحمد المنظري، إن أوضاع الدول ذات النظم الصحية الهشة في الشرق الأوسط مثل ليبيا وسورية تثير القلق بعد تسجيلها إصابات بالفيروس.

تصريحات مسؤول «الصحة العالمية»، ربما حملت تفسيرا لقلة ظهور حالات مصابة بـ«كورونا» في ليبيا، إذ أرجعها إلى عدم قدرة نظم الترصد على اكتشاف الإصابات بعد. مشيرا إلى سبب آخر هو أن الفيروس في 80% من الحالات يسبب مرضا خفيفا قد لا يُلتفت إليه، ويتعافى منه المصابون دون أن يدركوا أنه «كوفيد-19».وفي هذا السياق، يقول عضو مكتب «الصحة العالمية» في ليبيا، د.رمضان عصمان، إن ظهور الإصابات الجديدة في ليبيا، يستلزم مواجهة الخطر، لأنها مسؤولية الجميع وليس قطاع الصحة فقط. وأوضح لـ«بوابة الوسط» أن منظمة الصحة العالمية تدعم وزارة الصحة والمركز الوطني لمكافحة الأمراض بكل ما تستطيع سواء الدعم الفني والتدريب والاستشارات العلمية والأدلة الإرشادية.

ووسط دعوات جديدة لوقف القتال لـ«أغراض إنسانية» ودخول ليبيا عمليا في عداد «كورونا»، يبقى التساؤل قائما حول كم يلزم من الوقت ليقتنع لبجميع بأن الوباء سيوزع الموت على الجميع، إذا ما خرج عن حزام السيطرة، وقد يفتح الباب واسعا أمام كارثة إنسانية لن تستثني أحدا.

المزيد من بوابة الوسط