جريدة الوسط: حرب العاصمة تنسف «هدنة كورونا»

دبابة تابعة لقوات القيادة العامة، (أرشيفية: الإنترنت)

رغم أن خطر فيروس «كورونا» بات أمرا واقعا يعيشه الليبيون، خصوصا مع اكتشاف أول حالة إصابة لمسن قادم من المملكة العربية السعودية، إلا أن أصوات المدافع في محاور القتال جنوب العاصمة طرابلس نسفت «هدنة كورونا» التي أعلن طرفا الحرب الالتزام بها، استجابة لنداءات المجتمع الدولي وعلى رأسه الأمم المتحدة، وسجل الأسبوع تصعيدا عسكريا غير مسبوق منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في 12 يناير الماضي، جعل سكان العاصمة في حالة ذعر وحيرة بين مطرقة الحرب وسندان «كورونا».

ومن الترحيب المتبادل من طرفي القتال بالدعوة الدولية بتلك النداءات الدولية، وصولا إلى الاشتباكات التي شهدتها قاعدة الوطية الجوية الأربعاء، كان هذا الأسبوع مسرحا لخروقات عسكرية يومية على المحاور الجنوبية للعاصمة، تلاشت أمامها كل الأصوات الداعية إلى قصر الاهتمام على مواجهة فيروس «كورونا» المستجد، وعزلت المواطنين بين مطرقة الوباء وسندان الاشتباكات.

كانت بداية الأسبوع الماضي، محل تفاؤل محفوف بالترقب لدى الكثيرين، بعد ترحيب القيادة العامة السبت بالدعوة الصادرة لوقف القتال لأغراض إنسانية للاستجابة لمواجهة وباء «كورونا»، وهو ما جاء بعد يومين من إعراب المجلس الرئاسي في بيان رسمي، «عن تقديره الكامل للدول والمنظمات التي أبدت اهتماما وحرصا على تجنيب البلاد مزيد المآسي»، داعيا «المجتمع الدولي إلى دعم جهوده في التصدي لهذه الجائحة».

اضغط هنا للإطلاع على العدد الجديد من جريدة «الوسط»

وعبرت بعثة الأمم المتحدة عن الأمل في أن «يلتزم الطرفان بوقف فوري للاقتتال على جميع الجبهات»، كما أعرب بيان صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس عن «الأمل في أن يترجم ذلك إلى وقف فوري وغير مشروط للأعمال العدائية»، فيما وجه الناطق باسم الخارجية الأميركية، مورغان أورتاغوس، رسالة إلى «القادة الليبيين بإعطاء أولوية عاجلة لصحة الشعب الليبي؛ «هذه هي المسؤولية الوحيدة التي يجب الاضطلاع بها».

ولم تكد تمر ساعات على هذا التطور الإيجابي، حتى بدأ التصعيد على محاور القتال، بالقصف المدفعي المتبادل، وأصيب طفلان جراء سقوط قذيفة على منزلهما بمنطقة باب بن غشير مساء السبت، وفق عملية بركان الغضب التابعة لحكومة الوفاق. وفي صباح اليوم التالي (الأحد) قتل أب وأصيب 2 من أبنائه جراء سقوط قذائف بمنطقة الكحيلي في عين زارة (جنوب العاصمة طرابلس). في المقابل، اتهم الناطق باسم قوات القيادة العامة، أحمد المسماري، قوات حكومة الوفاق بخرق الهدنة المعلنة في منطقة الهيرة جنوب طرابلس، وقصف قواته بالمدفعية.

المجلس الرئاسي، ومن جهته، اتهم قوات القيادة العامة بتنفيذ «هذه الاعتداءات»، مؤكدا احتفاظه بحق الرد على «ما تتعرض له عاصمتنا ومواطنونا من اعتداءات وانتهاكات في إطار حقنا المشروع في الدفاع عن النفس». و«شكك» المجلس في التزام القيادة العامة بوقف القتال، قائلا: «قلنا مرارا إننا لم نجد شريكا حقيقيا للسلام تؤكد تجربتنا الطويلة أنه (القيادة العامة) لا يعنيه السلام، ولن يتراجع عن سعيه للسلطة وإعادة الحكم الشمولي».

وعلى نحو أوسع، تواصلت الخروقات يوم الإثنين الماضي، ما أسفر عن سقوط مزيد القتلى والجرحى، إذ أعلنت وزارة الصحة في حكومة الوفاق مقتل مواطنة عشرينية تدعى سمر عبدالجليل الشريدي، في استهداف منزل بخلة النور، كما كشفت عملية «بركان الغضب»، مقتل اثنين من العمالة الوافدة في قصف مدفعي طال جزيرة معيتيقة، ومقتل سيدتين جراء سقوط قذيفة على منزلهما بمنطقة عين زارة.

في المقابل، اتهمت القيادة العامة، قوات حكومة الوفاق باستهداف منطقة الشرشارة شمال مدينة ترهونة بصواريخ «غراد». وأشار المسماري إلى «استمرار سقوط قذائف عشوائية من مدفعية قوات الوفاق على أحياء منطقة قصر بن غشير ووادي الربيع شرق العاصمة طرابلس»، ووفق توثيق أجرته البعثة الأممية، فقد وقع أكثر من 13 انتهاكا للهدنة الإنسانية خلال 48 ساعة، مما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين على الأقل وإصابة آخرين.

اضغط هنا للإطلاع على العدد الجديد من جريدة «الوسط»

لم تتوقف الخروقات عند هذا الحد، بل كان يوم الثلاثاء موعدا لانتهاك جديد تعرض خلاله سجنا عين زارة ( أ ) و(ب ) لقصف أسفر عن وقوع إصابات بين العناصر العاملة في المؤسستين وبعض النزلاء، وهو ما قوبل بإدانة من الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالوكالة، ستيفاني ويليامز التي اتهمت ويليامز في بيان، «قوات تابعة للجيش الوطني الليبي» بتنفيذ هذا القصف.

التطور الأبرز هذا الأسبوع، كان إعلان عملية «بركان الغضب»: السيطرة على قاعدة الوطية الجوية وإطلاق عملية «عاصفة السلام»، فيما وُصف بأنه «رد على القصف المتواصل لأحياء طرابلس»، وكان هذا الإعلان بعد قليل من تعرض مبنى جهاز الإسعاف والطوارئ الموجود في منطقة السبعة، ومناطق باب بن غشير ورأس حسن وطريق السور وبئر التوتة في العاصمة طرابلس.

ورغم الإخفاق العملي للدعوات الدولية لهدنة إنسانية في ليبيا، والانشغال العالمي بالجائحة التي حصدت آلاف الوفيات والمصابين، لم تغب ليبيا عن أجندة الاهتمام الدولي، إذ يبدي محللون اهتماما بالغا بتصريحات السفير الأميركي في ليبيا، ريتشارد نورلاند، بأن الولايات المتحدة تتواصل مع جهات فاعلة خارجية ساعد دورها أحيانا في «تأجيج الصراع» في ليبيا، مشددا على أنه «حان الوقت لتسمية الأشياء بأسمائها».

في المقابل، من المقرر أن يجتمع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى يوم الإثنين، حيث من المقرر أن يقدم منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل إحاطة حول تطبيق حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، في حين يدعو سفير روسيا بالاتحاد الأوروبي فلاديمير تشيزهوف إلى تفويض جديد من الأمم المتحدة للمهمة البحرية الجديدة القادمة للاتحاد الأوروبي «إيرين» لفرض حظر الأسلحة. وقال تشيزهوف لمحطة «فيليت» الألمانية إنه إذا أطلق الاتحاد الأوروبي عملية جديدة في البحر الأبيض المتوسط لمراقبة حظر الأسلحة في ليبيا بعد المهمة البحرية «صوفيا» السابقة، تتوقع روسيا أن يتم إبلاغها في الوقت المناسب.

وما بين التصعيد والاتهامات المتبادلة بين طرفي القتال، وإطلاق عملية عسكرية جديدة من طرف حكومة الوفاق، لا تزال حالة الحرب في ليبيا خارج انشغال العالم برعب «كورونا»، ولا تأبه صواريخها وقذائفها برعب الليبيين من تسلل هذا القادم الغامض، ليبقى التساؤل قائما حول فرص الحل وسط هذا الجنون الدامي؟

كلمات مفتاحية