مجهولو النسب.. قضية عمرها سنوات وحلول بعيدة المنال

من اليمين، الأفندي عماد العبيدي، والشيخ إبراهيم بالاشهر، وأميمة باوي، والدكتور سالم بوزريدة

أشار بيديه ملوحا بهما وكأنه يرمي شيئا خلف ظهره، كانت تلك الحركة التي قام بها أشرف ــ أحد نزلاء دار الراية بنين ــ بمثابة الإجابة، عندما سألته هل يود معرفة أبويه أم لا.

صمت مطولا، ثم نظر إلي، وقال ساخرا: يبدو أن ذلك اليوم كان عامرا، حيث وجدوني أنا وستة أطفال آخرين في يوم ما من عام 1970م بمدينة البيضاء.

قصة مأساوية
وأضاف: أخبروني فيما بعد أن دورية للشرطة مرت فوجدتني مرميا على قارعة الطريق أخذتني، وحملتني إلى دار الرعاية (رعاية الأيتام) بالمدينة، ومن حسن حظي أو من سوئه، لم أبق طويلا إذ قام أحد الرجال الأفاضل من وجهاء المدينة بإجراءات التبني الخاصة بي، وعشت معه مرحلة من عمري لا بأس بها، ولكن استجدت أمور لم تكن تخطر على بالي حيث ذهبنا إلى طرابلس، وقام الرجل (والدي بالتبني) بتطليق زوجته، وعشت معه في طرابلس حينا من الزمن، ولكن الزوجة الجديدة لم تتقبل وجودي في البيت، لذلك طردتني بعد وفاة والدي، وجئت إلى بنغازي، وعشت أسوأ أيام حياتي؛ أنام في الشوارع، وآكل مما أكسبه في يومي من غسيل السيارات، وبعد عشر سنوات من نومي في الشوارع، ذهبت إلى دار الضيافة أو الرعاية بنين ببنغازي وظللت بها إلى أن تزوجت ثم خرجت منها.

للاطلاع على العدد 223 من جريدة «الوسط» اضغط هنا.. 

كانت نبرة صوته ترتفع تارة غضبا، ثم تنخفض حزنا، ينظر إلي حين يسترسل في حديثه، ولكن حين يصل إلى لفظة مجهول النسب يشرد بنظره بعيدا. قلت: ربما هناك أمل، هناك البصمة الوراثية.

نظر إلي مبتسما ثم قال «نقول يا من؟» لو استمرت إجراءات استخراج الرقم الوطني عن طريق الحمض النووي، لقلت هناك أمل حيث سيكون الجميع مسجل بها، ولكن الآن صعب، لو وددت معرفة والدي ستكون لسبب واحد فقط هو لتقديمهما للمساءلة القانونية ومحاسبتهما. ثم أضاف بتهكم: «في الفترة التي كان فيها استخراج الرقم الوطني عن طريق الحمض النووي لم تتحدث معنا الإدارة حول هذا الموضوع إطلاقا. كان التكتم سيد الموقف».

شجاعة أشرف في الحديث، لم تتكرر عند غيره من الشباب الذين أجابوا عن نفس السؤال طالبين عدم ذكر أسمائهم، أو تصويرهم. ولم يبد (س. ر) 23 عاما، كثيرا من الاهتمام بالموضوع، وقال إنّه في حال تعرّف على أهله سيتجاهلهم ولن يتواصل معهم أبداً. ورفض (ع. ف) 29 سنة، الفكرة من الأساس لعدم جدواها من وجهة نظره فهو لا يرغب في فتح صفحات قديمة على حدّ قوله، مكتفيا بالقول: «الله ياخذ الحق». لكن (م.ه) 26 سنة، عبر عن أمله في لقاء أهله والتعرّف إليهم، قائلا إنه لا مشكلة لديه في نسيان الماضي.

تحليل الحمض النووي
ومع تلك الحكايات، ماذا يقول العلم عن قضية الحمض النووي DNA؟ أجاب عن سؤالنا الدكتور سالم بوزريدة، وهو متخصص في علم الوراثة قسم الحيوان كلية العلوم جامعة بنغازي، قائلا: «هو أقوى من بصمات الأصابع، وأكثر دقة منها، ونسبة الخطأ به قليلة جدا، وبناء على مجموعة من التحاليل نعرف نسب الأشخاص، ونسبة القرابة التي تربطهم ببعض، حيث تعطي نسبة تطابق 100% للوالدين، وتقل النسبة كلما ابتعدت القرابة مثلا الأخ 75%، وابن العم 50%، وذلك عن طريق تتابع القواعد النتروجينية في الكروموسوم الموجود في الحمض النووي، فهو الذي يجعل الاختلاف بين الأشخاص، وكذلك هناك نسبة توافق بين الأشخاص، ولكنها تكاد تكون غير موجودة».

هذا الحمض النووي الذي كان اكتشافه نقلة في عالم الإنسانية، يثير تساؤلا حتى اليوم حول ما إذا كان يحق لمجهولي النسب شرعا معرفة نسبهم، والاستفادة من هذا العلم، وفي تلك النقطة يقول عضو اللجنة الفرعية للإفتاء الشيخ إبراهيم بالأشهر: «بالنسبة للبصمة الوراثية، واعتمادها في النسب، أولا، من اشتهر نسبه لا يطعن فيه، أو كان غير معروف النسب لا ينسب إلا بالطرق الشرعية، وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته العشرين 2012م، أنه لايجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب ولا تقدم على اللعان، واللعان هو أن ينفي الزوج ابنه عنه ولا يعترف به. ثانيا، استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لابد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولا يجوز شرعا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، كذلك لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعا».

دعوى إثبات النسب
وفي الجانب القانوني، قالت المحامية الأستاذة أميمة باوي، في معرض إجابتها عن السؤال نفسه: «مجهول النسب عادة لا يُعرف أبوه، أو أمه لأن دعوى إثبات النسب تقام في الغالب إما من الأب أو الأم لإثبات صحة نسب الابن، أو الابن إذا تعرف على أحد والديه يرفع دعوى إثبات نسب، ويطلب من المحكمة إحالته إلى إدارة الخبرة القضائية، والطب الشرعي لإثبات النسب عبر التحليل».

وأضافت باوي: «النسب يكون إما بالإقرار، أي يقر الأب أو الأم بالبنوة، أو عن طريق الخبرة القضائية، والطب الشرعي، ولا يحق له رفع دعوى إثبات نسب، لأن الدعوى من شروطها أن ترفع على معلوم وليس مجهولا، وسيتم رفض الدعوة لأنه لا توجد أية صفة».

وفي السياق نفسه، قال رئيس قسم الطب الشرعي والسموم بمجمع الكليات الطبية بنغازي، الدكتور محمود قدورة، الذي تحدث قائلا: «نحن كأطباء شرعيين لا نستطيع الخوض في أي موضوع إلا بأمر قضائي، ومعرفة مجهولي النسب لنسبهم يقع ضمن تلك الموضوعات. نعم نحن نعمل في كثير من الحالات على إثبات البنوة أو نفيها ولكن وفقا لأمر قضائي».

للاطلاع على العدد 223 من جريدة «الوسط» اضغط هنا.. 

وبحثا عن بصيص أمل، ينظر بعض مجهولي النسب، إلى منظومة «الرقم الوطني» التابعة للسجل المدني، وقد كان معمولا بها أثناء حكم القذافي.. ينظرون إليها باعتبارها إحدى الوسائل التي قد تفيدهم.

وعن ذلك قال مدير المكتب الإعلامي للجوازات بمدينة بنغازي عماد العبيدي بأنه من غير الممكن الاستفادة بتلك المنظومة في إثبات النسب حاليا، «لأن المنظومة توقفت عن العمل بعد فبراير2011، وهذه العينات قد أتلفت ولا يمكن استخدامها أو الاستعانة، ومع ذلك لا يحق لأي كان استخدام عينة الحمض النووي إلا بأمر قضائي».

وتباينت آراء المواطنين حول الموضوع نفسه، حيث قال (ع .ب): «بصراحة أظن أن هذا الموضوع يسبب مشاكل بين الناس، وقد يلحق الأذى بالمقصودين خاصة المتزوجين لذلك أنا لا أوافق على أن يطرح مثل هذا الموضوع أو أن يُحكى فيها، أو تنشره وسائل الإعلام». أما (خ .س) فقال: «من حق مجهول النسب أن يطالب بمعرفة نسبه لأنه إنسان، ويعيش في مجتمع يركز على النسب، والقبلية والعائلة، ولكونه إنسان يعيش في مجتمع حر يحق له المطالبة بمعرفة أبويه، وعلى الدولة أن تتحمل ذلك».

المزيد من بوابة الوسط