البدري الشريف: لجنة جديدة لصياغة الدستور سابقة خطيرة تؤدي إلى الفوضى

عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، الدكتور البدري الشريف.

اعتبر عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، الدكتور البدري الشريف أن أية محاولة لإلغاء مشروع الدستور الذي أقرته الهيئة وتشكيل لجنة جديدة «ستؤدي إلى الفوضى»، محذرًا بعثة الأمم المتحدة من اتخاذ مثل هذه الخطوة لأنها ستكون «سابقة خطيرة ومعيبة في تاريخ الأمم المتحدة التي يجب أن تعمل على إرساء دولة القانون».

وقال الشريف في حوار إلى «الوسط» إن مسار الدستور يجب أن يمضي كما حدد له سابقاً، خاصة أن هيئة صياغة مشروع الدستور تم انتخابها بشكل صحيح، وأقرت في العام 2017 مشروع الدستور بموافقة 43 عضواً من بين 44 عضواً حضروا الجلسة وقتها، مشدداً على أن الهيئة ومنجزها محميان بحكم أعلى سلطة قضائية في ليبيا، وهي المحكمة العليا.

ونفى أن يكون مشروع الدستور مؤسساً لدولة دينية أو أنه لا يوفر حقوق الأمازيغ والطوارق والتبو، قائلاً إنه ضمن حقوق الإنسان والحريات بما يتوافق مع النصوص الدولية، مضيفاً أن المطالب بإلغاء عدد من المواد التي تتحدث عن الدين «تعبر عن فكر ليبيرالي لا يمثل سوى واحد في الألف أو الألفين من مجموع الشعب الليبي الذي يعتز بديانته الإسلامية ودولته كونها جزءاً من العالم العربي والإسلامي»، حسب كلامه، وإلى نص الحوار:

● ما مصير مشروع الدستور في ظل استمرار حرب طرابلس والانقسام السياسي الحاد؟
بداية لقد تشكلت لجنة صياغة الدستور بناء على الإعلان الدستوري وتكونت من 60 عضوًا، لكن اثنين من الأعضاء لم يدخلا انتخابات الهيئة، وبعد ذلك صدر حكم ضد العضو الدكتور علي الترهوني وتغيب عضو ثالث عن اللجنة، وفي جلسة التصويت على مشروع الدستور تم التصويت بناء على القانون، إذ يجب الموافقة على المسودة من جانب 41 عضوًا على الأقل (أكثر من الثلثين بواحد). وجلسة التصويت على المشروع حضرها 44 عضوًا وصوت بالموافقة 43 عضوًا وهذا ما يتجاوز الحد القانوني المطلوب. البعض لم يحضر لظروف خاصة، وهم من مؤيدي مشروع الدستور.

للاطلاع على العدد 223 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

● وكيف كان مصير هذا المشروع بعد ذلك؟
بعد هذا التصويت أصبح مشروع الدستور مستوفى الشروط، وكان مفترضًا أن يعرض للاستفتاء، وتم الطعن على المشروع والهيئة التأسيسية، لكن المحكمة العليا قررت أنه لا ولاية للقضاء الليبي على أعمال الهيئة التأسيسية، بقولها إنه لا معقب على عمل الهيئة إلا عن طريق الشعب عبر استفتاء عام، فله أن يقبله أو يرفضه ويرده إليها لتعديله حسب الإجراءات المنصوص عليها دستورياً. وبذلك فإن المحكمة العليا قد أقرت بشرعية الهيئة التأسيسية والمشروع الذي أصدرته. قرار المحكمة العليا مهم جداً لأنها أرست مبدأ ملزماً لجميع المحاكم في ليبيا، وهو استقلالية الهيئة، وهو ملزم وأنه لا ولاية عليها إلا ضمير أعضائها. وقالت المحكمة إنه يجب أن يتم الاستفتاء على المسودة من جانب الشعب. والحديث عن انتهاء دور الهيئة كلام فارغ، وفق حكم المحكمة.

وفور إنجاز مشروع الدستور أُحيل نصه إلى مجلس النواب، لكن المجلس عرقل إصدار قانون الاستفتاء ووفقاً للاتفاق السياسي يجب أن يصدر هذا القانون.

وبعد ذلك، أصدر مجلس النواب قانون استفتاء غير سليم وغير عملي ومن المستحيل وفقاً له أن يتم التصويت على الدستور.. ولم يتوافق مجلس النواب مع المجلس الأعلى للدولة على هذا القانون حسبما نص الاتفاق السياسي. وللأسف مجلس النواب، وفي ظل قيادته الحالية وسيطرة بعض العناصر عليه، عرقلوا قانون الاستفتاء.

● ما خطة الهيئة مستقبلاً؟
تواصلنا مع كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والبعثة الأممية ومؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وأكدنا أهمية طرح مشروع الدستور للاستفتاء في أقرب وقت، ويجب استكمال المسار الدستوري، ولا يعني أن ما أنجزناه أفضل دستور، لكن الفيصل هو الشعب الذي من حقه أن يقول «نعم» أو «لا» وفي الحالة الأخيرة يجب على الهيئة خلال شهر أن تجري تعديلات بناء على مطالب الشعب وعرضه ثانية على الاستفتاء .

● كيف يمكن أن تجري استفتاءً على الدستور في ظل وجود حرب في طرابلس وانقسام كبير وتشرذم سياسي بين الأطراف المختلفة مع انقسام مجلس النواب نفسه؟
هناك مرحلة انتقالية وأخرى دائمة، والحوار السياسي الذي يدور حالياً خاص بالمرحلة الانتقالية ومتعلق بمجلسي النواب والدولة، ولكن الدستور يمثل المرحلة الدائمة، فهو يضمن استقرار البلاد. والآن هناك مشكلتان، فمهمة البعثة الأممية هي مساعدة الليبيين في الوصول إلى الاستقرار وحل الانقسامات، لكنها حادت عن طريقها، وقام المبعوث الأممي غسان سلامة بتصرفات كحاكم لليبيا وكأنه مسؤول عن الليبيين وأدرى بمصلحتهم، وتجاوز في حق مهمة البعثة التي تتلخص في دعم الجهود الليبية واحترام إرادة الشعب الليبي، ولا يحق لأي أحد أن يتدخل في مشروع الدستور الذي هو إرادة ليبية بحتة.

غسان سلامة لا يولي الدستور أي أهمية ويحاول إيجاد بدائل وهذا ليس من حقه، ولكن يؤسفنا أنه ينتقد مشروع الدستور، إذ يقول إن الدستور قد يسبب حرباً وهذا ليس من اختصاصه. فالقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن أو الأمم المتحدة تؤكد ضرورة سير العملية الدستورية وتنظيم الانتخابات وأن تقوم البعثة الأممية بمتابعة الانتخابات والمسار الدستوري، لكنه يتجاوز ذلك المسار، ما يطرح علامات استفهام، ونحن مستاؤون للغاية منه. لماذا غسان سلامة يدفع بنا إلى الفراغ؟! فهو يريد أن يتجاوز ذلك ويلقي بنا إلى المجهول.

● لكن البعثة الأممية ليست مسؤولة عن انقسام الليبيين وعدم اتفاقهم على كلمة موحدة حتى الآن.. ما رأيك؟
هناك دور يقع عليها، والمطلب الآن من غسان سلامة تشكيل حكومة موقتة وتنظيم السلاح وتهيئة الظروف الملائمة للاستقرار لكنه يتجاوز فيما يخص مشروع الدستور المنجز من قبل الهيئة المنتخبة. نحن مع الحوار ونعلم أن هناك أزمة كبيرة ونأمل الوصول إلى حل لتوحيد المؤسسات وتهيئة الظروف للمرحلة الدائمة بعد الانتهاء من المرحلة الانتقالية التي نريدها مرحلة قصيرة.

● ألا ترى أن الوضع على أرض الواقع معقد ويحول دون الوصل إلى حل أو اتفاق؟
ليبيا ليست الدولة الوحيدة التي وُجدت فيها حرب، وهناك طرق للتوصل إلى حل، وهذه مهمة الأمم المتحدة لإيجاد حلول. المشكلة الليبية دولية، وتصريحات غسان سلامة تقول إن مجلس الأمن لا تحترم قراراته. وهذا المجلس والمجتمع الدولي هما من تسبب في تدمير مخازن السلاح خلال هجمات حلف الناتو إبان ثورة 17 فبراير. المجتمع الدولي مسؤول أدبياً وقانونياً، فهو السبب في انتشار السلاح في ليبيا. وغسان سلامة نفسه أعترف بأن هناك حرباً بالوكالة في ليبيا.

وعلى العموم، فإن وجود مرجعية دستورية هو الذي أنقذ تونس عندما توفي المرحوم الباجي قائد السبسي، وكذلك الحال في الجزائر عند تنحية السيد عبدالعزيز بوتفليقة، حيث أُجريت انتخابات رئاسية وبكل سلاسة بسبب وجود هذه المرجعية الدستورية.. هناك حاجة لمرحلة انتقالية جديدة مهمتها توحيد مؤسسات الدولة وتحقيق السلام والاستقرار ونزع السلاح وتهيئة الظروف للاستفتاء على الدستور، ومن ثم الانتخابات لتحقيق الاستقرار. ويجب أن نقبل الاختلاف ونصل إلى صيغة من صيغ التوافق لبناء دولة مدنية وديمقراطية، تحترم حق الاختلاف وهو مشروع قابل للتطور.

للاطلاع على العدد 223 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

● ما ردكم على من يطالبون بهيئة جديدة لصياغة مشروع دستور جديد؟
لو فتحنا المجال كما يطالب هؤلاء فستحل الفوضى، فهناك قانون ومؤسسات وبناء عليها تم انتخاب الهيئة التأسيسية. وقد خاطبنا المبعوث الأممي بضرورة عدم الاستجابة لهذا الطلب، وفي حال حدوث ذلك فهو تعدٍ على القانون وإرادة الليبيين وطرح مثل هذه الأفكار سابقة خطيرة ومعيبة في تاريخ الأمم المتحدة التي يجب أن تعمل على إرساء دولة القانون ويجب عليها أن تساعدنا في ذلك. وحال اتخذت هذه الخطوة سيكون لكل حادث حديث. وسيكون تعدياً على القانون والمسار الدستوري، وعلى قرار من أعلى سلطة قضائية في ليبيا وسيكون ذلك أمراً خطيراً، غير هين.

وهناك بعض المواد يمكن أن تعدل في حال صوت الشعب بـ«لا» على مشروع الدستور، ولكن هناك مسار يجب أن يكون الشعب هو الذي يقول كلمته فيه. من يعارضون مشروع الدستور لا نمانع حقهم في طرح وجهة نظرهم وإقناع الشعب الليبي بالتصويت بالرفض على المشروع، ولا يحق لأحد أن يصادر إرادة الليبيين في قول «نعم» أو «لا» للمشروع، وفي حال خروج نتيجة التصويت بـ«لا» فستقوم الهيئة بتعديل المواد بناء على الرفض.

● بخصوص نص مشروع الدستور.. لماذا لم يشتمل على ديباجة؟
الدستور ليس كتاب تاريخ ولا يعبر عن مشاعر آنية.. التاريخ سيبقى محفوظًا، وليست مهمة الدستور أن يدون هذا التاريخ، فالشعب الليبي حالياً مختلف، البعض يمجد النظام الملكي ويطالب بضرورة الإشارة إليه في الدستور، وآخرون يمجدون ثورة فبراير، والبعض أيضاً يعتبر سبتمبر جزءاً من تاريخ ليبيا، وتجنباً لذلك لم نكتب ديباجة، وأكثر من 40 % من الدستاتير بلا ديباجة. قمنا بذلك لتجنب أي شيء محل خلاف وإذا لم يكن هناك اتفاق على هذه الديباجة فلن تكون لها فائدة.

● البعض يعترض على شكل النظام السياسي للبلاد الذي تقره هذه الوثيقة ويرفض الجمهورية كنظام للحكم.. ما ردكم؟
الدستور يؤسس لدولة مدنية فيها السلطة للشعب، يقرر مصيره عبر مؤسساته المنتخبة والتشريعية، والبعض يريدها مملكة ويحنون لأيام الملكية، وآخرون يريدونها إسلامية أو جماهيرية.. المجتمع فيه آراء متعددة ولكن المهم ما توافقنا عليه، ومشروع الدستور يعبر عن التوافق الليبي. والديمقراطية هي حكم الأغلبية واحترام الأقلية. المشروع يعبر عن أكثر من 70 % من الليبيين عبر هيئة منتخبة ولا يوجد دستور يلبي 100 % من مطالب الشعب، المهم ما يتوافق عليه الأغلبية، وهو ما تم، ولم يكن الوصول إلى هذا التوافق سهلاً.

● كيف تصورتم وضع الجماعات المسلحة غير الشرعية في الدستور؟
الدستور نص على أن الدولة هي التي تحتكر السلاح وحدها عبر مؤسسات رسمية مثل أي دولة في العالم، لكن جمع السلاح حالياً من الجماعات مهمة الحوار السياسي، ولا أريد أن أطرح حلاً لكيفية جمع السلاح، غير أن هناك دولاً مرت بحروب ونزاعات مسلحة وتمكنت من الوصول إلى شكل مدني للدولة مثل جنوب أفريقيا.

ونحن لا نريد الدخول في الحوارات الخاصة بكيفية جمع السلاح أو التخلص من الجماعات المسلحة، ونحن مع كل الليبيين وعلى مسافة واحدة من جميع الليبيين، وأنجزنا مشروع دستور يلبي طلبات جميع الشعب في ظل دولة مدنية تحمي حرية الإنسان وكرامته.

● كيف ترد على الاتهامات الخاصة بأن مشروع الدستور لا يضمن حقوقاً للأقليات مثل الأمازيغ والتبو والطوارق؟
كثير من المعترضين على مشروع الدستور لم يقرؤه، فهو ضمن حقوق كل الأقليات، وقد ركز على المواطنة، وقد اعتبر أن جميع اللغات التي ينطق بها الليبيون تراثاً وطنياً ورصيداً مشتركاً للجميع، وحث على الحفاظ على هذه اللغات وحمايتها وتنظيم إدماجها في مجالات الحياة العامة، على المستوى المحلي ومستوى الدولة.

وهذا النص جاء بمشاركة وتشاور مع الأمازيغ، والطوارق والاعتراض على أن ليبيا جزء من الوطن العربي مثلاً، في غير محله، فالمشروع توافقي وقد حدد هوية ليبيا بكل مكوناتها، لكن التبو يريدون منح الجنسية لكل شخص ويريدون تسمية المحافظات بأسماء خاصة بهم، وهذا أمر يمس الأمن القومي، وقد يؤسس لحكم ذاتي. وبخصوص معاملة الأقليات، فالدستور راعى النصوص الدولية في هذا السياق.

● هل توافق على أن الدستور يؤسس لدولة دينية باحتوائه على مواد تحدد ديانة المرشحين لرئاسة الجمهورية ومجلس النواب أو رئاسة الوزراء أو تولي منصب وزير وغير ذلك؟
لا نريد أن ندخل في هذه النقاط الخلافية، لكننا ننظر من جانب واقعي، فالشعب الليبي مسلم بنسبة 100 % وهو ما عبرنا عنه في هذه النقط، وهو ما يمثل إرادة الليبيين، ولا يمكن أن نتركها مفتوحة، وهذا الدستور لا يعبر عن الفكر الليبرالي المنفتح الذي لا يعبر سوى عن واحد في الألف أو الألفين من الليبيين، فغالبية الشعب متوافق على هذه الطريقة التي تعبر عن إرادتهم.

الدستور لا يمثل فكرًا مجرداً، ولا يمثل فئة محددة سواء كانت من المثقفين أو السياسيين، وهو لا يعبر عن أيديولوجيا، وإنما هو عقد اجتماعي يعبر عن إرادة الليبيين. والدولة الدينية هي التي يتولى فيها السلطة رجال الدين ولا يوجد في الدستور ما يؤسس لهذه الدولة، وإنما يعبر عن دولة مدنية ديمقراطية.

للاطلاع على العدد 223 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

● ماذا عن وجود مادة تنص على إشراف الدولة على جمع الزكاة؟
لا بد للدولة أن تتحكم في الإشراف على الزكاة لأنها أمر واقع، وهناك مخاوف من أن يتم استغلال هذه الأموال في الإنفاق على أعمال أو تنظيمات إرهابية مثلاً، وهو أمر حقيقي وموجود. الدولة لن تجمع أموال الزكاة وإنما تشرف عليها فقط. لأن هناك البعض قد يجمع أموالاً من أجل الإرهاب، وهو ما يجعل أوروبا نفسها تراقب الجمعيات الخيرية والأموال التي تصل إليها وتراقب كيف تصرف.

● هناك مادة تتحدث عن شكل الأسرة وضرورة أن تكون ملتزمة بالأخلاق التي تحددها الدولة.. لماذا يتدخل الدستور في هذه المسألة وهل يعني ذلك وصاية من الدولة لمنع ما تريد بحجة أنه لا يتوافق مع الأخلاق؟
الدستور ضمن الكثير من الحقوق والحريات، لكنه يعبر عن المجتمع المسلم، والأخلاق ليست كلمة مجردة أو تحمل التأويل. فالأخلاق محددة ومعروفة وهي تحدد تعامل الأسرة والعلاقات الزوجية. وهو ما لا يتعارض مع حقوق الرأي وحرية التعبير. وفي ظل هذا الدستور لا يمكن أن نرى فعلاً مثل مصادرة بعض الألعاب الخاصة باحتفالات رأس السنة الأخيرة في بنغازي.. فهذه التصرفات وغيرها مثل هدم الأضرحة ممنوعة وفق الدستور الذي يؤكد حرية الجميع في التعبير عن رأيه ورفض تكفير الآخر.

المزيد من بوابة الوسط