ليبيا دون ترتيبات مالية وسط مطالبات بتقليص الإنفاق

مقر المصرف المركزي في طرابلس، (أرشيفية: الإنترنت)

تصاعدت وتيرة القلق من عدم صدور الترتيبات المالية لأوجه الإنفاق والموارد المتوقعة حتى الآن، وذلك رغم مضى نحو شهرين على بدء العام الجديد 2020، في وضع استثنائي أرجعه مسؤولون ومحللون إلى استمرار إغلاق المنشآت والموانئ النفطية الذي أدى إلى توقف إنتاج النفط منذ 19 يناير الماضي، وكبد الميزانية خسائر تجاوزت 1.6 مليار دولار حتى الآن.

وانعكس تأخر الترتيبات المالية على النقاشات بين حكومة الوفاق والمصرف المركزي بشأن الإنفاق، إذ اتهم وزير المالية فرج بومطاري المصرف المركزي، بالمماطلة تجاه اعتماد مشروع ميزانية العام الجاري، بعد أن قدمت له منذ أكثر من أربعة أشهر.

وقال إن «مشروع الميزانية قدم في التاسع من أكتوبر من العام الماضي إلى مجلس الوزراء في حكومة الوفاق لمناقشته، والذي بدوره أحاله للجهات المعنية طبقا للاتفاق السياسي، الذي ينص على ضرورة التشاور بين الحكومة وديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي لاعتماد الميزانية».

لمطالعة العدد الجديد من جريدة «الوسط» اضغط هنا

لكن المصرف المركزي، وفي بيان الإيرادات والإنفاق في السنة الجديدة، قال إنه لم يجر اعتماد ترتيبات مالية للعام 2020 حتى الآن، رغم مطالبات المركزي المتكررة للجهات المعنية منذ سبتمبر الماضي.

وفي أكتوبر الماضي شكلت حكومة الوفاق لجنة لدراسة مشروع الميزانية، وبحثت خلال اجتماعين في فبراير الجاري وديسمبر الماضي الترتيبات المالية ومشروع ميزانية العام الجاري، وضمت اجتماعاتها النائب في الرئاسي أحمد معيتيق، ووزراء التخطيط الطاهر الجهيمي والمالية فرج بومطاري والاقتصاد والصناعة علي العيساوي.

وفي محاولة أكثر وضوحا لفك هذا الالتباس، أوضح المصرف المركزي، وعلى لسان مدير مكتب المحافظ عبداللطيف التونسي، أنه في ظل إغلاق النفط وهو مصدر الدخل الرئيسي للدولة يجب خفض الترتيبات المالية لعام 2020 إلى الحد الأدنى بحيث لا تتجاوز 35 مليار دينار. وأوضح أن سيناريو إغلاق الموانئ النفطية لم يكن مستبعدا بالنسبة لإدارة المصرف المركزي بعكس الحكومة التي لم تكن جاهزة له بدليل أنها قدمت ميزانية تناهز 50 مليار دينار رغم هذه الظروف.

مدير مكتب المحافظ أشار إلى أن كل الخبراء أجمعوا على أن هذه الميزانية لو أقرت ستكون بعجز كبير جدا ينوء الاقتصاد الليبي عن حمله، وحتى الآن لم نرَ من الحكومة أي إجراءات لتقديم مقترح ميزانية تأخذ في الاعتبار تبعات إغلاق النفط. وأفاد بأن الحل الذي يجب أن تتبعه الحكومة الآن يتمثل في خفض الإنفاق العام إلى أدنى المستويات والاقتصار فقط في الترتيبات المالية لسنة 2020 على النفقات الضرورية التي لا مناص منها، وهي الحد الأدنى من الأجور والمرتبات في الباب الأول، والحد الأدنى من النفقات التشغيلية في الباب الثاني.

وينزلق الوضع الاقتصادي إلى حاجز الأزمة، وترجمت بيانات المصرف المركزي حول الإيراد والإنفاق خلال الشهر الماضي الانعكاسات السلبية لتوقف إنتاج النفط في البلاد منذ 18 يناير الماضي، مع انحدار الإيرادات النفطية إلى حاجز (الصفر) وخلو خانة بيع المحروقات بالسوق المحلية من أية إيرادات، وذلك رغم التحذيرات المتصاعدة الصادرة عن المصرف المركزي ومؤسسة النفط من «أزمة وطنية».

المصرف المركزي، وفي بيان الإيراد والإنفاق لشهر يناير الماضي، أحصى الخسائر المباشرة من إغلاق الموانئ النفطية ووقف إنتاج الحقول بأكثر من 2.5 مليار دينار، وحذر من أن استمرار هذا الإقفال يهدد الأوضاع المالية والاقتصادية والسياسية.

لمطالعة العدد الجديد من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وبدأت أزمة توقف إنتاج النفط في السابع عشر من يناير الماضي، حين أعلن ما يعرف بـ«ملتقى القبائل والمدن الليبية» عزمه «إيقاف تصدير النفط من جميع الموانئ الليبية»، وطالب «جهات الاختصاص والمجتمع الدولي بفتح حساب لإيداع إيرادات النفط حتى تشكل حكومة تمثل كل الشعب الليبي»، وفور صدور البيان أغلق محتجون ميناء الزويتينة بعد أن دخلوه، لتتوالى الإغلاقات في موانئ البريقة ورأس لانوف والسدرة والحريقة.

ويشبه الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي الوضع الحالي للاقتصاد الليبي بأنه «فيروس كورونا الاقتصادي»، وتوقع «إجراءات عنيفة على صعيد السياسة المالية والسياسة النقدية في الفترة القادمة إذا استمر توقف تصدير النفط».

وأضاف «على الأغلب سيعمل المصرف المركزي بطرابلس على إيقاف منحة أرباب الأسرة بالدولار ويفرض على الحكومة أن تعدل نفقاتها وتتبع سياسة تقشفية»، متوقعا أن «يعيد المركزي النظر في عمليات بيع الدولار لغرض التجارة ويجعلها أكثر تحت رقابته بما سينعكس على نقص المعروض، وتتحرك السوق الموازية إلى مستويات سابقة لسعر الصرف».

«أي كارثة حلت على اقتصاد البلاد؟..» و«أي مصير مظلم جميعا نسير نحوه؟» بهذه التساؤلات اختتم الشحومي تدوينته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، ليضم سؤاله إلى سيل من الأسئلة التي تلاحق المشهد الاقتصادي الليبي منذ سنوات.