«الحل السياسي».. حلم الليبيين في ذكرى الثورة التاسعة

جانب من احتفالات البلاد بالذكرى التاسعة لثورة فبراير، 17 فبراير 2020، (الإنترنت)

برايات الاحتفال، وأعلام الاستقلال، احتفل الليبيون في مناطق متفرقة من البلاد، بالذكرى التاسعة لثورة السابع عشر من فبراير، من طرابلس إلى بنغازي وصولا إلى سبها في الجنوب حيث حيث زينت الأعلام عددا من شوارع وميادين المدن الليبية. ومع حلول الذكرى التاسعة لثورة فبراير، تتباين آراء الليبيين، حول الأزمة المحدقة بالبلاد، وسبل الخروج منها، رغم ذلك، يتفق الجميع على ضرورة السعي من أجل البحث عن حل ليبي–ليبي، لها. في السطور التالية، ترصد «الوسط» رؤى شتى، وأفكارا متنوعة، تدور كلها حول واقع الأزمة ومصيرها، وآفاق المساعي المختلفة في البحث عن حلول لها، لعل المواطن الليبي يهتدي يوما إلى حياته العادية، فيطمئن على مقدرات وطنه، وسلامة عيش أولاده.

في البداية تقول الأكاديمية والحقوقية الدكتورة جازية شعيتير، إن الحل «لن يكون ليبيًا–ليبيًا، سوى بإنهاك المسلحين في ساحات المعركة وانتصار أحد الأطراف على الأطراف الأخرى، فالمسلحون في ليبيا حاليا معركتهم صفرية؛ إما النصر أو الموت».

وأضافت لـ«الوسط»: «ماعدا ذلك، لن تكون هناك تسوية سياسية أو اتفاق للأطراف المختلفة في رؤاها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا من خلال وسيط يتميز بثقة الأطراف الوطنية والقدرة على إلزامهم بما يقترحه من حلول، أما غير ذلك، فأظن أن الأجدى هو الحل السياسي والاقتصادي الأجنبي، بمعنى تسوية دولية بين الحلفاء المتنازعين وطنيا».

لمطالعة العدد الجديد من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وتقول مقرر مجلس النواب صباح الترهوني، إن المشكلة في ليبيا «مشكلة أمنية وليست سياسية، وإذا أراد المجتمع الدولى مساعدة الليبيين، فعليه مساعدتهم في حل المليشيات وتسليم سلاحها، وجمع السلاح من عامة الناس، وأن تقتصر حيازة السلاح على مؤسسات الدولة وأن تكون هناك خطة لذلك. أما عن الحل، فنتمنى النجاح لحوار جنيف، وإلا سنقع في نفس أخطاء الصخيرات (الاتفاق السياسي)، وأن يتم منح الثقة للحكومة من مجلس النواب حتى يقبل بها الليبيون، ولا تفرض على الليبيين من المجتمع الدولى كحكومة الوفاق».

ورأت الترهوني ضرورة أن يعمل الليبيون من أجل تجاوز الأزمات والوصول إلى حل بعيدا عن التجاذبات، وأن يكون اجتماع جنيف مختلفا هذه المرة، بحيث تنتج عنه قرارات بدون مغالبة. وتابعت: «لن نقبل أي تسوية على حساب القوات المسلحة وجهودها المبذولة في استعادة الوطن من الجماعات الإرهابية والمليشيات التي تسيطر على مفاصل الدولة».

من جانبه، قال عضو مجلس الدولة أبو القاسم قزيط، إن فرص الوصول إلى حلول، كانت ممكنة في عام 2013 «بتوافق تحالف القوى الوطنية وزعيمهم الدكتور محمود جبريل وحزب العدالة والبناء وزعيمهم الأستاذ محمد صوان، فلو استطاعوا إدارة اختلافاتهم لكان من الممكن أن تحل المشكلة داخل البيت الليبي، لكن مع بداية 2014 تورطت بعض الدول الإقليمية بشكل سافر في الملف الليبي، وتجلى ذلك في قصف طرابلس بطائرات أجنبية في أغسطس عام 2014».

وأوضح قزيط أن الأزمة الليبية خرجت فعلا عن السيطرة بهجوم 4 أبريل (بداية حرب العاصمة) وانفتحت الأزمة على المجهول، ومما عمق جراح الوطن «استعانة المهاجمين لطرابلس بالقيصر الروسي، فكان لا مناص أمام حكومة الوفاق، التي ترى نفسها شرعية من الاستنجاد بالعالم قاطبة، لكن النجدة جاءت فقط من السلطان العثماني».

وأضاف عضو مجلس الدولة: «بذلك دخلت الأزمة طورا عالميا، فبعدما كان يكفي لقاء الزعامات الوطنية داخل البيت الليبي أصبح الأمر لا يحل إلا بتوافق بعيد المنال بين الدب الروسي، واليانكي الأميركي، لذلك فإن الأزمة الليبية الآن هي في طور التحول إلى وضع مزمن، وكل ذلك بسبب ارتهان بعض الأقطاب الرئيسة في الصراع للخارج، لذلك ليس تجاوزا أن نقول إن ما يجري في ليبيا هي حرب الآخرين على أرضنا، بدم أولادنا ومقدرات بلادنا».

في السياق نفسه، قال رئيس لجنة متابعة تنفيذ اتفاق تاورغاء – مصراتة عبد النبي أبوعرابة إن الحل «يجب أن يكون ليبيًا، لأن الليبيين هم المعنيون ببلادهم، ولكن ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه لابد من مساعدة المجتمع الدولي في إيجاد الحل السلمي، ولكن لابد أن يقتنع الليبيون أن المجتمع الدولي جاء من أجل مساعدتهم في الوصول إلى هذا الحل، وهناك أصدقاء صادقون وأصدقاء لهم مصالح والمصالح معترف بها في العلاقات الدولية وهي مصالح متبادلة وليست من أجل الاستعمار أو التبعية».

وقال رئيس المؤتمر الوطني لتفعيل دستور الاستقلال وعودة الملكية الدستورية لليبيا، أشرف بودوارة، إن الحل يجب أن يكون ليبيًا «يتناسب مع تركيبة المجتمع الليبي نفسه، بحيث يتوافق الليبييون على شخصية لها جذور تاريخية لتكون مظلة لكل الليبيين دون استثناء، بما يضمن الخطوات الرئيسسة المطلوبة لانتقال ليبيا من الوضع المتأزم الحالي إلى الوضع الانتقالي الدستوري لإعادة بناء دولة دستورية مستقرة آمنة تضمن لجميع الأطراف حقوقهم وتدعم الحوار بينهم، وبشكل يحقق التوافق الوطني بين كافة القوى السياسية في البلاد، ويجمع شمل الليبيين ويحفظ للوطن سيادته من التدخلات الخارجية».

ورأى بودوارة، أنه «لايوجد إطار عام تتجمع فيه المواصفات السابقة، وتلك المقومات إلا لشخص ولي العهد الليبي الأمير محمد الحسن السنوسي وعودة الشرعية الدستورية لدولة الاستقلال، وبالتالي يجب الإسراع بتفعيل العمل بالدستور الليبي الشرعي وعودة الملكية الدستورية كما كانت عليه بلادنا في 31 اغسطس من عام 1969، فهذا هو العلاج الصحيح والأمثل للخروج من الأزمة الليبية».

واعتبر عضو مجلس النواب محمد اجديد، أن حل المشكلة الليبية يكون «عسكريا، وطرد الإرهابيين والأتراك، وبعدها يتم تشكيل حكومة وحدة مع المصالحة الشاملة لكل مدن وقبائل ليبيا».

لمطالعة العدد الجديد من جريدة «الوسط» اضغط هنا

بدورها، قالت عضو هيئة صياغة مشروع الدستور رانيا الصيد إن الحل والحوار الليبي دائما ممكن وتزداد فرص نجاحه بعد المرور بتجارب مؤلمة تجسدت في معاناة شعب ويلات النزوح والفقد والحرب وتبعاتها. وأضافت: «يصبح الحل ممكنا، حين يقتنع الجميع باستحالة الحل العسكري وإمكانية الحل السياسي، وبفرص التفاوض والحوار واحترام الآخر، فنحن جميعا شركاء في وطن واحد نخاف فقده وضياعه وسط المطامع الخارجية، حينها تبدأ تتحقق فرص نجاح هذا الحل السياسي ونبدأ نتوصل إلى عدة حلول ومبادرات ومسارات مختلفة للوصول إلى قاعدة واضحة قابلة للتطبيق متوافق عليها يمكننا المرور من خلالها من حدة هذه الآزمة».

وواصلت الصيد استعراض رؤيتها بالقول: «ليبيا ليست بعيدة أبدا عن التدخلات الإقليمية والدولية، فهي تعاني وصاية تزداد سطوتها باشتعال الحروب والتفرقة بين الليبيين وتدوم باختلاف مصالح الدول وعدم اتفاقها على حل مشترك داعم، ويفرض الحوار الليبي الصادق الذي يرنو لحل أزمتنا، التقليل من التدخلات الخارجية السلبية أمام توحدنا وإصرارنا على الخروج من أزمتنا حرصا على بلدنا ومستقبل الأجيال القادمة من أبناء ليبيا».

وختاما، قال رئيس المجلس الأعلى للأمازيغ خيري الهاميسي، إن أوان الحل الليبي «قد فات في ظل تفاخر كل الأطراف المتصارعة بتحالفاتها الدولية». وأضاف: «لا تملك هذه الأطراف أي سيادة على أراضيها وإنما هي دمى، وألعاب في أيادي أطراف خارجية».

وبالتزامن مع ذكرى الثورة التاسعة، هنأت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الشعب الليبي بالمناسبة، حيث قالت في بيان الإثنين إنها «تنتهز هذه المناسبة لتؤكد التزامها الراسخ بمواصلة جهودها الحثيثة في مختلف المسارات والعمل مع كل الليبيين لإنهاء الوضع الراهن، وتحقيق الأمن والاستقرار، وبناء دولة القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية».

وفي السياق نفسه، قال رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، إن ثورة السابع عشر من فبراير المجيدة «أطاحت النظام الشمولي إيذانًا بانطلاق مرحلة جديدة لليبيا المستقبل التي نحلم بها جميعًا»، مترحمًا على «شهداء هذه الثورة جميعًا»، ومشيدًا بتضحياتهم الكبيرة. وأضاف في كلمته لمناسبة الذكرى التاسعة للثورة، الإثنين، «إن ذاكرة الأحرار تستحضر اليوم صور هذه التضحيات وما صاحبها من روح وطنية ومشاعر صادقة ونداءات مفعمة بحب ليبيا ووحدة ترابها وسلامة أراضيها».

وتابع: «هكذا كانت الدعوات، وهكذا كانت الصور التي رسمها الليبيون شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا في تلكم الأيام المباركة. في كل شبر من هذا الوطن العزيز سطر الليبيون على صفحة ناصعة من تاريخ ليبيا أسمى معاني الإقدام والشجاعة والبذل للخلاص من نير عبودية الفرد وحكمه الشمولي الظالم. انطلق الليبيون بعد ذلك في حراك مدني وسياسي ملفت كان محل تقدير كل المؤمنين بالتحول الديمقراطي في المنطقة والعالم، فانتظموا في طوابير الانتخابات واصطفوا تحت علم الاستقلال، ساعين إلى تحقيق الحلم الذي أطلقته ثورة فبراير المجيدة بالعيش في كنف دولة القانون والمؤسسات في إطار دستوري، ويحكمها مَن يأتي عبر صندوق الاقتراع». وشدد السراج في كلمته على أنه «لا عودة لعقارب الساعة إلى الوراء، ولن نقبل أن تتحول ليبيا إلى مزرعة يحكمها فرد أو عائلة أو قبيلة»، لافتًا إلى أن «هذا ما تعبر عنه مواقفنا الرسمية وما يعكسه خطنا السياسي والدبلوماسي». كما ترحم السراج على «كل مَن ارتقى شهيدًا بإذن الله في معارك الشرف والفخار للذود عن هذا البلد وعن عاصمته الأبية طرابلس، عاصمة كل الليبيين دون تفرقة أو استثناء»، مشيدًا بقوات الجيش الليبي وقواته المساندة «الذين تصدوا للمعتدين ولقنوهم دروسًا في الشجاعة والثبات والفداء وبددوا حلم المهووس بالسلطة المتطلع للحكم الشمولي».

وشهدت شوارع سبها، خروج المواطنين مع أطفالهم، إلى ساحة الاستقلال، وساحة الضمان، رافعين راية الاستقلال. ووسط ابتهاج الأطفال بالمناسبة، نحر مواطنو سبها جملًا في ساحة الضمان الاجتماعي احتفالا بالمناسبة. وتحدث عدد من أهالي المدينة عن الثورة في ذكراها التاسعة.

وقال الناشط المدني ناصر الشريف لـ«الوسط» «من إيجابيات ثورة 17 فبراير انطلاقة مؤسسات المجتمع المدني بشكل كبير وملحوظ على عدة أصعدة بعد أن كان معدوما قبل 2011 وأصبح له باع كبير الآن حتى على المستوى الدولي من خلال المشاريع المشتركة مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك بعض الدول الأخرى من خلال برامج التوعية المختلفة للمرأة أو الشباب أو كوادر القطاعات الحكومية وكذلك دعم المشاريع الصغرى والمتوسطة وريادة الأعمال، وهذا شئ إيجابي ويحسب من إنجازات فبراير».

من جهته، قال علي القائدي: «للأسف، وبكل مرارة، أقول إن فبراير لها سلبيات أثرت على المواطن مباشرة، من ظروف معيشية صعبة وحروب وانقسامات، وهذا يعني أن الأشخاص الذين تولوا المناصب لم يكونوا في المستوى، بل كان همهم مصالحهم الشخصية».

وأضاف: «من ضمن السلبيات أيضا ما رأيناه من كثرة التهجير واضطرار الناس إلى النزوح، وبعد أن تفاءلنا خيرا بانتخابات 2012، وجدنا أن المجلس الانتقالي لم يكن لديه مشروع دولة، رغم الإعلان الدستوري، ولكن الجهويات وأطماع بعض الشخصيات هي السبب».

أما الدكتور عبد المجيد التجاني، فقال إن ثورة فبراير «لم تكن سيئة أبدا، وفي مقدمة ثمارها كان أن شهدنا أول انتخابات بعد خمسة عقود لم تر البلاد فيها أية انتخابات. وشارك الجميع في تلك الانتخابات دون إقصاء. ثورة فبراير جاءت من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية». في حين قال، محمد البكوش إنه رغم الظلم والحروب، لكن علينا جميعا «أن نتحرك نحو بناء الوطن، وثورة فبراير فرصة لبناء دولة حديثة، وفق دستور متفق عليه، وأن نبتعد عن خطاب الكراهية والسلبية».

شارك في التقرير: جيهان الجازوي ورمضان كرنفودة

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط