جريدة الوسط: تصعيد عسكري .. والمسار السياسي لم يتخلص من المراوحة

دخان متصاعد من ميناء طرابلس جراء سقوط قذائف عليه، 18 فبراير 2020، (الإنترنت)

كما هو الحال مع إنتاج النفط الذي يواجه عراقيل منذ العام 2011، تحولت حالة القوة القاهرة إلى متلازمة تلاحق كل حراك دبلوماسي دولي يمضي خطوة على طريق حل الأزمة الليبية، إذ ظهرت خروقات جديدة عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2510 بوقف إطلاق النار في ليبيا الأسبوع الماضي، وإطلاق الاتحاد الأوروبي مهمة بحرية جديدة لمراقبة تطبيق حظر دخول الأسلحة إلى البلاد، مع ما يواكبها من جدل، والمسارات الأممية الثلاثة للحل، والتحذير الأميركي -على لسان ترامب- من استمرار التدخل الأجنبي، وكان استهداف ميناء طرابلس للمرة الأولى هو التطور الجديد لمسار الحرب التي تجاوزت استهداف مطار معيتيقة ومحاور جنوب العاصمة فحسب، بل طالت الميناء أيضاً، لتلقي بحجر عثرة جديد أمام المسار السياسي.

وقبل ساعات من موعد انطلاق الجولة الثانية من مباحثات اللجنة العسكرية «5+5» في جنيف، التي تهدف إلى التوصل إلى تثبيت وقف دائم لإطلاق النار في البلاد، كانت أصوات الانفجارات تهز ميناء طرابلس بقذائف أسفرت عن مصرع ثلاثة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، وفق وزارة الصحة، وتحطيم وحرق حاويات محملة بمواد غذائية وسلع متنوعة، استوردها تجار ليبيون، وفق وزارة المواصلات، ليتبادل طرفا النزاع الاتهامات، وفيما اتهمت عملية «بركان الغضب» التابعة لحكومة الوفاق، القوات التابعة للقيادة العامة بتنفيذ الهجوم، أعلنت غرفة عمليات «الكرامة»، التابعة للقيادة العامة تدمير سفينة تحمل أسلحة وذخائر تركية في الميناء.

لمطالعة العدد الجديد من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وينضم هذا الخرق الجديد لوقف إطلاق النار أو الهدنة «الهشة جداً»، وفق توصيف نائبة المبعوث الأممي، ستيفاني ويليامز، إلى «أكثر من 150 انتهاكاً» رصدتها الأمم المتحدة، وفي أول رد فعل على هذا القصف كان تعليق المجلس الرئاسي مشاركته في المحادثات العسكرية «5+5»، قبل أن يعود إليها مجددا بعد جهود بذلها المبعوث الأممي غسان سلامة، الذي صرح في مؤتمر صحفي أخير في جنيف عن صعوبات تحيط بالهدنة، إذ طرح عدة تساؤلات حول «من يراقب الهدنة، ومن يراقب إطلاق النار. وماذا يكون مصير المقاتلين غير النظاميين.. والأسلحة الثقيلة».

وفي هذا السياق، تبدي أوساط دبلوماسية تفهماً لحديث سلامة عن أن «قرارات مجلس الأمن لا تنفذ بين عشية وضحاها»، خصوصاً في سياق الأزمة الليبية وتعقيداتها المتشعبة، بما تحمله من غياب التفاهمات الداخلية والإرادة الدولية الملزمة لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2510 بشأن وقف إطلاق النار غير المشروط، والالتزام بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وهو ما أظهرته نتائج اجتماع لجنة المتابعة الدولية بشأن ليبيا، في ميونيخ الأحد الماضي، التي اكتفت بـ«التأكيد على استنتاجات مؤتمر برلين الصادرة في 19 يناير الماضي، والتزامهم الثابت بتنفيذها الكامل»، وهو ما لم تترجمه الوقائع على الأرض.

ويبدو أن التأخر في تطبيق قرار مجلس الأمن، تصاحبه عراقيل أخرى في طريق مهمة بحرية جديدة أطلقها الاتحاد الأوروبي، من المقرر أن تركز على شرق «المتوسط»، حيث تعبر الأسلحة في طريقها إلى ليبيا، وتشمل نشر سفن وتنفيذ عمليات جوية، مع احتمال نشر قوات برية، وفق تصريحات وزير الخارجية الإيطالي لويغي دي مايو عقب اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل الإثنين الماضي، لكن الممثل الأعلى للسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، قال إن اللجنة العسكرية الأوروبية هي من سيحدد «قواعد الاشتباك» الخاصة بمهمة المراقبة الجديدة.

العملية الجديدة، التي حظيت بمواقفة الاتحاد الأوروبي رغم خلافات خلال المناقشات بشأنها، لقيت ردود فعل غير إيجابية، إذ قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن الاتحاد الأوروبي لا يملك أي صلاحية لاتخاذ قرار بشأن ليبيا، فيما شدد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، على أن المهمة الجديدة «يجب أن تحظى بموافقة مجلس الأمن الدولي»، بينما اعتبرت وزارة الخارجية بحكومة الوفاق أن الخطة الأوروبية «ستفشل بشكلها الحالي خصوصاً على الحدود البرية والجوية بالمنطقة الشرقية». وبشأن مسار جنيف بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، تحولت المواقف المتعلقة بالمشاركات هذا الأسبوع، إذ سمى مجلس النواب عدداً من أعضائه المشاركين في الحوار، كما أعلن رئيس المجلس عقيلة صالح 12 نقطة لإنهاء الأزمة في البلاد»، مؤكداً أن المشكلة في ليبيا أمنية بالدرجة الأولى.

لمطالعة العدد الجديد من جريدة «الوسط» اضغط هنا

في المقابل من المقرر أن يناقش مجلس الدولة في جلسته التي تعقد السبت المقبل، إمكانية ذهاب وفده للمشاركة في حوار جنيف من عدمها، وذلك في «ظل استمرار خرق اتفاقات وقف إطلاق النار واستهداف العاصمة طرابلس»، حسب تعبيره.. في هذه الأثناء، سجل الدور الأميركي حضوره الخافت في الأزمة الليبية في مشهدين هذا الأسبوع، الأول كان عبر تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإثنين الماضي خلال اتصال هاتفي مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من أن استمرار التدخل الأجنبي في ليبيا سيزيد الوضع سوءاً، أما الظهور الأميركي الثاني فكان خلال لقاء السفير الأميركي ريتشارد نورلاند، الثلاثاء الماضي، القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، بمقر القيادة العامة بمنطقة الرجمة شرق بنغازي، إذ أكد نورلاند «أهمية التوصل إلى تسوية تفاوضية».

أما الدور الروسي، فلا يزال يضع الملف الليبي إلى جانب السوري في لعبة التوازنات والمساومات، وفي هذه المرة جاء حديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في مقابلة مع جريدة «لا ستامبا» الإيطالية، عن أن «الأمم المتحدة هي وحدها التي يمكنها ضمان تكامل ليبيا»، وذلك رداً على تصريحات أوروبية في هذا الشأن، في الوقت نفسه كان لقاء وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو وحفتر في موسكو الأربعاء، الذي حمل تأكيدات على ضرورة تنفيذ قرارات مؤتمر برلين بشأن ليبيا.

وما بين تعدد القرارات والمبادرات الدبلوماسية، وتباينات المواقف الإقليمية والدولية، يبقى المواطن الليبي الخاسر الأوحد في هذه «اللعبة الكبرى»، إذ إن ليبيا لا تزال دون مورد حقيقي للإنفاق منذ 18 يناير الماضي، مع اقتراب خسائر إقفالات المنشآت النفطية الليبية من نحو 1.650 مليار دولار خلال شهر، وذلك بمتوسط خسارة يومية 55 مليون دولار، لتستمر أرزاق الليبيين رهينة «القوة القاهرة»، وتبقى الحلول الشاملة والعادلة للأزمة رهينة الوضع نفسه حتى إشعار آخر.