التمسك بالحل العسكري يعطل تهيئة دول الجوار لأرضية مؤتمر مصالحة و«الصخيرات 2»

أحد المقاتلين من قوات حكومة الوفاق الوطني في طرابلس يوم 12 يناير 2020 (فرانس برس)

وُضعت مرة أخرى الحواجز في طريق العودة إلى العملية السياسية في ليبيا مع تمسك طرفي الحرب بالحسم العسكري كخيار أول، وتصميم قوى أجنبية تقديم دعمها من وراء الكواليس، فيما تستعجل دول الجوار استئناف الحوار السياسي قبل أن تخرج الأزمة عن السيطرة ويمتد حريقها إليها.

وعاد ممثل الدبلوماسية الجزائرية من طرابلس إلى بلاده محملاً بشروط وُضعت للانخراط في جهود السلام في أعقاب تهيئة الجزائر أرضية لاحتضان مؤتمر للمصالحة الوطنية. ولم يخلُ لقاء وزير الخارجية صبري بوقادوم بمسؤولي حكومة الوفاق، وعلى رأسهم رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج من فرض أولاً وقف هجوم القيادة العامة للجيش الوطني وضمان عدم تعرض العاصمة والمدن الأخرى لأي تهديد، مع عودة النازحين قبل مواصلة الاستمرار في مسارات جنيف المقررة يوم 26 فبراير بعد مقاطعة «الوفاق» لجلسة الثلاثاء الماضي على خلفية تعرض ميناء طرابلس للقصف، كما نقل الجانب الليبي للجزائر رفضه تفصيل نظام سياسي على ليبيا من طرف بالخارج، وهو ما دفع الوزير بوقادوم للتأكيد «أن الجزائر ستعمل بكل جهدها لوقف الحرب وأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة».

وسبق لبوقادوم أن زار مدينة بنغازي قبل أيام والتقى القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر بحثًا عن نزع فتيل التوترات في ليبيا التي مزقتها الحرب، وتشجيع وقف إطلاق النار في عاصمتها طرابلس.

أسئلة في طريق وقف إطلاق النار
ولا تخفي الأمم المتحدة سرًّا الحاجة إلى مزيد الوقت للتفاوض، بينما تعثرت مفاوضات اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» بجنيف ومؤتمرات برلين ولجنة المتابعة الدولية لقراراته التي اجتمعت في ميونيخ، ما تطلب دعوة القوى الكبرى المؤثرة في الضغط على الأطراف الليبية لاحترام وقف إطلاق النار وتثبيت الهدنة المعلنة في 12 يناير الماضي.

ومع ذلك لم يجب المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة عن أبرز معضلة في حال تثبيت الهدنة بضرورة عودة قوات القيادة العامة إلى الخطوط الأمامية أم لا مكتفيًا بالسؤال حول مَن «يراقب الهدنة، ومَن يراقب إطلاق النار وماذا يكون مصير المقاتلين غير النظاميين.. والأسلحة الثقيلة».

وفي السياق تدرك الحكومات الأوروبية عدم جدية مجلس الأمن من خلال لجنة العقوبات في وقف إرسال السلاح والمقاتلين إلى ليبيا، لذلك برزت فكرة بعث قوة أوروبية جوية بحرية لمراقبة حظر الأسلحة في ليبيا رحب بها مبعوث الأمم المتحدة لتخلف مهمة «صوفيا» للقيام بدوريات في نهاية مارس في المياه الدولية، لكن الإشكال يبقى في تحفظ دول أوروبية على غرار روسيا والنمسا على المهمة الذي سبق لها أن بعثت آلية مراقبة بحرية وجوية، بيد أنها فشلت وتخلى عنها الاتحاد في 2017.

من جانبها تضع الحكومات المغاربية الآن في حساباتها مزيد التصعيد العسكري على خلفية تمسك الأطراف الليبية بالحسم العسكري كخيار أول وأيضًا تصميم بعض من الدول على دعم الأطراف الخارجية، ما يهدد مسارات الحوارات السياسية والعسكرية بالإخفاق.

وفي ذكرى ثورة فبراير بعد تسع سنوات عاد إلى الواجهة مجددًا الحديث عن حوار «الصخيرات 2» كأرضية للحل في ليبيا، وقال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بعد اتصال مع رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري إن الأخير اعتبر اتفاق الصخيرات يشكل مرجعية قانونية لأي حل سياسي للأزمة الليبية. وقالت الخارجية المغربية، «إن رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي خالد المشري رحب باستضافة الرباط جولة جديدة من الحوار الليبي». علمًا بأن وزير الخارجية بالحكومة الموقتة عبدالهادي الحويج، زار الرباط أخيرًا لبحث الوضع الليبي مع المسؤولين المغربيين.

وكانت المغرب تمكنت قبل سنوات في جمع الفرقاء الليبيين حول مائدة تفاوض استمرت لسنوات وانتهت باتفاق تم توقيعه في مدينة الصخيرات بتاريخ 17 ديسمبر 2015 لإنهاء الصراع في ليبيا وذلك برعاية الأمم المتحدة.

بدورها انتهزت الجزائر مناسبة إحياء الذكرى الحادية والثلاثين لتأسيس الاتحاد المغاربي لمناقشة دور الهيئة المعطلة في حل الأزمة الليبية الراهنة. وقال رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري، إن على دول المغرب العربي التكاتف لمواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها وأولها ليبيا.

قلق جزائري وتحول تونسي
وحذر رئيس الغرفة السفلى للبرلمان (المجلس الشعبي الوطني)، سليمان شنين، من الحسابات الإستراتيجية والنفعية والإقليمية والدولية، حول ليبيا، وتنامي التدخلات الأجنبية التي لا تسهل بناء توافقات عملية بين الليبيين للخروج من حالة الانسداد.

وأوضح شنين أن الجزائر تسعى للمساهمة في حل النزاع الليبي بما يحفظ لليبيا سيادتها ووحدة شعبها ورقعتها الجيوسياسية، مع رفض كل أشكال التدخل الأجنبي في شؤونها الداخلية، مشيرًا إلى مساندة المجتمع الدولي للمقاربة الجزائرية لحل الأزمة ليبيا، وكذا دعوته لعقد مؤتمر حول بناء السلم والمصالحة الوطنية في ليبيا.

كما اعتبر رئيس مجلس الأمة الجزائري صالح قوجيل أن الوقت حان لتوحد بلدان المغرب العربي، خصوصًا مع الوضع الذي تعيشه المنطقة اليوم، من الأزمة الليبية والتدخلات الخارجية في هذه المنطقة.

وفي تحول لافت بموقف رئيس مجلس نواب الشعب التونسي راشد الغنوشي من الأزمة الليبية دعا إلى ضرورة إقامة علاقات دبلوماسية مع الطرفين المعترف بهما دوليًّا في ليبيا وهما البرلمان المتواجد في غرب البلاد وحكومة الوفاق الوطني بطرابلس.

وقال الغنوشي الذي يرأس أيضًا حركة النهضة التونسية إنه «من الخطأ» مواصلة سياسة الحياد في ليبيا مثلما اعتقد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي «أن مصالح تونس الكبرى مع الجانب الغربي في ليبيا، حيث كان يرى أن كل خطوة سيأخذها في هذا الاتجاه سيتهم بالانتصار للأصوليين».

وأرجع الغنوشي في تصريحات صحفية تراجع دورهم في تسوية الأزمة إلى إلصاق «تسمية إسلامي وعلماني التي كان لها انعكاس سلبي والتجاذبات الداخلية التي أفضت إلى سياسة الحياد». معترفًا بـ«تقصير التونسيين في الملف الليبي وفي إطفاء الحريق الليبي».

المزيد من بوابة الوسط