الصحافة الليبية بعد ثورة فبراير: ازدهار مفاجئ ثم تراجع كبير أمام «السوشيال ميديا»

رئيس تحرير «أخبار بنغازي» سالم العبار و السيد حمدي صاحب مكتبة بسوق الزيتون . (بوابة الوسط)

برز أثر ثورة فبراير في ليبيا، على سوق الصحافة والنشر بشكل كبير في مدينة بنغازي، حيث ظهر فيها نحو 280 جريدة متنوعة، ثم تراجع كل ذلك تدريجياً حتى وصل بعد ثلاث سنوات من عمر الثورة إلى عشر صحف، ثم اختفت مع بداية عملية «الكرامة» لنصبح أمام جريدتين اثنتين فقط «برنيق وأخبار بنغازي». وبعد تحرير بنغازي بدأت الصحف الورقية تنتعش وعادت مجموعة من الصحف للصدور من جديد، وظهرت أخرى جديدة.

في البداية، يقول السيد حمدي صاحب مكتبة بسوق الزيتون: «إن نسبة إقبال الناس على شراء الصحف، تكاد تكون 1% من حركة الشراء، وهناك صحف نسبة المبيعات بها صفر».ويضيف لـ«الوسط»: «حقيقة هذا شيء محزن، غير أن هناك بعض الصحف لازالت نوعاً ما تلقى إقبالاً لسبب واحد فقط هو التعود على شرائها». وعن سبب بيعه لهذه الصحف ما دامت لا تلقى رواجاً قال: «لا أريد أن أمنع عن الزبائن المعدودين الذين يأتون إلى المكتبة، شراء جريدة تعودوا عليها، وأنا تعودت على عرضها، وبالتالي لم أعد أستطع الاستغناء عن ذلك».

أخبار بنغازي
وكنموذج للصحافة الصامدة، التي استمرت ربع قرن دون انقطاع، جريدة «أخبار بنغازي»، التي التقينا رئيس تحريرها القاص والكاتب السيد سالم العبار. يقول العبار: «السبب الأول هو الاقتراب الوجداني من الناس بحيث تكون هناك علاقة بين الجريدة والقارئ الذي يجد نفسه فيها، ومن خلال جريدة أخبار بنغازي درسنا الواقع المعيشي للناس، خاصة في المدينة التي تصدر فيها، وبالطبع كل عصر له متطلباته وظروفه المختلفة، فلاحظنا في بنغازي أن الناس لها حنين للتواصل الاجتماعي والترابط الاجتماعي. ولم تكن السوشيال ميديا موجودة في ذلك الوقت، وكان التواصل بين أبناء بنغازي في تلك الفترة من خلال الوفيات، فحرصنا على أن تكون صفحة الوفيات موجودة في كل عدد بحيث يمكن للقارئ أن يطلع على هذه الأخبار».

للاطلاع على العدد 221 من جريدة «الوسط»

وأضاف العبار: «الجانب الآخر أيضاً، والمهم في عملنا هو (ذاكرة بنغازي القديمة) وتاريخ بنغازي القديم المسكوت عنه، الذي كان من الصعب التطرق إليه، فكان العدد الكبير من قراء الجريدة من سكان المدينة القديمة، أيضاً كان لدينا الجانب الرياضي، وجانب التراث الشعبي. الجانب الآخر، والأهم هو صفحة (عين المدينة)، وطرحنا من خلال هذه الصفحة ما يحدث من سلبيات في المجتمع، وكان الناس يتطلعون من خلالها إلى معرفة الحلول».

ندوات وتفاعل مع القراء
ويتابع رئيس تحرير جريدة «أخبار بنغازي» قائلاً: «كانت كل الناس تكتب في الجريدة، وهذا كله جعل لدينا رصيداً كبيراً من القراء، وهناك جانب آخر مهم جداً، وهو جانب المواهب الأدبية، حيث حرصنا على إتاحة المساحة للأقلام الشابة ولكن عبر الجريدة، فقمنا بنشر القصص القصيرة والقصائد التي يكتبها هؤلاء المواهب، كما قامت الجريدة بعقد سلسلة من الندوات التي تخص المواطن، هذا بصفة عامة ما جعل للجريدة قراء، وبالتالي خلق لدينا مصدر إعلان مهماً لأي مطبوعة من أجل الاستمرار». ويوضح العبار أكثر فيقول: «في صفحة عين المدينة نقوم بعمل تحقيقات، واستطلاعات حول ما يتم عرضه، وفي الغالب نتمكن من حل هذه المشاكل عندما يتواصل معنا المسؤولون».

اقرأ أيضا: عادل الحاسي: «فبراير» ثورة شعب حقيقية.. والنخبة تتحمل المسؤولية

وعما إذا كانت جريدة »أخبار بنغازي»، امتداداً لجريدة »أخبار المدينة»، قال العبار: «لا، ليست امتداداً لها، حيث إن أخبار المدينة أُنشئت بقرار البلدية آنذاك ويدعمها إبراهيم بكار بميزانية مستقلة، ومع ذلك توقفت الجريدة بعد إلغاء البلديات، فقدمت مقترحاً إلى السيد إبراهيم العريبي، وكان في ذلك الوقت رئيس اللجنة الإدارية لإذاعة بنغازي المحلية العام 1994م، بحيث إن الجريدة تصدر عن إذاعة بنغازي المحلية وتسمى (أخبار بنغازي)، وتمت إحالته إلى أمين الثقافة والإعلام آنذاك السيدة فوزية شلابي، وقامت بالرد على المقترح قائلة: سننظر في هذا المقترح، ولكن بعد تنظيم أمور الشعبيات طبعاً في تلك الفترة، ومن ثم صدر القرار بأن أمانة الثقافة والإعلام غير قادرة على تمويل هذه الجريدة، ثم توجهنا إلى السيد إبراهيم العريبي مرة أخرى، وأعطانا الموافقة وانطلقنا من الصفر، وجئنا إلى مطابع الثورة آنذاك من أجل الطباعة فقالوا لنا: إن جريدة أخبار المدينة لها مديونية تبلغ نحو 70 ألف فأخبرناهم أن أخبار بنغازي ليست امتداداً لأخبار المدينة، ولا تتبعها بأي شكل من الأشكال».

تحت مظلة النظام
وحول علاقة الجريدة بالنظام السابق، خاصة أنها كانت تصدر دون أن تكون ناطقة باسم النظام بشكل مباشر، قال العبار: «كنا نصدر تحت مظلة النظام بالطبع، ولكن كنا نعمل وفق القوانين المعمول بها آنذاك، والحمد لله لم يسجل ضدنا أي خرق قانوني، فكنا حريصين على أن تكون جميع أعمالنا قانونية. تعرضنا لبعض الظروف، ولبعض النكسات نتيجة للأحداث الجارية فكنا نعمل كمتطوعين، ونعمل من بيوتنا، وكنا نتواصل فيما بيننا عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي من أجل تصحيح المادة وإخراجها وإرسالها للمطابع لأنه لم يكن لدينا مقر، وكل ذلك من أجل استمرار الجريدة وعدم توقفها، والآن عدنا لمقرنا. نعم ليست الجريدة بالإمكانات السابقة، ولكننا قادرون على الاستمرار».

اقرأ أيضا: «17 فبراير» في عيون الليبيين: تعثرت الثورة .. وبقيت أحلام البسطاء

وعن توقيت استقلال الجريدة عن أمانة الثقافة (وزارة الثقافة في عهد النظام السابق)، واصل العبار قائلاً: «كنا مستقلين عنها مادياً منذ التأسيس، ولكن تم الاستقلال عنها إشرافياً منذ العام 2011، حيث أصدرنا لها ترخيصاً بأن تكون جريدة مستقلة لا تتبع أي جهة كانت». وعما إذا كانت الجريدة ستصدر نسخة إلكترونية لها، قال العبار: «يوجد لدينا موقع إلكتروني، ولكن لعدة أسباب لم نقم بتفعيله مرة أخرى، ومع ذلك لن نتخلى عن الورقي».

وتابع: «النسخة الورقية مهمة جداً، فهناك أشياء لا يمكن نشرها، إلا في الورقي وهو ما يصدر عن المحاكم، أو ما تتطلب المحاكم نشره، أو ما يتطلب القانون نشره، لأن الجريدة الورقية هي الوسيلة الوحيدة التي يعتد بها في المحاكم». وعن المبيعات، قال العبار: «حتى الآن، لا يوجد لدينا مرتجع لأننا نقوم بدراسة السوق ثم نحدد كم نسخة سنطبع، في فترة سابقة كنا نطبع 7 آلاف نسخة، ووصلنا في أحيان كثيرة لطباعة 10 آلاف نسخة وكانت توزع بالكامل» مشيراً إلى أن «السوشيال ميديا»، أثرت بشكل كبير على المبيعات، قائلاً: «هناك صفحات قمنا بإلغائها بالكامل، وكانت فيما مضى سبب انتشار الجريدة مثل الرياضة وصفحة الوفيات، والحمد لله مضى على صدور الجريدة ربع قرن، ولا ندين لأحد، ولا توجد لدينا قضايا في المحاكم».

المزيد من بوابة الوسط