«17 فبراير» في عيون الليبيين: تعثرت الثورة .. وبقيت أحلام البسطاء

ليبيون يلوحون بالعلم الوطني في ذكرى ثورة 17 فبراير (أرشيفية: الإنترنت)

«سامحينا».. بهذه الكلمة صاح عدد من سكان منطقة وسط البلاد في بنغازي، في وجه محررة «الوسط» حين رأوها مقبلة عليهم، حاملة الكاميرا، تسألهم عن ثورة فبراير، بعد تسع سنوات مضت عليها. انفض الجالسون ملوحين بأيديهم، وهم يشيرون إلى ما حولهم من دمار طال البيوت، وأعباء أثقلت كاهل الجميع، جراء النزوح، وكلفة الإيجار.

أحد المواطنين آثر الحديث، طالبا عدم ذكر اسمه، ليقول: «لم يتبق شيء. الثورة ماتت، ومن قام بها مات، رغم أنها كانت ذات أهداف نبيلة لكن للأسف تم استغلالها أسوأ استغلال».من جانبها، قالت المعلمة نورا البدين: «ثورة فبراير تمثلني وبقوة، فهي ثورة شعب ثار على نظام مستبد، نعم نحترم بعض إيجابياته، ولكن انتفاضة الشعب لا محالة من قيامها، ثورة نحترم فيها كل قطرة دم سالت من أجل التعبير والحرية والعدالة، سرقت نعم، وحرم شبابها وشعبها أجمع من التطلع لمستقبله وأحلامه المهدورة، لكن برغم ذلك ما زلنا متمسكين بتحقيق أحلامنا».

روح فبراير
أما الطالب بكلية الإعلام مفتاح الزكرة، فقال إن الثورة ما زالت موجودة «كل ما يحدث هو فبراير، لأنها ثورة تغيير ومطالب، من الممكن أن تكون روح فبراير غابت، وهذه الروح كانت متمثلة في الصف الواحد، والهدف الواحد، حيث اتفق الشعب على إنهاء حكم الأربعين عاما. أربعون عاما دون تنمية حقيقية، ودون عيش كريم. الشعب كله اتفق على هذا، وهذا هو سر نجاح إطاحة نظام القذافي، أي أن الجموع التي خرجت في فبراير كانت تستهدف تحقيق مشروع نزيه، غير أنه كان في فبراير من يتربص وهدفه السلطة عكس مطلب الشعب، وأيضا كان هناك مشروع آخر إقليمي، وقبله مشروع إقليمي عكسه فتضرر من وراء كل ذلك الشعب».

للاطلاع على العدد 221 من جريدة «الوسط»

وأضاف مفتاح: «هناك أشخاص نادمون لأنهم شاركوا في ثورة فبراير، ولكن هم غير مدركين كيف سُرقت، وكيف يخطط بأن تكون نكبة، وهناك فئة أخرى صامتة من الشعب، وعددهم كبير يعرفون ذلك ولكن لا حول لهم ولا قوة فهم يريدون العيش الكريم، وهذا مطلب فبراير الحقيقي. وأؤكد أن ما تبقى من فبراير هو مضمون فبراير، والمطالبة بالحقوق من عيش كريم، وحرية التعبير، ومحاربة الفاسدين، وأن تكون ليبيا دولة تحترم هويتها، دولة ذات مؤسسات، وهذه المطالب ما زلنا نقاتل من أجلها، وقد يظن الكثير أن فبراير هي موت القذافي، ولكن هذه مغالطة كبيرة فلو القذافي صدق مرة واحدة وحاول التغيير ما خرج الشعب عليه».
بدورها، تقول الطالبة بكلية الإعلام جامعة طرابلس أمل الزادم: «تبقى من ثورة فبراير حلم الشباب الضائع على أبواب هذا الوطن. الكلام الذي لا فائدة منه، والحرية المطلوبة بأسوار السجون».

أحلام البسطاء
وفي اقتضاب يقول الناشط السياسي محمد العمري إن الذي تبقى من الثورة هو «أحلام البسطاء»، في حين أجابت القاصة حميدة سليمان عن سؤال: ماذا تبقى من الثورة، بالقول: «تبقى الإرهاب». وفي السياق نفسه، قال الإعلامي الشاب سيف الدين علي: «للأسف لم يتبق من الثورة إلا الدمار والخراب والفتنة والانقسام، وارتفاع نسبة الفقر، وسوء الأحوال المعيشية للمواطن الليبي، وهذا ليس بسبب الثورة و إنما السبب هو الشعب الليبي نفسه الذي لم ينهض بعد الثورة نهضة رجل واحد».

وقالت الأستاذة بقسم الإعلام جامعة المرج منى خليفة: «الثورة لم يبق منها شيء سوى ذكرى الحلم للتغيير للأفضل. استغلها من استغلها وأفسدتها جماعة كانت تطمع في السيطرة على البلاد، وعندما خسروا فرصة الحكم جرونا لحرب، وجعلوا البلاد مكب للمرتزقة والجماعات المتطرفة والعصابات. نحن تجاوزنا الثورة أو بمعنى أصح انحرفنا انحرافا تاما عنها. نحن اليوم في مواجهة حرب وحالة تعبئة، نسأل الله أن نخرج منها سريعا ونلملم شتات الوطن وننقذ ما يمكن إنقاذه».

الأطماع الخارجية
ويقول المواطن خالد ماضي–ليسانس لغة عربية–: «ثورة فبراير ثورة شعب وضحّى من أجلها الليبيون، وإن كان بعض الموالين لفبراير كانت أطماعهم مادية أو سلطوية وهم من أفسدوا مسار فبراير الذي نادى بالحريات والعدالة الاجتماعية ودستور يضمن حقوق المواطن الليبي، والعيش بكرامة فوق الأرض الليبية، ناهيك عن الأطماع الخارجية التي لم تكن واضحة لليبيين أثناء فترة الثورة وكنا نظن أنه من أجل الليبيين والذي تجلي في السنوات الأخيرة». ويضيف ماضي: «كلنا أمل في تحقيق الأهداف التي ضحي من أجلها المواطن البسيط، وإن طال النضال فالتركة ليست ببسيطة، والأحقاد والأطماع في ليبيا هي من عرقلت المسار الديمقراطي الليبي».

الحقوقية نيفين الباح: الثورة انحرفت عن مسارها.. والانتخابات أبرز مكاسبها

ومن جانبه، قال عبدالناصر الرباصي رئيس تجمع شباب الخير ببني وليد: «كل ما يحدث نتيجة طبيعية لوضع غير طبيعي، وهي بلا شك تراكمات لنظام دام لأكثر من 40 سنة، وخلّف كما هائلا من الأحقاد واليوم ليبيا تمر بمخاض عسير سيولد بعده الفجر المشرق».

ويقول حسام محمد–ماجستير لغة إنجليزية: «ثورة فبراير مثلها مثل أي ثورة عربية انتفض أهلها رفضا للظلم والفقر والقهر وتغييرا لأوضاع البلاد إلى الأفضل وتطلعا إلى الحرية مثل باقي الدول، غير أن ثورة فبراير مرت بعدة مطبات وما زالت حتى الآن تواجه عداء كبيرا من عدة دول ترفض الديمقراطية وتخشى أن تنتقل هذه الثورات والربيع العربي إليها. ثورة فبراير تتعثر لكنها لا تموت وستحيا من جديد بالرغم من كل التحديات والصعاب».

ستبقى المبادئ
في السياق نفسه، قال عضو المجلس الانتقالي حسن الصغير: «فبراير كلها باقية مبادئها، وما زال يطالب بها كل من هم في المشهد اليوم؛ وهذه المطالب هي: دولة المؤسسات وحق المشاركة السياسية والاجتماعية والعدالة الاقتصادية. أما التعامل مع فبراير على أنها تاريخ أو شخوص يجعلها ميتة منذ ولادتها. ليبيا تخرج ببطء من نتائج التغيير الحاد الذي أوجدته فبراير وبعض من شارك في فبراير وحتى من ناهضها. الأزمات العميقة بحسابات العلم والسياسة تدوم لجيل أي حوالي خمسة وعشرين سنة. ليبيا بعد التغيير والثورة في فبراير بدأت فعلا في مواجهة تبعات التغيير وبنفس الدرجة بدأت في المعالجة».

وتقول عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور نادية عمران إن ثورة فبراير «قامت لتحقيق الدولة المدنية، دولة المؤسسات والقانون ولترسيخ التداول السلمي للسلطة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإرساء ثقافة حقوق الإنسان، وفي ظل هذا الاستنزاف الممنهج لمقدرات الدولة الليبية الإنسانية والثرواتية، وعدم وجود قواعد حاكمة لإدارة الدولة الليبية على جميع الأصعدة، وفي ظل التجاهل للواقع الليبي ومهادنة الأطراف المعرقلة لبناء الدولة الليبية.

اقرأ أيضا: عادل الحاسي لـ«الوسط»: «فبراير» ثورة شعب حقيقية.. والنخبة تتحمل المسؤولية

وتضيف عمران قائلة: كل هذا أوصل الوضع في ليبيا إلى الركود السياسي المحبط والمؤسف وغذت روح الاحتراب بين الليبيين، ولن يتحقق السلام وقيام الدولة في ليبيا دون وجود دستور يؤسس لقواعد الدولة الحاكمة، وإنني أرى أن عرض مشروع الدستور على الاستفتاء هو الحل لكل هذه المعضلات، لكن هناك سباقا محموما لمنع إقرار الدستور، والبحث عن حلول لا جدوى منها».في حين يقول الناشط السياسي عيسى رشوان: «تبقى من فبراير ذكرى حركة احتجاج أو انتفاضة شعبية ضد حكومات فاسدة ممثلة في اللجنة الشعبية العامة، وضد وجوه أفسدت الحياة الليبية حاليا تحت مسمى منشقين خونة لنظامهم السابق. تبقى من الثورة مشاهد شهداء عند الله في كل شبر من أرض ليبيا، كما تبقى منها أوجه الخونة للشعب الليبي ولفبراير نفسها».

مخاض عسير
عضو المؤتمر الوطني سابقا توفيق الشهيبي، قال إنه لم يتبق شيء يذكر من فبراير، وأضاف: «انقسمت الثورة بين شامتين فيها ونادمين عليها ومتشدقين بها والثلاثة سواء في نظري، أما عن ليبيا، فلا أقول إنها في مفترق طرق ولكنها أضاعت حتى مفترق الطرق حتى نختار لها طريقا تسير فيه». من جهته، قال الناشط والمدون أحمد دخيل إن ثورة فبراير «ليست رقما فقط أو تاريخا عابرا بل هي أثر باق ومخاض عسير لبناء دولة، وما نحن فيه الآن خلال هذه السنوات هو نتاج تركة طويلة. وبإذن الله سنصل لدولة المدنية، دولة العدالة والقانون».

ويقول الصحفي صلاح إبراهيم إن كل الشعارات التي رفعت «لم نرها على أرض الواقع، فالديمقراطية والتداول على السلطة أصبح حلما بعيد المنال لليبيين، والمؤتمر الوطني يتمدد ويتلون منذ سنوات، ولجنة كتابة الدستور تحولت إلى مستشارين وسفراء وأعضاء الحكومات لا يتنازلون عن مناصبهم بل يستبدلونها بسفارات ومناصب. فبراير لم يبق منها سوى متطرفي الرأي وأصحاب الأحقاد على النظام السابق.
وقال الكاتب الصحفي أحمد الفيتوري إن ما أحدثته ثورة 17 فبراير من تغيير «لم يحدث قبل، فالربيع العربي نقل المنطقة نقلة نوعية. والثورات العظمى في التاريخ تقلب كل الموازين وهي كما الزرع يمر بمراحل ومواسم ولهذا ما نراه في المنطقة موجات عدة ونتائج حادة وعنيفة عميقة. فبراير أحرق كل ما قبله ولم يحن ما بعده».

ويقول الناشط المدني عبدالسلام أبو إصبع إن فبراير لم تكن ثورة، لكنها «مؤامرة دمرت الدولة الوطنية، وهي جزء من مشروع الفوضى الخلاقة، وأسفرت عن قتل آلاف من الشباب الليبيين، كما عطلت كل مشاريع التنمية، ودمرت المطارات، وحرقت أغلب الأسطول الجوي الليبي، وسرقت كل أموال الدولة في الخارج»، في حين قال صلاح العرقوب، وهو صاحب عمل حر إن ثورة فبراير «شعلة أمل لن تنطفئ أبدا».

_______________________________
شارك في إعداد الاستطلاع: جيهان الجازوي، ابتسام اغفير، رمضان كرنفودة، الصغير الحداد

المزيد من بوابة الوسط