مسارات الحل الدولي تدخل دائرة «التسويف».. تحذيرات أميركية وتحفظات روسية

آليات عسكرية تابعة لقوات حكومة الوفاق، (أرشيفية: الإنترنت)

دخل المساران العسكري والساسي للحوار الليبي، المنبثق من مؤتمر برلين، في قلب دائرة العراقيل والتسويف، إذ اصطدم المسار العسكري أو ما يعرف بمحادثات اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، في جنيف الإثنين الماضي، بعراقيل قادت الحوار إلى جولة أخرى محتملة في الثامن عشر من فبراير الحالي.

يأتي ذلك وسط تحذيرات ومخاوف دولية من استئناف العمليات العسكرية على التخوم الجنوبية للعاصمة طرابلس، وقلق المجتمع الدولي من استمرار تدفق السلاح إلى ليبيا، وهو ما تواكب مع غموض يخيم على الحوار السياسي المقرر عقده في جنيف في السادس والعشرين من فبراير، إذ يواصل مجلس النواب مناقشة مقترحات كيفية اختيار اللجنة التي ستمثله في الحوار، فيما قفزت إلى الواجهة مطالبات من 30 عضواً بالهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، لبعثة الأمم المتحدة بـ«عدم الزج بمشروع الدستور ضمن النقاشات المزمع عقدها سواء في جنيف أو غيرها».

للاطلاع على العدد 221 من جريدة «الوسط»

البعثة الأممية، وضمن المسارات الثلاثة للأمم المتحدة المنبثقة من مؤتمر برلين في 19 يناير الماضي، أعلنت السبت الماضي أن طرفي اجتماع المسار العسكري «5+5»، في جنيف، لم يتوصلا إلى تفاهم كامل حول الطرق المثلى لإعادة الحياة الطبيعية إلى مناطق الاشتباكات رغم اتفاقهما على ضرورة الإسراع بعودة النازحين إلى منازلهم، خاصة في مناطق الاشتباكات، واقترحت البعثة تاريخ 18 فبراير الحالي، موعداً لجولة جديدة من التفاوض بين طرفي اللجنة في جنيف، مع حرص الطرفين على ضرورة استمرار التفاوض وصولاً لاتفاقية شاملة لوقف إطلاق النار.

مقترح من طرف واحد
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات آمر غرفة العمليات الميدانية ورئيس اللجنة العسكرية الممثلة لقوات الوفاق، في اجتماعات «5+5»، اللواء أحمد أبوشحمة، بأن فريقه التفاوضي قدم مقترحاً «عملياً ويؤدي الغرض»، وتمت مناقشته مع البعثة، التي اقترحت بعض التعديلات عليه، أضاف: «قبلنا بها، ولكن في النهاية لم يتم إقراره من بعثة الأمم المتحدة نظراً لتعنت ورفض الطرف الآخر». وحسب أبوشحمة، فإن اللجنة التابعة لحكومة الوفاق، تفاوضت حول وقف إطلاق النار في كامل التراب الليبي وفك اشتباك القوات وعودة المواطنين النازحين والمهجرين، ووقف نزيف الدم بين الليبيين. لكنه قال إن «الطرف الآخر» أصر على عدم إخلاء المناطق السكنية التي بها الاشتباكات من المظاهر المسلحة و«عليه لم يتم الموافقة والتوقيع من طرفنا» على المقترح المقدم. فيما لم يصدر رد رسمي من الطرف الآخر على ما جرى في المفاوضات.

ومنذ الوهلة الأولى، سيطرت أجواء غير إيجابية على اجتماع «5+5» الذي يتكون من خمسة ضباط رفيعي المستوى، أوفدتهم حكومة الوفاق، وخمسة آخرين رفيعي المستوى، أوفدهم القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، إذ عقدت الجلسات على نحو منفرد مع كل طرف، وناقشت قائمة طويلة من النقاط المدرجة في جدول الأعمال، في محاولة لتحويل الهدنة إلى هدنة أكثر صلابة، أو وقف لإطلاق النار.

قلق أميركي
وعقب تبلور نتائج الجولة الأولى من «5+5»، كان تحذير السفير الأميركي ريتشارد نورلاند، من تجدد العمليات العسكرية في ليبيا، مؤكداً أن السفارة تتابع «بقلق» التقارير «الموثوقة» التي تفيد بأن هناك عمليات عسكرية مهمة يتم التخطيط لها من قبل القوات التابعة لكل من «القوات المسلحة العربية الليبية» وحكومة الوفاق في «المستقبل القريب». وأضاف بيان صادر عن السفير أنه سواء كانت (هذه العمليات) عدائية أو استباقية، فإن مثل هذه الأعمال تنتهك الاتفاقات التي تم التوصل إليها في برلين.

أما ألمانيا، راعية مؤتمر برلين، فقد طالبت بـ«الحفاظ على التزامات مؤتمر برلين الآن والتوصل إلى وقف تام ودائم للأعمال العدائية»، وذكرت على لسان المدير الإقليمي للشرق الأوسط والأدنى وشمال أفريقيا، بوزارة الخارجية الألمانية السفير كريستيان باك: «لن يكون هناك فائزون إذا اُستؤنفت النزاعات العسكرية». كما دعا السفير الهولندي لدى ليبيا، تيومرس لارس، إلى «التصرف بحسن نية لصالح ليبيا»، و«الامتناع عن أي عمل عسكري».

تحغظ روسي
لكن الموقف الروسي، حمل تحفظات على التطورات الأخيرة الجارية في المشهد الليبي، إذ أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ضرورة التفاعل في صياغة توافق بين الأطراف الليبية نفسها، و«الذي من دونه لن تنجح أية مبادرة دولية»، مشدداً خلال اتصال هاتفي ونظيره الألماني، هايكو ماس على «الحاجة إلى المراعاة الكاملة لمواقف دول الجوار الليبي والاتحاد الأفريقي في أية تسوية للأزمة».

ولم يكن المسار السياسي لمخرجات مؤتمر برلين أفضل من العسكري، إذ لا تزال التحضيرات للحوار المقرر في جنيف بين أعضاء من مجلسي النواب والأعلى للدولة تراوح نفسها، إذ يواصل مجلس النواب مناقشة مقترحات كيفية اختيار اللجنة التي ستمثله في حوار جنيف الذي يأتي ضمن المسار السياسي لمخرجات مؤتمر برلين. وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، يوسف العقوري، في بيان صحفي: «طبيعة العملية الديمقراطية تتطلب وقتاً كافياً، وإن مجلس النواب الذي يحرص على اتخاذ قراراته بشكل ديمقراطي والتشاور مع جميع أعضائه».

ومن المقرر أن يشارك في «حوار جنيف» لحل الأزمة الليبية 13 شخصية يرشحها مجلس النواب، والعدد نفسه من مجلس الدولة، كما ستختار البعثة من جانبها 14 شخصية أخرى لسد النقص والثغرات وتحقيق التوازن في مسار الحوار. ويقول المبعوث الأممي غسان سلامة: «إن البطء في انطلاق المسار يعود إلى صعوبات رافقت عملية اختيار الممثلين عن مجلس النواب»، متابعاً: «المجلس الأعلى للدولة أنهى مهمته، والآخر يواجه بعض الصعوبات»، حسب تصريحات خلال مؤتمر صحفي في جنيف الخميس الماضي.

مشروع الدستور
على الصعيد نفسه، جاءت مطالبة 30 عضواً بالهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، للبعثة الأممية بـ«عدم الزج بمشروع الدستور ضمن النقاشات المزمع عقدها سواء في جنيف أو غيرها». وأكدوا، في خطاب موجه إلى رئيس البعثة غسان سلامة ونائبته، ستيفاني ويليامز، الثلاثاء، أن «المسار الدستوري الليبي يجمع بين أسلوبي الجمعية التأسيسية المنتخبة من الشعب والاستفتاء الدستوري، ومن ثم فقد ذهب أبعد مما ذهبت إليه أغلب الديمقراطيات في وضع الدساتير». وجاءت هذه الرسالة رداً على تصريحات سلامة بعد يوم واحد من انعقاد مؤتمر برلين بأن المسار السياسي «يشمل البحث في كل المواضيع السياسية المعلقة منذ سنوات وسنوات، وبينها مصير مسودة الدستور، التي تم التفاهم عليها في الهيئة التأسيسية».

ومع المعوقات التي تظهر في طريق المسارين السياسي والعسكري، تزايدت نبرة المخاوف الدولية من استمرار تدفق السلاح إلى ليبيا، وهي المخاوف التي لم تجد آلية حاسمة في قرار مجلس الأمن رقم 2509 الصادر الأربعاء، الذي يمدد «تدابير حظر توريد الأسلحة وحظر السفر وتجميد الأصول، والإجراءات المتعلقة بصادرات النفط غير المشروعة»، كما مدد قرار مجلس الأمن ولاية فريق الخبراء المعني بالعقوبات على ليبيا حتى 15 مايو 2021.

للاطلاع على العدد 221 من جريدة «الوسط»

وقبل أيام من صدور القرار، نقلت ممثلة الأمم المتحدة الأبرز في شؤون نزع السلاح، إيزومي ناكاميتسو، «قلق الأمم المتحدة» إزاء استمرار تدفق الأسلحة، بما في ذلك عن طريق البحر، إلى ليبيا. وضمن المناطق المتعرضة للتأثير الخطير لتدفقات الأسلحة غير المشروعة، والمرتبط منها بالتطرف العنيف خصت ناكاميتسو «جميع أنحاء منطقة الساحل وأجزاء من وسط أفريقيا»، وفق بيان للأمم المتحدة. أما الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، فقد اقترح «إعادة إطلاق بعثة صوفيا البحرية، للسيطرة على توريد الأسلحة إلى ليبيا عن طريق البحر المتوسط، مضيفاً في مقابلة مع جريدة «دي فيلت» الألمانية الثلاثاء، أن أفضل طريقة لضمان استمرار الهدنة، يتمثل بحظر التزود بالأسلحة.

تسليح المواطنين
يشار إلى أن منظمة «سمال أرمز سورفاي» الدولية المختصة بشؤون التسليح كشفت، في إحصاء لها، أن عدد الأسلحة الفردية والبنادق بمختلف أشكالها، التي يحملها مواطنون في ليبيا خارج غطاء العمل العسكري قدرت بمعدل 13.3 بندقية لكل 100 مواطن، وأوضحت أن ترتيب توزع السلاح بين المواطنين في أكثر من 175 دولة شملها الإحصاء في العالم غير مرتبط بشكل مباشر بالحالة الأمنية، لأنه مرتبط بالدرجة الأولى بالقوانين والأنظمة التي تتيح للمواطنين حيازة الأسلحة، وفق ما نقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية. وحسب دراسة المنظمة، التي تتبع المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف، احتلت ليبيا المركز العاشر عربياً و54 عالمياً، بمعدل 13.3 بندقية لكل 100 مواطن، إذ يوجد فيها 851 ألف سلاح.

ومع استمرار العراقيل التي تظهر على طريق المسارين العسكري والسياسي، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الصفرية لأطراف الصراع وداعميهم الإقليميين والدوليين، ليصبح الأطفال هم ضحايا جميع أطراف النزاع، وفق منظمة (يونيسف)، ويتجدد التساؤل حول النهاية المنتظرة لمسلسل الجولات التي دخلت فيها مسارات الحوار الليبي، وما إذا كانت باريس وباليرمو وغدامس هي المآلات؟ أم أن هناك مفاجآت جديدة تحملها الأقدار للمشهد الليبي.

المزيد من بوابة الوسط