«خلطة» الجوار لتسريع الحوار الليبي.. تفاهمات جزائرية - تونسية لعقد لقاءات مع أطراف الأزمة

الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون ونظيره التونسي قيس سعيد خلال مباحثات في الجزائر. (الإنترنت).

تحضر تفاهمات جزائرية- تونسية مشتركة لعقد لقاءات مع الفرقاء الليبيين في غضون أيام كمرحلة جديدة في التعاطي مع الأزمة، متحاشية حصر الحل في طرفي حرب العاصمة مع فسح المجال لتوسيع الجهود بشكل أكبر على جمع القبائل الذين يشكلون مفتاحاً مهماً في تفكيك تعقيدات المعضلة الليبية.

وتزامن اتفاق الجزائر وتونس على توحيد تحركاتهما الدبلوماسية مع تنوع توصيفات مسؤولي الأمم المتحدة حيال خرق دول، لم تسمها، لاتفاق توريد الأسلحة منذ مؤتمر برلين وانتهاك وقف إطلاق النار بين معرب عن «إحباط شديد وفضيحة»، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس مقابل «قلق» المبعوث الأممي غسان سلامة من عدم احترام طرفي الصراع لقرارات برلين وتأخر مجلس الأمن في التوصل إلى تبنيها أي قرار. ولعل الجارين المشتركين في حدود طويلة مع دولة ليبيا يدركان أكثر من غيرهما الحساسية التي تعيشها المنطقة، وأخطار ما يدور من معارك مباشرة بين الليبيين أو بالوكالة عن القوى الإقليمية والكبرى، ما يهدد السلم قرب حدودهما؛ لذلك لا يريدان انفراد الدول الكبرى المؤثرة بالملف.

للاطلاع على العدد 220 من جريدة «الوسط»

مبادرة الجزائر
الجزائر، وخلال إعلان اتفاق مع تونس على استضافة جولات حوار بين الليبيين في إحدى الدولتين، قالت صراحة على لسان رئيسها عبد المجيد تبون، إن مبادرة البلدين مشروطة بـ«أن يقبل منا هذا الاقتراح من طرف من يسيطر حالياً ليس في الداخل بل في الخارج على القرار في ليبيا»، ولفت إلى أنه يقصد بذلك «الأمم المتحدة أو الدول الأوروبية». لكنه اختصر المبادرة في عقد لقاءات مع كل الليبيين وكل القبائل الليبية، إما في تونس أو في الجزائر والتي اعتبرها بداية الحل لبناء مؤسسات جديدة تؤدي إلى انتخابات عامة وبناء أسس جديدة للدولة الليبية الديمقراطية.

بدوره كشف كاتب الدولة المكلف تسيير وزارة الشؤون الخارجية التونسية، صبري باش طبجي، على هامش جلسة استماع مغلقة بالبرلمان لوزراء الدفاع والداخلية والخارجية التونسيين، خصصت لبحث الوضع الليبي وتداعياته على البلاد، تفعيل اتفاق بين تونس والجزائر لرعاية حوار ليبي -ليبي في غضون الأيام والأسابيع المقبلة للخروج بليبيا من أزمتها الراهنة. وأشار باش طبجي إلى وجود أطراف ليبية (لم يذكرها) لها، بحكم التركيبة القبلية بهذا البلد، أهمية كبرى وتدفع إلى السلام واحتضان العملية السياسية، قائلاً: «نأمل أن تصل إلى بر الأمان.. ودول الجوار لها دور في هذا وهو ما نادينا به دائماً وأبداً».

 بيد أن أكثر ما يصبو إليه البلدان تثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق عملية الحوار السياسي.. وفي هذا السياق كشفت مصادر جزائرية زيارة لوفد من وجهاء القبائل الليبية الجزائر في غضون أيام؛ بهدف التحضير لمؤتمر وطني يعقد في ليبيا بحضور سفراء الجزائر وتونس ومصر، وستكون فرصة للتحاور بين مختلف المجالس الاجتماعية حول حلول للأزمة. وكانت قبائل ليبية وراء إغلاق موانئ وحقول النفط في شرق وجنوب البلاد رفضاً لاستغلال جماعات مسلحة عوائد النفط في التسلح، فيما أعلنت قبائل ومدن المنطقة الغربية رفضها التواجد العسكري التركي واعتباره «احتلالاً» يستوجب الرد عليه.

وبهذا الخصوص أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر الدكتور سليمان عراج، خلال ندوة نقاش بعنوان «المقاربة الجزائرية في حل الأزمة الليبية» نظمها منتدى جريدة «الشعب» يوم الثلاثاء الماضي، أن الأمر الذي أعاد ليبيا إلى «نقطة الصفر» هو «إعلان معركة طرابلس، فهذه حقيقة لابد أن تقال ليس من باب تحميل المسؤولية لطرف على حساب آخر، فالجميع مسؤول عن ما يحصل الآن في ليبيا»، مشيراً إلى أن «محاربة الإرهاب تحتاج إلى مؤسسات دولة قوية وتحتاج إلى أن يسود منطق القانون وليس إلى منطق العصب والمجموعات».

ولفت الخبير الأمني إلى الأموال التي «ضخت لصناعة واقع جديد يتم من خلاله تغيير ميزان القوى، وتحييد دور القبيلة رغم أنها مكون أساسي من مكونات المجتمع الليبي التي كانت تلعب دوراً أساسياً وفاعلاً في ليبيا». واعتبر عراج أن الأمر الذي أطال من عمر الأزمة وعمق الفجوة أكثر بين طرفي النزاع هو «محاولة تغليب طرف على حساب طرف وفق غطاء أيديولوجي، وهو أمر أصبح يشكل تهديداً لكل دول الجوار»، مشيراً إلى أن «تفاقم الأزمة ستكون له تداعيات وخيمة» على كل المنطقة. وقال فيما يتعلق بدور الجزائر في حل الأزمة الليبية إن «الجزائر تتعامل مع الدول والمؤسسات ولا تتعامل مع المجموعات والميليشيات».
ودعا عراج إلى «عدم حصر الأزمة في ثنائية المشير خليفة حفتر ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج؛ لأن ليبيا يمثلها كل الليبيين»، مشدداً على ضرورة العمل على «فتح الأفق لاحتواء كل الليبيين لإنتاج حلول مستدامة ومصالحة تعيد الاستقرار وتضع حداً للنزيف الحاصل».. وتذكر الجزائر مراراً بمقاربتها لحل الأزمة بالتأكيد على وقوفها على مسافة واحدة من جميع الفرقاء مع توخي أقصى درجات الحياد ودعم شرعية المؤسسات المعترف بها دولياً.

خارطة طريق أفريقية
ويعزز جهد الجوار الليبي خارطة الطريق التي أقرتها اللجنة رفيعة المستوى للاتحاد الأفريقي حول ليبيا بعدما اتفقت على إنشاء اللجنة التحضيرية لمنتدى المصالحة الوطنية الشامل بين الفرقاء الليبيين وإعداد رزنامة الاجتماعات ومسودة الموارد المالية الضرورية لنجاح المهمة. واقترحت اللجنة عقد منتدى للمصالحة يحدد فترة انتقالية مع تقديم مشروع الدستور، كما سيقترح تاريخاً للاستفتاء حول الدستور وموعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وأوضح رئيس اللجنة رفيعة المستوى للاتحاد الأفريقي حول ليبيا ورئيس جمهورية كونغو، دنيس ساسونغيسو، التي احتضنت بلاده قمة مصغرة أن «أفريقيا قد تلقت تفويضاً بأن تنظم خلال سنة 2020 منتدى للمصالحة الوطنية بين الليبيين الذي يسبق تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية حرة وذات مصداقية»، علماً بأن هذه التوصيات ستناقش الأحد المقبل في قمة للاتحاد الأفريقي بأثيوبيا.

للاطلاع على العدد 220 من جريدة «الوسط»

أما المغرب فقد انخرطت في دينامية التفاعل مع التحولات الطارئة على الساحة الليبية بعدما وجدت نفسها خارج فصول التسوية السياسية للأزمة مع إقصائها المتكرر من المؤتمرات الدولية والإقليمية، خصوصاً أن جارتها الجزائر دعت مالي البعيدة عن ليبيا دون أن تشركها في اجتماع موسع لدول الجوار، إذ لا تزال المغرب تشدد على موقفها المتمسك بالاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات سنة 2015؛ لكنها تقول إنه «يلتزم، على الدوام بتفادي سياسة المحاور في حل الأزمة منذ البداية».

وفي السياق ذاته أوردت حكومة الوفاق أنها تلقت اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية المغربي، تؤكد فيه الرباط اصطفافها الكامل إلى جانب «الحكومة الشرعية» لليبيا، معلنة رفضها التدخل الأجنبي. كما لفتت الحكومة الموقتة في شرق ليبيا، إلى تلقيها دعوة دبلوماسية لزيارة المغرب.