إغلاق الموانئ النفطية يثير إشكالية «عدالة التوزيع»

ميناء الحريقة النفطي، (أرشيفية: الإنترنت)

تزايدت وتيرة الجدل بشأن «عدالة توزيع الثروة الليبية» أو ما يعرف بـ«تقسيم الثروة النفطية» بعد وقف صادرات النفط في المنطقتين الوسطى والشرقية، من موانئ البريقة ورأس لانوف والحريقة والزويتينة والسدرة تحت ذريعة عدم التقسيم العادل لعائدات النفط، وذلك في مواجهة إدانات ورفض دولي لهذا الإغلاق بما يحمله من تداعيات خطيرة، خصوصاً خسائره البالغة 800 ألف برميل يومياً، كذلك انعكاساته المتوقعة على أسواق النفط العالمية.

على نحو مفاجئ، وتحت لافتة ما يعرف بـ«عدالة توزيع الثروة»، كان إعلان ما يعرف بـ«ملتقى القبائل والمدن الليبية» عزمه «إيقاف تصدير النفط من جميع الموانئ الليبية بدءاً بميناء الزويتينة النفطي»، وطالب بيان، لم يرد فيه اسم قبيلة أو مدينة بعينها، الجمعة، جهات الاختصاص والمجتمع الدولي بـ«فتح حساب لإيداع إيرادات النفط حتى تشكل حكومة تمثل كل الشعب الليبي»، وفور صدور البيان نقلت وكالة «رويترز» عن مهندس بميناء الزويتينة، قوله إن محتجين دخلوا الميناء وأعلنوا إغلاقه الجمعة.

ويحذر محللون من التداعيات الخطيرة لهذه الخطوة، خصوصًا أن وقف تصدير النفط الخام من الموانئ يقود إلى خسائر في إنتاج النفط الخام بمقدار 800 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى خسائر مالية يومية تقدر بنحو 55 مليون دولار يومياً، وفق تقديرات المؤسسة الوطنية للنفط.

للاطلاع على العدد 218 من جريدة الوسط اضغط هنا

كما تؤثر هذه التداعيات على إمدادات الغاز الطبيعي، التي تزود محطات توليد الكهرباء لكل من محطتي شمال بنغازي والزويتينة، حيث تنتج هاتان المحطتان ما يقارب 1560 ميغاوات، منها 1260 ميغاوات بواسطة الغاز الطبيعي والباقي 300 ميغاوات بواسطة الديزل.

وفي رد فعل على هذا القرار، اعتبرت قوات القيادة العامة، على لسان الناطق الرسمي اللواء أحمد المسماري، أن إغلاق المنشآت والموانئ النفطية «عمل شعبي تبنته المجالس في القبائل الليبية والمجالس المدنية لإيصال صوتها للمجتمع الدولي». وتابع أن «هذا عمل مدني، نحن في القيادة العامة قلنا له سمعاً وطاعة من خلال العمل على الأرض لتنفيذ أوامر الشعب الليبي».

لكن مؤسسة النفط، وفي رد فعل على إغلاق الموانئ أعلنت حالة «القوة القاهرة» ووقف الإنتاج في حقلي الشرارة والفيل–أكبر حقلين لإنتاج النفط في البلاد -، واتهمت كلاً من «القيادة العامة وجهاز حرس المنشآت النفطية في المناطق الوسطى والشرقية بوقف صادرات النفط من الموانئ الخمسة»، موضحة في بيان أن تلك التعليمات صدرت إلى إدارات كل من شركات سرت للنفط، والهروج للعمليات النفطية، والواحة للنفط، والزويتينة للنفط، وشركة الخليج العربي للنفط، وهي شركات تابعة للمؤسسة الوطنية للنفط.

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، المهندس مصطفى صنع الله، طالب رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بالتدخل، لإلغاء قرار إقفال الموانئ والحقول النفطية بالمناطق الوسطى والشرقية، وإصدار توجيهات بالتراجع الفوري عن هذه التعليمات وإلغائها «خدمة للمصلحة العامة».

مجموعة «إيني» الإيطالية للطاقة لفتت إلى أن إنتاج النفط في حقل الفيل انخفض جزئيا بسبب إغلاق صمام، وقال ناطق باسم المجموعة: «تؤكد إيني أن إنتاج حقل الفيل النفطي انخفض جزئيا في الوقت الراهن بعد الإغلاق القسري لصمام محطة مجاور لمحطة الحمادة على خط أنابيب الفيل -مليتة».

للاطلاع على العدد 218 من جريدة الوسط اضغط هنا

ويوجد في حوض سرت النفطي فقط ما يزيد على 50 حقلاً ومحطة، وسيؤثر وقف التصدير على الإنتاج اليومي من هذا الحوض بما يصل إلى 700 ألف برميل يومياً، فضلاً عن تأثير ذلك على تآكل التسهيلات السطحية وخطوط نقل النفط الخام، كما يؤدي توقف الإنتاج المفاجئ إلى تجمد خام السرير.

الخبير الاقتصادي، سليمان الشحومي اعتبر أن «إقفال تصدير النفط خطأ كبير»، لكنه رأى أن «دخل النفط يجب أن يوزع بعدالة بين كافة الليبيين»، وقال: «أهم خطوات العدالة، المساواة في شراء الدولار من المصرف المركزي في طرابلس بين جميع مصارف الشرق والغرب والجنوب».

في المقابل، وصف الخبير الاقتصادي د. محمد أبوسنينة ما يعرف بـ«تقسيم الثروة النفطية» بأنه «أكبر وهم عاشه ويعيشه الليبيون»، وقال: «هذه الثروات موزعة توزيعاً طبيعياً في باطن الأرض ولا يمكن تجزئتها أو تقسيمها جغرافياً في إطار الدولة والأرض الواحدة»، مضيفا: «تتحقق الاستفادة المثلى منها من خلال الاستغلال الجماعي لإيراداتها، وتتناقص مع الاستمرار في استغلالها؛ لأنها آيلة للنضوب».

وأرجع أسباب استعادة هذا الشعار (توزيع الثروة) إلى «إلهاء الشعب عن ما هو أهم ، وصرف نظره عن عجز الحكومات السابقة والحالية في تحقيق الاستغلال الأمثل لهذه الثروات والرفاهية للشعب والتنمية المستدامة، والفساد الذى يعتري أساليب وطرق إنفاق الدخل الناتج عن هذه الثروات.»

يذكر أن إجمالي الإيرادات النفطية بلغ 31.395 مليار دينار خلال العام 2019، في حين بلغ إجمالي المرتبات المدفوعة، غرباً وشرقاً، 29.5 مليار دينار العام الماضي، وفق بيانات رسمية صادرة عن المصرف المركزي.

ومع استمرار الجدل حول هذا الشعار، استقبل المجتمع الدولي قرار إقفال الموانئ النفطية بقلق بالغ، إذ حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من «عواقب وخيمة» على الشعب الليبي من هذه التصرفات. فيما قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، إنه قلق للغاية من إغلاق حقول وموانئ النفط في ليبيا. بينما دعت السفارة الأميركية لدى ليبيا إلى «استئناف عمليات المؤسسة الوطنية للنفط على الفور».

لكن يستبعد محللون أن يكون إقفال الموانئ النفطية ورقة ضغط مثمرة لإعادة فتح ملف «تقسيم الثروة»، إذ يحذر الباحث في معهد كلينغديل في لاهاي جلال هرشاوي من أن «هناك أيضاً مخاطر من إثارة استياء واشنطن». وأضاف أن «إدارة ترامب تعارض بشدة وقف صادرات النفط الليبي» لأن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

المزيد من بوابة الوسط