جريدة الوسط: «برلين».. عودة إلى العملية السياسية أم مربع «الصخيرات»؟

المشاركون في مؤتمر برلين، 16 يناير 2020، (الإنترنت)

قد تكون نتائج مؤتمر برلين لحل الأزمة الليبية، الذي انعقد الأحد الماضي «خطوة صغيرة إلى الأمام» على مسار الحل السياسي للأزمة، وفق وصف المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، أو نتائج «مفيدة جدا»، حسب تعبير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

لكن الثابت أن البيان الختامي للدول المشاركة في المؤتمر خرج بالتزامين اثنين، مع دعوات ومطالبات على الجانبين السياسي والأمني، فضلا عن لجنة متابعة دولية لمخرجات المؤتمر، ولجنة عسكرية «5 + 5» تعمل على «بناء الإجراءات المطلوبة» لتثبيت الهدنة. 

وكان الحشد لمؤتمر برلين رفع سقف آمال البعض، رغم المباحثات والمشاورات التي استمرت ساعات، لتوقع 12 دولة وأربع منظمات دولية وإقليمية على البيان الختامي لمؤتمر برلين.

وشملت هذه الدول -علاوة على الراعي الألماني- كلا من حكومات الصين، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وروسيا، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، فضلا عن ممثلي الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية.

للاطلاع على العدد 218 من جريدة الوسط اضغط هنا

ولعل أبرز تقدم سجله مؤتمر برلين في أن مسؤولي الدول التي تلعب أدوارا في الملف الليبي، أكدوا أنه «لا حل عسكريّا للنزاع»، حسب ما أفاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس.

ووجد هذا التأكيد صداه -على نحو واضح- في البيان الختامي، الذي لم يحمل كلمة «الالتزام» إلا في بندين، هما الامتناع عن التدخل في الصراع المسلح، أو في الشأن الداخلي الليبي، كذلك احترام حظر توريد الأسلحة الوارد في قرار مجلس الأمن رقم 1970 للعام 2011 وتنفيذه، وكذا ما أعقبه من قرارات المجلس بما في ذلك حظر انتشار الأسلحة في ليبيا، وهو ما يراه متابعون للشأن الليبي أنه موضع اختبار جدي خلال الفترة المقبلة.

وبشأن وقف إطلاق النار، وهو أحد المحاور الأساسية كانت «الدعوة إلى اتخاذ خطوات ذات مصداقية قابلة للتحقق، ومتسلسلة، ومتبادلة، تبدأ بهدنة تلتزم بها جميع الأطراف المعنية»، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل دعا المشاركون «مجلس الأمن إلى فرض عقوبات ملائمة على من يثبت انتهاكه ومخالفته ترتيبات وقف إطلاق النار، وإلزام الدول الأعضاء بتنفيذها».

ويترقب المتابعون ما ستؤول إليه الخطوات التنفيذية التي خرجت عن المؤتمر، وعلى رأسها تشكيل «لجنة متابعة دولية» مكونة من الدول المشاركة بالمؤتمر، التي من المقرر أن تجتمع على مستويين، الأول على مستوى رفيع برئاسة البعثة الأممية شهريا، لوضع تقاريرعن مدى التقدم في تنفيذ هذه النتائج. أما المستوى الثاني، فهو يتعلق بمجموعات عمل على مستوى الخبراء تلتقي شهريا لبحث عقبات تنفيذ مخرجات المؤتمر.

كذلك من المقرر تشكيل أربع لجان عمل فنية تعقد اجتماعات مغلقة على مستوى الفنيين مرتين شهريا، يقود كل مجموعة ممثل عن الأمم المتحدة، لتبادل المعلومات وتنسيق العمليات المطلوبة ودراسة معوقات التنفيذ، دون المساس بنطاق تفويض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وعلى المستوى الليبي، تبدأ الأسبوع المقبل أعمال اللجنة العسكرية «5 + 5» بين ضباط تابعين لقوات حكومة الوفاق وقوات القيادة العامة، سماهم المبعوث الأممي غسان سلامة ضمن حزمة المسار الأمني للحوار الليبي، وفق تصريحات ميركل في ختام القمة، فيما قال لافروف إن اللجنة العسكرية «ستعمل على بناء الإجراءات المطلوبة والمحددة لجعل الهدنة ثابتة ومستقرة».

على المسار الدبلوماسي، يأتي اللقاء المرتقب لوزراء خارجية دول مؤتمر برلين في فبراير المقبل، وفق ما أعلن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الذي اعتبر ما حدث في برلين كان «مجرد إشارة البداية»، واعتبارا من اليوم، سيكون الأمر يتعلق بدمج الاتحاد الأوروبي في العملية، حيث سيناقش مجلس الأمن حظر الأسلحة.

ورغم ذلك تبقى تساؤلات المحللين قائمة حول فرص تطبيق ذلك في ضوء تصريحات المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، التي أكدت فيها أن «مؤتمر برلين لم يبحث فرض عقوبات في حالة انتهاك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا».

للاطلاع على العدد 218 من جريدة الوسط اضغط هنا

ويقول هانس جورج إيرهارت من معهد أبحاث السلام والسياسة الأمنية لموقع قناة «دويتشة فيله» الألمانية إن «المبادئ المشتركة في برلين هي التي تمهد الطريق لعملية السلام وهو مشروع ضخم، تم إعداده بشكل متقن، ولكن يتطلب استمرارية».

غير أن الخبير في «معهد الشرق الأوسط» للأبحاث عماد الدين بادي اعتبر، في تصريحات إلى وكالة «فرانس برس» أن «نتائج القمة مخيبة نوعا ما، وذلك بالنظر إلى أهمية المسؤولين الذين شاركوا».. ومن تفاؤل إلى تشاؤم، أو ربما «تشاؤل» حيال ما قد تؤول إليه مسارات هذه الالتزامات واللجان، يبقى انعدام أرضية الثقة بين طرفي الصراع عقبة رئيسية في طريق التوصل إلى حل سياسي يؤسس على مخرجات مؤتمر برلين وهو ما بدا واضحا في أروقة القمة، إذ لم يلتق رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج والقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر أو يشاركا في الجلسة الرئيسية للقمة. وألقى هذا الخلاف بظلاله على تصريحات ميركل، في ختام المؤتمر الذي قالت فيه: «تحدثنا معهما (السراج وحفتر) بشكل منفرد، لأن الخلافات بينهما لا تزال كبيرة حتى إنهما لا يتكلم أحدهما مع الآخر»، وأعاد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تأكيد هذا المعنى بالقول إن «الفجوة بين الرجلين لا تزال واسعة، ولم ننجح حتى الآن في إطلاق حوار جدي ودائم بينهما».

الملمح البارز فيما دار بأروقة برلين، هو أن الموقف الأميركي حافظ على غموضه المعتاد منذ اندلاع الحرب في الرابع من أبريل الماضي، وحسب مراقبين فإن تصريحات وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو التي دعا فيها الليبيين إلى «اتخاذ القرار بأنفسهم بشأن مستقبل خال من العنف»، تعطي إشارات دالة على استمرار غياب لهجة الحسم في التعاطي مع الملف الليبي، أو ربما موقف المتفرج والمتابع.

وهو المعنى الذي أكده الباحثان بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى بين فيشمان وتشارلز ثيبوت، إذ اعتبر مؤتمر برلين «فرصة في غاية الأهمية... إذا أضاعتها واشنطن قد لا تحظى بفرصة ثانية إلا بعد إزهاق مئات الأرواح وتشريد آلاف الأشخاص».

هناك أيضا محللون بدوا حذرين في الحكم المبكر على انعكاسات المؤتمر مستقبليا، بشأن مدى التزام الأطراف التي تبنت إعلان برلين، خصوصا تثبيت وقف إطلاق النار، وصولا إلى تمهيد أرضية ثقة تعيد إطلاق عملية سياسية جديدة، أم العودة إلى مربع ما بعد الاتفاق السياسي بمدينة الصخيرات في 17 ديسمبر العام 2015؟

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط