جازية شعيتير: نحتاج إلى دعم من الدولة لتمكين المرأة الليبية.. ولا يجب حصر دورها في «المطبخ»

التمكين الجندري أو المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة.. اختلفت المسميات والمعنى واحد؛ العمل من أجل بيئة مجتمعية أكثر تصالحا مع حقوق المرأة في البيت وفي العمل وفي الشارع.

حول هذا الموضوع، وما يتبعه من ملفات تخص المرأة الليبية، وتمثيلها السياسي، وآفاق التمكين الاقتصادي لها، دار هذا الحوار مع عضو هيئة التدريس بكلية القانون جامعة بنغازي الدكتورة جازية شعيتير.

وقالت شعيتير لـ«الوسط» إن القانون في ليبيا تشوبه ثغرات تعزز إفلات الجناة من العقاب عندما يتعدون على المرأة، وخاصة لو كانوا في محيطها العائلي، داعية إلى ضرورة العمل من أجل دعم حقوق المرأة.. وإلى نص الحوار:

● نود في البداية أن نعرف ماهية مصطلح الجندر أو الجندرية؟
يعني بالمجمل النوع الإنساني (ذكر وأنثى) بعيدا عن الرجولة بمعناها السائد في مجتمعنا، والتي تعادل مجموعة من القيم الإيجابية مثل الشهامة والشجاعة والثبات على المبدأ، والتي توجد في المرأة أيضا ففي مفهومنا الدارج فإننا نقول «هذا ذكر، وليس رجلا، وهذه أنثى ولكنها بمئة رجل». هنا يتضح أن لدينا في تراثنا الشعبي والاجتماعي ما يفيد بأن ليس كل ذكر رجلا، وعندما نأتي للحديث عن الجندر، والمقاومة الجندرية، ونتحدث على تمكين جندري، ومعاناة جندرية فنحن نتحدث عن هذه المنظومة الاجتماعية التي يجب أن تراعي المساواة بين أفراد المجتمع الواحد ذكورا وإناثا في الحقوق والواجبات إنسانيا.

● وهل سندخل في تلك الأشياء الشائكة التي تمس ديننا الحنيف حين نحاول طرح مفهوم الجندر في ليبيا؟
أود الإشارة إلى شيء مهم، إذ لابد من الاحترام للشريعة، فالأمر المنصوص عليه في القرآن نصا صريحا، سنحترمه كما يحترم الأجانب أصحاب «مصطلح الجندر»، والمنظرين لحقوق الإنسان وحقوق المرأة» دياناتهم، فمثلا الزواج بالتأكيد يكون وفقا لشريعتنا، والطلاق، والميراث، خاصة وأنها أمور منصوص عليها قطعيا بنص صريح، فلا تستطيع المرأة الزواج من كتابي مثلا، بينما يستطيع المسلم الزواج من كتابية، وهنا ليس لديك ما تفعلينه إلا أن نحترم هذا النص، وإلا سنخرج من الملة. فإذا جاء من يعترض على آية الميراث بحجة الحقوق الجندرية، فهذا يتم اعتباره خروجا من الملة لأنك تناقشين في نص قرآني صريح، ولكن نحن هنا، وأنا شخصيا لا أتناول هذه المواضيع الدينية البحتة، ولكن مع ذلك أتمنى أن تطبق أحكام الشريعة الإسلامية في تعاملها مع المرأة، فلماذا لا تستفتى المرأة وتدلي بالفتوى خاصة في القضايا والأمور التي تخصها، ولماذا لا تحارب، ولماذا لا يتم استشارتها في كل تلك الأشياء.

للاطلاع على العدد 216 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

● كيف يمكن أن نتحدث عن التمكين الجندري؟
نعني بالتمكين الجندري مراعاة التمثيل النسوي في التشريعات الوضعية مثل القوانين والقرارات، فنقول اجعلني عندما أقرأ أشعر بأنك تحترم وتعي أن هذا المجتمع خليط من الرجال والنساء. هناك مقاومة جندرية من نوع آخر حيث يفضل الرجال أن تكون المرأة بكامل زينتها، وضحوك لغرض أن يتم تزيين الطاولة بها، وأنا لا أعترض على أن تكون المرأة ضحوكا، وبزينتها، ولكن لابد أن تكون ذات علم و دراية في مجالها، وهذا ما نطالب به في محافلنا كافة، فالزينة من عدمها والستر من عدمه، أمر خاص بالمرأة بحد ذاتها وبأسرتها وعلاقتها بربها. نحن لا نتدخل بهذه الأمور، لكن الذي يهمني في المرأة أنها عندما تتحدث يجب أن يكون لديها مشروعا، وكفاءة وعلما، فنحن لا نريد أن تكون الطاولة فارغة؛ لابد أن يكون عليها العنصر النسائي الفاعل والمتعلم والمثقف، وهنا نطلب من النساء اللائي يحملن هذه الصفات أن يتقدمن إلى الأمام ويضطلعن بالمهام التي قد توكل لغيرهن ومن هن أقل منهن كفاءة.

● لكن ما الأشياء الملموسة التي يمكن بها دعم هذا المفهوم؟
أعمل بحكم تخصصي في مجال التشريعات، حيث نرصد التشريعات الليبية سواء أكانت تشريعية تنظم الحياة السياسية أو تشريعات تنظم الحياة الاجتماعية مثل الزواج والطلاق، من حيث التجريم والعقاب. نرصدها بعين جندرية. أعمل على ذلك منذ فترة طويلة، فرسالة الماجستير الخاصة بي كانت عن أثر القرابة في القانون الجنائي الليبي، وأظهرت نتائج الرسالة أن القانون الجنائي يحترم العلاقة العائلية جدا كأنه يرسخ العادات الخاطئة مثل ضرب الأخ لأخته، حيث نجد القانون يتسامح مع القضايا من هذا النوع، خصوصا الأخ الكبير، والأب، والزوج، فتحتسب القضية على أنها إساءة معاملة أحد أفراد الأسرة، وتكون عقوبتها أخف من عقوبة الضرب التي تحدث بين أفرد لا يمتون لبعضهم بأية صلة. وعندما يأتي للقاضي يسأله: هل كنت تمارس حقك في التأديب خصوصا الزوج لأن هناك نصا صريحا في القرآن حول ضرب الزوج لزوجته لغرض التأديب وهم يأخذونه ويفسرونه بأنه ضرب، ولكن بشرط ألا يدميها. ونحن نقول إن الصفع على الوجه لا يُدمي، ولكنه إهانة كبيرة، وهناك أقل من الصفع على الوجه، وهو تحقير عمل المرأة في حد ذاتها.

● هل يعني ذلك أن الزوج لا يتم سجنه في حال ضرب زوجته؟
يسجن عندما تتقدم الزوجة بشكوى مرفق بها تقرير طبيب شرعي عن الإصابات، ومع ذلك ستظل المعاملة العقابية بنص القانون أقل وأخف من جريمة الضرب العادية، فهذا نريد تغييره، وهذا ما أسعى إليه إنه كلما جاءت المرأة، وقد تم ضربها يتم إثبات صفة الضحية لها، وتشديد العقوبة لأنها ذات بنية ضعيفة. وهنا نذكر بأن الرجال دائما ما يقولون احترموا بنيتكن الجسدية، فهم يتذكرونها فقط عندما يريدونها أن تظل بالبيت، فأنت تحملين، وتنجبين، وتقومين بإرضاع الأطفال، ولكن ما لا تستطيع تحمله المرأة هو ضرب الرجل لها. ضرب الرجل لرجل أهون بكثير، ولكن ضرب رجل لامرأة، أو ضرب رجل لطفل أو ضرب رجل لمسن، كلها أمور مرفوضة، وبالمناسبة أنا أيضا أتطرق إلى حقوق الطفل، وحقوق ذوي الإعاقة والكهول، فهذه منظومة حقوقية متكاملة. نعم، عيني على المرأة وحقوقها، وعندي الاهتمام بالقضايا الجندرية، ولكن أضع أيضا حقوق هؤلاء في الاعتبار.

وأود هنا الإشارة إلى نقطة مهمة فيما يتعلق بمسألة ضرب المرأة، فعندما تذهب أي امرأة إلى رجل الشرطة لفتح محضر في أخيها أو زوجها، تجده لا يبادر بتحقيق طلبها، وإنما يقول لها إن هذه مشكلات عائلية يتم حلها وديا، ولكن على الشرطي أن ينتبه إلى أن المرأة لم تذهب إليه إلا باحثة عن حماية ممن ضربها، فلا يجب أن يعيدها إليه مرة أخرى، ليعاود الاعتداء عليها مجددا. النساء يلجأن إلى الشرطة للحماية من المنظومة الأسرية التي استباحت العنف المنزلي.

للاطلاع على العدد 216 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

النقطة الثانية، تتعلق بفكرة التسامح مع المغتصب، حيث يتم دفع المغتصب إلى الزواج من الفتاة التي اغتصبها من أجل الخروج من السجن، ويعقد عليها فعلا. وهناك شرط قانوني لمدة زمنية معينة بحيث لا يقع فيها الطلاق لأنه لو حدث يعود للسجن، وهذه المدة محددة بثلاث سنوات، وبالطبع لا يقوم الجاني بتطليقها، ولكنه يعاملها معاملة سيئة إلى أن تطلب الطلاق، وعند حدوث ذلك، فإن المحكمة لا تعيد المغتصب إلى السجن، بل وتسقط عنه التهمة، وبذلك نكون عاقبنا الضحية وليس الجناة، رغم الأذى الجسدي والنفسي الذي يتركه الاغتصاب في نفوس الضحايا، وخاصة حين يقوم القانون بتزويجها له، وكأنهم يقولون إن الزواج هو الحل المثالي. المطلوب تحقيق العدالة للضحايا بحيث يتم إنزال أشد العقوبات على المعتدين، لا أن يتزوج المغتصب الضحية لتعيش معه تحت سقف واحد وتجعله يخرج من السجن.

● لكن ألا يمكن للضحية أن ترفض الزواج من مغتصبها؟
الزواج ليس إجباريا بكل تأكيد، فبإمكانها أن ترفض ذلك، وعندما نطالب بإلغاء هذا القانون، نوضح أن القضية تظل معلقة حتى بعد الزواج لأن المغتصب لو قام بتطليق المعتدي عليها، قبل المدة المحددة يتم فتح القضية من جديد، ولكن ذلك لا يحدث، وإنما العكس، وهذه ثغرة لا ينتبه لها القانون؛ حيث تطلب المغتصبة الطلاق تحت وطأة الانهيار من كم التحقير والضرب والإهانة، لتسقط القضية عن المتهم. وبالتالي، لا القانون ولا المجتمع يهتم بأمر المجني عليها التي من المفترض أن يعاد تأهيلها نفسيا، بحيث يعاد بلورة أفكارها حول الجنس، ولتندمج في محيطها.

● وماذا عن الشكاوى التي ترد إليكم في السياق نفسه؟
أحيانا تأتي إلينا زوجة تشكو من العنف الجنسي من زوجها. وهذا نسميه الاغتصاب الزوجي. فرغم أن الرجل والمرأة تجمع بينهما علاقة زواج، لكن لا يجب أن يطالب الزوج زوجته بحقه الشرعي بالأذى أو الضرب أو المواقعة بأشكال تؤذيها، كالمواقعة من الخلف مثلا. وهذا النوع من إساءة المعاملة لا نجد له نص بعقوبة في القانون، ولا نص يتعلق بزواج القاصرات، وهذه مشكلة أخرى، وبالتالي نحتاج إلى وقفة جندرية.

● ماذا عن نشاطك في هذا المجال في الجانب السياسي؟
نعمل على المشاركة السياسية، والمشاركة النسائية ضعيفة جدا في هذا الجانب، فمن ضمن خمس نساء خضن التجربة ترسخ في ذهن الناس أن واحدة فقط جيدة، والمجتمع يبتعد عن النساء في اختياره لتمثيله في الجانب السياسي، وهنا نحتاج إلى «كوتة» فهي مثل العكاز أو السلم أو الشئ المعين للمرأة كي تأخذ فرصتها مثلها مثل أخيها الرجل، ولكن يجب ألا يقتصر العمل في ذلك على «الكوتة»، بل لابد من فتح المجال العام للمرأة لتشارك بشكل جيد ولتنافس على تمثيل المجتمع.

ولعله من المهم الإشارة كذلك إلى ضرورة التمثيل الاقتصادي، فلا يجب أن تنمط المرأة في مجال الطبخ مثلا، ولكن يجب إعطاؤها الفرصة لخوض مجال الأعمال الكبرى، فعندما نأتي ونرى الشروط الخاصة بالاعتمادات لفتح المصانع، نجدها كلها خاصة بالرجال ولا توجد امرأة تأخذ اعتمادات، أو قروض، فلماذا لا ندعم المرأة ونخرجها من إطار الصناعة الغذائية والبسيطة؟ لماذا لا تدخل التجارة أو مجال الإلكترونيات؟ ولماذا لا تعمل في مجال النفط؟ هذا ما نعمل عليه، بحيث يكون للمرأة حصة في القروض والاعتمادات، كما إننا يجب أن نخرج بها وندعمها من خلال حاضنات الأعمال، وهذا يحتاج دعما من الدولة.