بين «الحرب» و«الانقسام».. ستة مبعوثين أمميين غرقوا في رمال الأزمة الليبية

6 مبعوثين أمميين غرقوا في رمال الأزمة الليبية

منذ العام 2011، مضت مهمة المبعوثين الأمميين الستة الذين تناوبوا حقيبة الوساطة في العقدة الليبية في نفق مظلم وطويل استمر لنحو 9 أعوام، وما بين فترة مبعوث طالت وأخرى قصرت، تعامل كل مبعوث مع تلك العقدة وفق ملكاته الشخصية وقدراته التفاوضية، وتماهى مع الظرف الداخلي وموازين القوى الإقليمية والدولية، ورغم الجهود الدبلوماسية المبذولة عبر قناة الوساطة الأممية، فقد مضت مسارات ومآلات الأحداث نحو تمديد أمد الصراع، حتى وصلت إلى نقطة الاقتتال على تخوم العاصمة طرابلس منذ أبريل الماضي.

تروي وقائع التاريخ أن أبواب الحلول الدبلوماسية للمسألة الليبية لم تولد في العام 2011، بل سبقتها بنحو 6 عقود، سرت خلالها مياه كثيرة في نهر الأحداث، إذ ومع الإرهاصات الأولى للاستقلال، مضت - وعلى نحو ناجح - مهمة الدبلوماسي الهولندي أدريان بلت، الذي أوفدته الأمم المتحدة للإشراف على الفترة الانتقالية بين العامين 1949 و1951 وكتب خلالها الليبيون دستورًا اتحاديًّا، ومن ثم جرى إعلان الاستقلال في العام 1951، وبعد هذا التاريخ بـ60 عامًا ومع اندلاع ثورة 17 فبراير عاد دور المبعوث الأممي مجددًا تحت نيران التفكك والانقسام بداية من عبدالإله الخطيب مرورًا بكل من إيان مارتن وطارق متري وبرناردينيو ليون ومارتن كوبلر، وصولًا إلى غسان سلامة .

للاطلاع على العدد 215 من جريدة «الوسط»

وخلال الأعوام التسعة الأخيرة، ورغم المحاولات المتتالية والمضنية من قبل هؤلاء المبعوثين الأمميين لإيجاد سبيل ينتشل البلاد من نفق الانقسام نحو حل شامل يعيد توحيد مؤسسات البلاد، ويساهم في إعادة الاستقرار إلى البلد الغني بالنفط، فإن فوضى السلاح والميليشيات والانقسام والغياب المؤسسي والاتهامات بالانحياز بقيت هي القاسم المشترك لخيبات الأمل التي يحملها كل مبعوث في حقيبته الدبلوماسية لحظة المغادرة، وهو مصير لا يبدو المبعوث الحالي غسان سلامة بعيدًا عنه حتى الساعات الأولى من العام 2020.

الخطيب.. مساعٍ وسط النيران
لم يكد يمضي شهران على اندلاع ثورة 17 فبراير، وتحديدًا في السادس من أبريل العام 2011، حتى كان الحل الأممي جاهزًا مع تعيين وزير الخارجية الأردني الأسبق عبد الإله الخطيب مبعوثًا أمميًّا للوساطة بين النظام السابق وبين المجلس الوطني الانتقالي السابق، في ظل استعار الحرب بين الجانبين على محاور القتال، وهي المهمة التي اعتبرها المراقبون شبه مستحيلة في ظل تمسك العقيد معمر القذافي بالحكم وتمسك المجلس الانتقالي برحيله.

الخطيب، الذي نصبه الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، استند إلى خبرة دبلوماسية بعدت عن أجواء الحرب، إذ عمل منسقًا عامًّا للوفود الأردنية في مفاوضات السلام منذ التسعينات، لكن مهمته في ليبيا كانت أصعب، إذ اصطدم بتمسك القذافي والثوار بموقفيهما، علاوة على الرؤى المتصارعة على ليبيا الجديدة إقليميًّا ودوليًّا، ومن ثم غادر منصبه في سبتمبر من العام 2011.

بعد 7 أعوام من مغادرته منصبه لم ينقطع تفكير الخطيب في الشأن الليبي، فقبل بضعة أشهر من اندلاع حرب العاصمة طرابلس، كان المبعوث الأسبق يراهن على دور القوى الدولية والأطراف الداخلية في الحل، إذ قال في محاضرة ألقاها ضمن البرنامج الثقافي السياسي الذى تقيمه السفارة الليبية في عمان إن «القوى العالمية تستطيع أن تساعد بشأن ليبيا، ولكن يجب أن تكون هناك رغبة لدى الأطراف الوطنية في ليبيا للخروج من هذا الوضع»، فهل لا يزال المبعوث الأممي الأسبق عند اعتقاده بأن الحل بيد الطرفين؟!

مارتن.. معضلة فوضى السلاح

كان الاختيار الثاني للمهمة الأممية ليس بعيدًا عن الخطيب، إذ جاء تعيين الدبلوماسي البريطاني إيان مارتن رئيسًا للبعثة الأممية لدى ليبيا في 20 سبتمبر، بعد أن عمل بضعة أشهر في البعثة الأممية - برفقة سلفه - مبعوثًا خاصًّا للأمم المتحدة للتخطيط في فترة ما بعد النزاع في ليبيا، وهي مهمة كشف تتابع الأحداث أنه لم يبلغها.

ومثل سابقه، لم يمتلك مارتن الخبرة الكافية في بؤر التوتر الصراعات، إذ سبق وأن تعاطى مع صراعات عالمية من منظور حقوقي، من خلال عمله السابق كأمين عام لمنظمة العفو الدولية، ومن ثم انصبت جهوده على
اشتراط الدعم الفني لعملية التحول السياسي الليبي، بيد أنه اصطدم بمشكلات قائمة حتى اللحظة من بينها المقاتلون وفوضى السلاح، وخلال مداخلة أمام مجلس الأمن مايو 2012 تحدث بوضوح عن «القضية الأساسية المتعلقة بالأمن العام هي إدماج وتسريح الثوار والسيطرة على الأسلحة».

وما بين محاولة اغتيال فاشلة، وانتخابات ناجحة أفرزت المؤتمر الوطني العام، بقي مارتن مبعوثًا أمميًّا حتى أكتوبر 2012، ليغادر منصبه بعد أقل من عام على تكليفه، وتنقطع بعدها أية تصريحات له حول الشأن الليبي، وكأن ما شهده في هذا الملف أوقف أي كلام يقال.

متري.. المهمة المستحيلة
عقب رحيل مارتن، عادت رهانات الحل العربي إلى أبواب البعثة الأممية وهذه المرة من لبنان، ذات التاريخ الطويل مع حرب أهلية امتدت 15 عامًا بين العامين 1975 و1990. ففي أغسطس 2012 أوكلت الأمم المتحدة إلى الدكتور طارق متري، السياسي والأكاديمي ووزير الإعلام اللبناني الأسبق، مهمة رئاسة البعثة.ربما كانت خبرات الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها ماثلة في ذهن من اختار متري الذي كان أحد مؤسسي اللقاء اللبناني الحر سابقًا ومسؤول العلاقات المسيحية الإسلامية في مجلس الكنائس العالمي بجنيف، لكن يبدو أن تعقيدات المشهد الليبي تخطت هذه الخبرات.

وعلى مدار مهمته التي قاربت السنتين، حاول متري تقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف، لكن وُجهت له انتقادات بسبب ما وُصف بـ«محاباته للتيار الإسلامي»، على حساب مطالب التيار الوطني الذي فاز في الانتخابات مرتين، دون أن يكون له وجود عسكري مؤثر على الأرض، ليخرج من تجربته يائسًا ويؤلف كتاب «مسالك وعرة» ضمنه تجربته في ليبيا، وفي هذا السياق يقول: «غادرت حين أصبحت مهمتي مستحيلة وفشلت في إقناع النخب السياسية بالتسوية»، ويبدو أن أسباب هذا اليأس لا تزال قائمة!

ليون.. الصخيرات و«المافيا» ولغز الأكاديمية
لم ينل مبعوث سهام جدل وانتقادات مثل الدبلوماسي الإسباني برناردينو ليون الذي تولى مهمته الأممية، في أغسطس 2014، فقد كان غموض وتعقيد مهمته ثم ما حدث بعد رحيله كفيلًا بأن يلقي كثيرًا من التساؤلات في طريق البعثة الأممية الملغم.

ليون الذي شغل منصب الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لجنوب البحر المتوسط، نجح في جمع الفرقاء السياسيين على طاولة المفاوضات بمدينة الصخيرات المغربية، ورعا توقيع الاتفاق السياسي في منتجع الصخيرات بالمغرب في نوفمبر 2015، بل وأعلن تشكيل حكومة الوفاق الوطني ومجلس الدولة. لكن سهام الانتقادات طالته بسبب ما وصف بدوره غير المحايد، لكنه اتهم ما سماها بـ«بالمافيا» بإفشال مهمته، وقال في حوار صحفي العام الماضي: «عندما تكون وسيطًا وتقترح اتفاقية سلام فهذا يعني أنك تواجه الكثير من أصحاب النفوذ ذوي المصالح الغامضة».

في نهاية العام 2015، غادر ليون منصبه قبل أن تشوب أواخر مدة ولايته للبعثة الأممية انتقادات بسبب تسريبات تتحدث عن «تضارب في المصالح»، بعدما أعلنت الأكاديمية الدبلوماسية في دولة الإمارات أنه تولى منصب مديرها العام.

كوبلر في نفق العقد الدستورية
رغم تجارب سابقة في بؤر نزاع ملتهبة بالعراق وأفغانستان والكونغو الديمقراطية، إلا أن مهمة المبعوث الأممي مارتن كوبلر لم تكن أفضل من سابقاتها، فمنذ تعيينه بمنصبه خلال الفترة من 17 نوفمبر 2015 إلى 21 من يونيو 2017، كانت مهمته هي تطبيق اتفاق الصخيرات، لكن خلافات الأطراف السياسية أفشلت مهمته. في نوفمبر 2015، بدأ كوبلر مهمته كرئيس لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا باتفاق الصخيرات وتشكيل مجلس رئاسي، سرعان ما رفضه المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، فيما عرقل البرلمان تنفيذ الاتفاق، مطالبًا بتعديلات أبرزها المادة الثامنة.

للاطلاع على العدد 215 من جريدة «الوسط»

ورغم كل محاولات واجتماعات كوبلر مع الفرقاء الليبيين، وجهود دول الجوار والدول الكبرى، تنتهي مهمة كوبلر في ليبيا، وبقي اتفاق الصخيرات رهن المراوحات القانونية الدستورية، إلى أن سلم الوديعة المثقلة لخليفته، ووجه رسالة تدعو للقلق قال فيها مخاطبًا الليبيين قائلًا: «بإمكانكم التخلي عن الاتفاق السياسي الليبي والعودة إلى المفاوضات من جديد لسنة أخرى، أو ربما لفترة قصيرة، وربما لفترة أطول».

سلامة.. الحرب تنسف الملتقى

من رحم حرب العراق، عاد الحل اللبناني مجددًا إلى ليبيا، وكانت كلمة السر هي الدبلوماسي اللبناني غسان سلامة الذي جاء ليكمل مهمة المبعوثين السابقين، استنادًا إلى دوره كمبعوث أممي في العراق بعد الاحتلال الأميركي، فهو صاحب فكرة إنشاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وعرف بتوجيه انتقادات شديدة للأميركيين، خاصة لـ «بريمر» الحاكم الأميركي للعراق بعد 2003.
منذ يونيو من العام 2017، واجهت مهمة سلامة مطبات ومنحدرات بالغة الصعوبة، فالأكاديمي اللبناني والوزير السابق اصطدم بصخرة الانقسام منذ اللحظة الأولى لتوليه منصبه، رغم التقدم المحدود في الحوار بين الأطراف السياسية المتناحرة، واقترح عقب توليه منصبه مبادرة من ثلاث نقاط أبرزها عقد مؤتمر ليبي جامع برعاية دولية.

وفي مطلع العام 2019، كادت جهود سلامة تكلل بعقد ملتقى غدامس للفرقاء الليبيين، لكن الحرب التي اندلعت على تخوم العاصمة، طرابلس، في أبريل الماضي نسفت هذا الملتقى وعطلت خطته الأممية، ومع ذلك لا يزال الرجل يراهن على معجزة تعيد الليبيين إلى طاولة الحوار، وفي هذا السياق يراهن على أن يتخذ مؤتمر برلين مسارًا جديدًا للحل، بعيدًا عن حوار النار الدائر على تخوم العاصمة.

المزيد من بوابة الوسط