الليبيون يودعون «عام الدم» ويأملون أن يكون 2020 عام الحل

دشن الليبيون الصفحة الأولى من العام 2020 في عملية تسليم وتسلم لتركة الحرب والانقسام والتناحر الإقليمي التي خلفها العام 2019، وما بين دماء ضحايا حرب يستمر نزيفها منذ تسعة أشهر، وبين سجالات وتجاذبات إقليمية ودولية لم تتوقف بين الدول التي تورطت في الحالة الليبية، ومساع أممية تحاول التوصل إلى حل سلمي لأزمة البلاد، دون أن تظهر في الأفق إجابة حاسمة أو حتى مطمئنة للمستقبل.

لم تكد تمر ساعات بدء العام الجديد، حتى استقبلت العاصمة طرابلس موجة جديدة من القصف بالطيران الحربي التابع للقيادة العامة في منطقة السواني بالعاصمة طرابلس، لقى على إثره ثلاثة أشخاص مصرعهم، وفق ما أعلنت صفحة عملية «بركان الغضب»، التي أوضحت أن القصف أصاب ورشة ومخزن حديد، منوهة بأن الضحايا الثلاث هم مالك المصنع وابنه وسائق سيارة نقل.

وجاء هذا القصف في سياق الحرب التي تشهدها التخوم الجنوبية للعاصمة طرابلس بين القوات التابعة للقيادة العامة والقوات التابعة لحكومة الوفاق، والتي بدأت في الرابع من أبريل الماضي، عندما أعلن القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر عملية «تحرير طرابلس» وفق ما أطلق عليه، وأسفرت حتى الآن عن وقوع آلاف القتلى والجرحى من بينهم 284 قتيلا و363 جريحا في صفوف المدنيين في العام 2019، وفق توثيق أجرته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

أصوات التهدئة
ورغم صخب أصوات الحرب والتحريض عليها مع انحسار خطاب التهدئة، إلا أن صوت العقل سجل حضوره على استحياء من أطراف وفاعلين داخليين وإقليميين، تدرك أن الحرب لن تؤدي إلا لمزيد من الحرب والتصعيد.

داخليا، وعلى نحو فردي، تلقى الليبيون دعوة لوقف الحرب من عضو بمجلس النواب، إذ دعا النائب فتح الله حسين عبدالكريم السعيطي كافة الأطراف إلى وقف الحرب والانخراط في المصالحة الوطنية ودعم العملية السياسية بشكل جدي، محذرا من أن استمرار الوضع الراهن «لن يجر ليبيا إلا إلى براثن الفرقة والانقسام وطول أمد الحرب»، داعيا في بيان «الجميع إلى الجنوح للسلم والتكاتف والانخراط معا لإنهاء المرحلة الانتقالية وتفعيل مبدأ التداول السلمي على السلطة».

اقرأ أيضا: شباب من المنطقة الشرقية يقدمون مبادرة سلام لإيقاف الحرب

ثم مع أول يوم في العام الجديد، ظهر صوت المجتمع المدني عبر مبادرة أطلقها مجموعة من شباب النشطاء بالمنطقة الشرقية في ليبيا، في بيان حمل عنوان: «مبادرة السلام الوطني»، طالبوا خلالها بوقف حرب العاصمة طرابلس، والعودة إلى المسار الدستوري والانتخابي، وضرورة التوزيع العادل للموارد الاقتصادية والمساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين كافة الليبيين، وانعقاد ملتقى شباب ليبي جامع، لكن مصادر ذكرت لـ«بوابة الوسط» أن عددا من هؤلاء الشباب تعرض للملاحقة من بعض الأجهزة الأمنية في المدينة.

وعلى صعيد دول الجوار، دشنت تونس رؤيتها للمشهد الليبي في العام الجديد بحديث عن مبادرة سياسية لحل الأزمة «تقوم على جمع الفرقاء في البلد الجار على كلمة سواء»، وفق ما طرح الرئيس التونسي قيس سعيّد في كلمة لمناسبة العام الجديد، لكنه لم يفصح عن محاورها، وقال: «قد يكتب لهذه المبادرة النجاح أو بعض النجاح وقد تتعثر، لكن ستبقى تونس ثابتة على نفس المبادئ، فالمرجع هو القانون، وليس أزيز الطائرات وطلقات المدافع وزخات الرصاص».

تركة مذكرة التفاهم
المشهد الليبي في 2020، ورث أيضا التداعيات الإقليمية والدولية وآخرها الجدل الذي لم ينته حول مذكرتي التفاهم الموقعتين في 27 نوفمبر 2019، بين الحكومة التركية وحكومة الوفاق، بشأن الصلاحيات البحرية والتعاون الأمني والعسكري، وفي مقدمتها إعلان أنقرة إرسال قوات إلى ليبيا، في حالة تسلمها طلبا بالخصوص من حكومة الوفاق.

وحملت الساعات الأولى من العام تصريحات نائب الرئيس التركي، فؤاد أوقطاي التي أكد فيها إصرار بلاده على مذكرة ترسيم الحدود البحرية معتبرا أنها «مشروع سلام بالمنطقة»، لافتا إلى أن مذكرة التفويض حول إرسال جنود إلى ليبيا «تسري لعام واحد، ويتم إرسال القوات في التوقيت وبالقدر اللازم».

لكن المسؤول التركي لم يقطع خط الرجعة في مسألة إرسال القوات بالحديث عن أن أنقرة ربما تحجم عن إرسال قوات إلى ليبيا إذا أوقفت قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر هجومها على العاصمة طرابلس و«انسحبت»، وفق ما نقلته «رويترز». وقال «بعد إقرار البرلمان مشروع القانون... ربما يحدث أن نرى شيئا مختلفا.. موقفا مختلفا ويقولون حسنا، سننسحب ونوقف الهجوم... وساعتها لماذا نذهب إلى هناك؟».

اقرأ أيضا: «خارجية الوفاق» ترد على تصريحات «أبو الغيط»

وعقدت الجمعية العامة للبرلمان التركي، الخميس، جلسة طارئة لمناقشة مذكرة رئاسية للحصول على تفويض إرسال جنود إلى ليبيا، وكان البرلمان التركي قد دخل عقب مداولات الموازنة في عطلة رسمية تبدأ في 21 ديسمبر 2019، وتستمر لغاية 7 يناير الجاري، لكن الرئاسة التركية عرضت الاثنين الماضي، على رئاسة البرلمان، مذكرة تفويض بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، حملت توقيع الرئيس رجب طيب إردوغان.

في المقابل، كانت دعوة مجلس النواب جميع أعضاء المجلس لحضور الجلسة التي تعقد الإثنين المقبل في بنغازي؛ لمناقشة ما وصفه بـ«تداعيات الاتفاقية الباطلة» في إشارة إلى المذكرتين التفاهم اللتين أبرمهما رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وما ترتب عليهما من «تهديدات بالتدخل العسكري التركي في ليبيا وانتهاك السيادة الوطنية».

دور عربي
ووسط هذا التصعيد المتبادل الذي وثقته أجندة اليوم الأول من العام 2020، كان لجامعة الدول العربية دور في الساعات الأخيرة من العام الماضي، وسرعان ما تسلم العام الجديد تداعياته التي لم تبعد كثيرا عن ملف الدور التركي ومستقبله في المنطقة - حسب مراقبين.

وقبل نهاية العام بساعات عبر الاجتماع غير العادي لوزراء الخارجية العرب عن «القلق الشديد من التصعيد العسكري الذي يفاقم الوضع المتأزم في ليبيا»، منبها إلى «خطورة مخالفة نص وروح الاتفاق السياسي الليبي والقرارات الدولية ذات الصلة، على نحو يسمح بالتدخلات العسكرية الخارجية التي تسهم في تسهيل انتقال المقاتلين المتطرفين الإرهابيين الأجانب إلى ليبيا، وكذلك انتهاك القرارات الدولية المعنية بحظر توريد السلاح بما يهدد أمن دول الجوار الليبي والمنطقة».

اقرأ أيضا: مجلس النواب يدعو أعضاءه لجلسة في بنغازي لبحث «التهديدات التركية بالتدخل العسكري في ليبيا»

كما شهدت بداية العام الجديد موقفين من حكومة الوفاق حيال مخرجات الاجتماع العربي وما تبعه من تصريحات، إذ أكد نائب رئيس المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق، «ترحيب المجلس بموقف جامعة الدول العربية المنحاز إلى الشرعية، ودعمها التنفيذ الكامل لاتفاق الصخيرات، باعتباره المرجعية الوحيدة للتسوية في ليبيا»، وذلك خلال اجتماع مع وزير الخارجية في حكومة الوفاق، محمد سيالة.

وفي وقت لاحق، انتقدت وزارة الخارجية بحكومة الوفاق، تصريحات الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبوالغيط، قائلة «نجد أنفسنا ملزمين بتذكير الأمين العام بنص المادة الثامنة من ميثاق الجامعة العربية التي تنص على احترام الشؤون الداخلية للدول وعدم التدخل فيها». وأكدت «خارجية الوفاق» في بيانات منفصلة أن تصريحات أبو الغيط التي «فسرت معنى التدخل الخارجي في ليبيا واقتصاره على الأجنبي فقط، تضمنت تفسيرا مغلوطا.. مخالف لميثاق الجامعة العربية».

وتساءلت الخارجية الليبية «هل يوجد تدخل لتغيير نظام الحكم في ليبيا أكبر من قصف طيران دول عربية على العاصمة طرابلس، لمساعدة ميليشيات خارجة عن القانون للاستيلاء على السلطة وقلب نظام الحكم». وأضافت أن من أولى مهام الأمين العام للجامعة العربية، العمل على حل أي نزاعات داخل الأقطار العربية، «وهو ما لم تلحظه الوزارة حيث لم يقم الأمين العام بأية مبادرات لوقف العدوان على طرابلس».

ووسط السجال والتصعيد والقليل من صوت العقل والمبادرات، مضى اليوم الأول من العام 2020 في سياق يراه المراقبون وريثا شرعيا لتركة الأزمات التي لاحقت المشهد الليبي منذ العام 2011، وتعمقت بالحرب في العام 2019، فيما تزال ليبيا تبحث عن حلول تتحقق في أجندة العام 2020.