الخيارات المرة لما بعد «مذكرة التفاهم».. التراجع أو اللجوء للتحكيم الدولي

لم تمر العاصفة التي أحدثتها مذكرة التفاهم الموقعة أخيرا بين حكومة الوفاق والحكومة التركية بخصوص الحدود البحرية بسلام، فلا تزال توابعها قائمة، مع تداخل دولي كبير نتيجة توقيع المذكرة، التي تسعى أنقرة من خلالها إلى إضفاء شرعية على عمليات تنقيبها عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، كما تسعى إلى توسيع عمليات التنقيب التي تلقى رفضا أوروبيا واسعا.

وتعمل في منطقة شرق المتوسط شركات نفط وغاز عملاقة، تملكها دول أوروبية كبرى والولايات المتحدة، مثل إيني الإيطالية وإكسون موبيل الأميركية وتوتال الفرنسية وإنيرجيان اليونانية، وهذه الشركات ليس من مصلحتها إتمام هذا الاتفاق، الذي يحد من عمليات التنقيب والاكتشافات التي تقوم بها لصالح قبرص واليونان. وبات مصير مذكرة التفاهم، الموقعة ليل الأربعاء الماضي خلال زيارة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج اسطنبول ولقائه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، حديث الساعة، ولا سيما في اليونان، الدولة الأوروبية التي ترى نفسها المتضرر الأكبر من هذه المذكرة، وتخرج فيها أصوات تنادي إما بإلغاء المذكرة من جانب حكومة الوفاق أو اللجوء إلى التحكيم الدولي.

وأمام التزام المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الصمت حيال تفاصيل مذكرة التفاهم، فإن التساؤلات تزداد حول الجدوى الاقتصادية والسياسية التي ستعود على ليبيا جراء الاتفاق، فيما يشدد خبراء يونانيون على أن ترسيم الحدود البحرية التركية يأتي في سياق «مخطط أنقرة إيهام الجميع بوجود شرعية من أجل الانتقال بحرية إلى مصادر الطاقة في شرق البحر المتوسط».

للاطلاع على العدد 211 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

صفقة غير مفاجئة
وقال الأستاذ المشارك في القانون الدولي والسياسة الخارجية بجامعة «بانتيون» في أثينا، أنجيلوس سيريغوس، إن «صفقة إردوغان، التي يشار إليها على أنها مذكرة تفاهم، ليست مفاجئة، حيث طلبت أنقرة اتفاقاً على الحدود البحرية مقابل دعم حكومة الوفاق في وقت سابق»، وفق ما نقلت جريدة «كاثمريني» اليونانية، الأحد.

وأضاف أن إمكانية إبرام صفقة حدود بحرية بين تركيا وليبيا حركت أثينا في أوائل أكتوبر الماضي ودفعتها إلى التوقيع على اتفاقات تنادي بحقوق التنقيب عن الغاز جنوب جزيرة كريت لصالح كونسورتيوم (تحالف) من شركات إكسون موبيل الأميركية وتوتال الفرنسية وإنيرجيان اليونانية.

للاطلاع على العدد 211 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

وقد يؤدي الاتفاق إلى «منع اليونان من مد حقوقها السيادية في الجرف القاري شرق البحر المتوسط»، بحسب الخبير سيريغوس، مشيراً إلى أنه لا يمكن إلغاء الصفقة مع حكومة الوفاق «إلا إذا تخلت ليبيا عن الاتفاق، أو عن طريق اللجوء إلى آليات التحكيم الدولي، والخيار الأخير لن تقبله أنقرة أبدا». وشدد على أنه «إذا تم توقيع ترسيم الحدود البحرية بالفعل، فسيظل ذلك عقبة دائمة في طريق اليونان». ولم تعرف بعد تفاصيل الاتفاق الليبي–التركي، لكنه يأتي وسط توترات حادة في المنطقة بشأن احتياطات الطاقة في المياه قبالة جزيرة قبرص المقسمة وفي شرق البحر المتوسط. ولم تذكر أنقرة أين تلتقي الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، لكن عمليات التنقيب التي تقوم بها تغضب كلا من القبارصة اليونانيين واليونان والاتحاد الأوروبي.

ورفضت اليونان هذا الاتفاق، ووصفته بأنه «أمر منافٍ للعقل من الناحية الجغرافية؛ لأنه يتجاهل وجود جزيرة كريت اليونانية بين الساحلين التركي والليبي». وتوجد لتركيا حاليا أربع سفن للحفر عن الغاز الطبيعي في المنطقة، مما أثار ردود فعل دولية غاضبة، ولا سيما من الاتحاد الأوروبي الذي اعتمد وزراء خارجيته الشهر الماضي إطاراً للعقوبات على أنقرة بسبب عمليات الحفر المتواصلة قبالة سواحل قبرص.

وحسب جريدة «كاثمريني» اليونانية، تعتبر هذه الخطوة «انتهاكا صارخا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؛ لأن ليبيا وتركيا لا تتقاسمان الحدود البحرية»، واصفة تحركات الرئيس التركي طيب رجب إردوغان بـ«الاستفزازية، لأنه يقوم بمحاولة هدفها إضفاء الشرعية على تطلعاته التوسعية، من خلال إقحام دولة ثالثة (ليبيا)».

للاطلاع على العدد 211 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

الأتراك يرونها «مذكرة تاريخية»
وإزاء بعض ردود الفعل الغاضبة من الاتفاق، يرى الخبراء الأتراك المؤيدون خطوة إردوغان أن مذكرة التفاهم «فارقة تاريخية حققت تفوقاً سياسيّاً من تركيا». وقال الجنرال التركي المتقاعد، جيم غوردينز في حديث مع جريدة «ملييت» المحلية، إن الاتفاقية «حمت مصالح تركيا، وقبرص الشمالية، وأعطت مسوغاً قانونيّاً وشرعياً في النشاط التركي شرق البحر المتوسط».

ولفت إلى أن أول من دعا لهذه الاتفاقية، اللواء البحري في الجيش التركي، جهاد يايجي، في كتابه الجديد، بعنوان «ليبيا جارة تركيا من البحر»، التي شدد فيها على ضرورة توقيع الاتفاقية بين البلدين، لحماية «الحقوق الشرعية لهما في شرق المتوسط». ونصح الجنرال التركي بضرورة فتح قنوات تواصل مع سورية لتعزيز الاتفاقية، وتكثيف أنشطة تركيا في شرق المتوسط أمام الأمم المتحدة.

للاطلاع على العدد 211 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

مشروع الوطن الأزرق
في السياق ذاته، يكشف الخبير التركي، جيهون بوزكورت، أبعاد الاتفاق الليبي مع أنقرة، إذ ستزيد نشاطاتها وخطواتها في البحر المتوسط، لمشروع ما يسمى «الوطن الأزرق»، الذي يضم البحار الثلاثة (المتوسط والأسود وإيجه).

وكانت تركيا أجرت أخيرا مناورات تعد الأكبر في تاريخ البلاد في كل من البحر الأسود وبحر إيجه وشرق البحر المتوسط، وسمتها «الوطن الأزرق»، نسبة إلى البحار الثلاثة.

ولفت جيهون بوزكورت في تصريحات إلى جريدة «أكشام» التركية، إلى أن المذكرة تمهد لتنظيم مسألة البحث عن الموارد البحرية واستغلالها، المعروفة بـ«المنطقة الاقتصادية الخالصة»، التي لم تعلن عنها أنقرة بعد، إذ إنها تتيح لتركيا التحرك باتجاه هذه المنطقة، مضيفا أن المطلوب الآن أن «تتحالف تركيا مع روسيا والصين في شرق المتوسط، لصد أوروبا»، حسب تعبيره.

المزيد من بوابة الوسط