تحالفات وانقسامات وتصفية حسابات على عتبة سياسة «رابح – خاسر» في ليبيا

أردوغان مصافحا السراج خلال استقباله في إسطنبول يوم 27 نوفمبر 2019. (المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي)

عاد الخلاف الدولي على الملف الليبي ليظهر في شكل تصفية حسابات سياسية بين فرنسا وتركيا في وقت تسبب سباق إعادة بعث التحالفات الداخلية مع قوى دولية في تعميق الانقسام بين الأجسام السياسية على خلفية ما أحدثته مذكرتا التفاهم بين حكومة الوفاق وأنقرة من زوبعة لاحت حممها إلى دول الجوار الليبي «المرتبكة» بعد تحذير أوساط تونسية من خطورة التواجد التركي البحري العسكري قبالتها.

وجلب إخفاء الجانب الليبي تفاصيل مضمون مذكرتي التفاهم بين أنقرة والمجلس الرئاسي وعدم إطلاع الرأي العام على بنود ترسيم الحدود البحرية انتقادات تتهم الوفاق بالتوقيع على اتفاق عنوانه «رابح خاسر»، خصوصا وأن الجانب التركي يروج لمكاسب سيجنيها على المديين المتوسط والبعيد من وراء خطوة تحديد الجرف القاري أو المنطقة الاقتصادية الخالصة للجزر، مثل مساحة الجزيرة، وطول جبهتها، وموقعها، وبعدها عن اليابسة، وهو أمر تتأهب لشرحه لدى المحاكم الدولية وقرارات التحكيم، في المقابل ينصب اهتمام المجلس الرئاسي في الدفاع عن أحقيته في عقد مذكرات تفاهم مع أي دولة بينما يعتبره المجلس الأعلى للدولة يحمي مقدرات الدولة الليبية وتعزيز أمنها وحدودها.

لكن الاتفاقية الأخيرة تنتظر مصادقة من طرف برلماني تركيا وليبيا حيث يرفضها مجلس النواب في طبرق جملة وتفصيلا.

تصفية الخلافات
وكان من أوجه التحالف التركي مع الوفاق إقدام رئيس مجلس النواب عقيلة صالح على زيارة مفاجئة إلى السعودية في إطار بعث محور التحالفات القديمة حيث توجه بخطابين إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، يطالب فيهما بسحب اعتماد حكومة الوفاق من المؤسستين، و«اعتماد ممثل للبرلمان كبديل باعتباره الجسم الشرعي الوحيد في ليبيا» وفق قوله.

اقرأ أيضا عقيلة صالح يطلب سحب اعتماد حكومة الوفاق من الأمم المتحدة والجامعة العربية

وبينما انشغلت الأنظار بالخلاف الأميركي الروسي وتأثيره على الترتيبات لمؤتمر برلين المقرر عقده مطلع العام القادم وفق تصريحات المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة عادت فرنسا لتصفية خلافاتها السياسية مع تركيا في حلف الأطلسي والقضية السورية بشكل غير مباشر في أعقاب توقيع مذكرة المناطق البحرية.

ففي السياق شكل التحول الفرنسي من عدم تسليم ستة قوارب لخفر السواحل الليبي بهدف المساهمة في تعزيز قدرات مكافحة الهجرة غير الشرعية «مفاجأة» على اعتبار أن باريس ظلت تتمسك بتسليمها في أقرب وقت، وهو قرار يربطه مراقبون بتوقيع مذكرتي التفاهم بين تركيا والوفاق حيث لم تكن حجة باريس مقنعة في التراجع عن التبرع بها بعدما أعلنت عنه شهر فبراير الماضى، فما يتعرض له اللاجئون من انتهاكات بمراكز الاحتجاز لم يتغير حسب المنظمات الدولية.

اقرأ أيضا اليونان تطلب دعم «الناتو» ردا على مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق

وذهب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى قمة حلف الناتو بلندن على أمل الحصول على إجابات عن تفاصيل اتفاقية تقاسم المناطق البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط بين تركيا وليبيا والتي تتجاهل بالكامل مصالح حليف آخر لدى فرنسا وهو اليونان.

ويتأكد الإنزعاج الفرنسي على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي تحدى أعضاء حلف الأطلسي بقوله إن «مجريات الأحداث شرقي المتوسط واتفاقنا مع ليبيا ربما يشكلان إزعاجا حقيقيا لفرنسا، لكننا نؤكد أن الاتفاق المبرم حق سيادي لتركيا وليبيا، ولن نناقش هذا الحق مع أحد».

وتسبب التوتر في رفع ماكرون لهجة التصعيد في مؤتمر صحفي مع نظيره الأميركي دونالد ترامب، عندما اتهم تركيا بالعمل مع وكلاء تنظيم «داعش» داعيا أنقرة إلى إزالة أوجه الغموض تلك خلال اجتماعات هذا الأسبوع.

ويظهر البيان الختامي لزعماء بريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا في قمة رباعية على هامش اجتماع الأطلسي اتفاقهم في المسألة الليبية، وعبر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس التركي عن دعمهم لمبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة من أجل المضي قدما في عملية سياسية يقودها الليبيون لإنهاء الصراع في بلدهم.

ويأتي التوافق بعد يومين من حث مجلس الأمن الدولي مجددا الدول على الالتزام بحظر الأسلحة إلى ليبيا حيث من بين المتهمين بانتهاك الحظر تركيا، التي واجهت انتقادات بعد توقيعها على مذكرتي التفاهم مع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

ارتباك وتحذير الجوار
ولم يفارق الارتباك من الأخير دول الجوار التي نأت بنفسها عن إعلان موقفها الرسمي، وكرسه انشغال تونس بتشكل حكومتها وتحضير الجزائر لانتخابات الرئاسية يوم 12 ديسمبر، ما سرع من خطوات وزير الخارجية بحكومة الوفاق، محمد الطاهر سيالة، لإزاحة بعض من الغموض وطمأنتها من انعكاسات الاتفاقية في محادثات هاتفية مع وزير الشؤون الخارجية الجزائري، صبري بو قدوم، ووزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، وكاتب الدولة للشؤون الخارجية المكلف بتسيير وزارة الخارجية التونسية، صبري باش طبشي.

اقرأ أيضا: سيالة يؤكد لنظرائه في الجزائر والمغرب وتونس صحة التوقيع على مذكرتي التفاهم مع تركيا

وقال سيالة إن مذكرتي التفاهم تهدف إلى «صون المصلحة الوطنية، ويخدم بالدرجة الأولى الأشقاء ولا يمس بسيادة أي دولة، ويقوم على القانون الدولي»، لافتا إلى أن ليبيا تحافظ على علاقات الأخوة، وحسن الجوار، وتحرص على عدم المساس بسيادة الدول، أو ما يعرض أمنها وسلامتها وأراضيها وبحارها للخطر.

وكان رئيس الجمهورية قيس سعيّد استقبل يوم الاثنين رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي لكن كان «الوضع في ليبيا وضرورة أن تكون تونس فاعلة في هذا الملف حيادا إيجابيا ضمن المشاورات» وفق الرئاسية التونسية.

وتسبب إدارة الرئاسة بظهرها للمستجدات في إثارة أوساط سياسية مخاوفها من الاتفاقية الموقعة بين حكومة الوفاق وتركيا حيث اعتبرتها حركة الشعب التونسية عودة للوصاية العثمانية على المنطقة وتهديدا لاستقلال ليبيا وحذرت من خطورة الوجود العسكري التركي على الحدود الجنوبّية الّبرية والبحرّية والجوّية مع تونس.

وأشارت حركة الشعب إلى استغرابها من سكوت الجهات الرسمية «حكومة ورئاسة» عن هذا الاتفاق وعدم التّصدي له لما له من خطر مباشر على بلادها المعرضة باستمرار لخطر الجماعات الإرهابّية المحمّية من حكومة الوفاق بطرابلس والحكومة التركية حسب اتهاماتها.

المزيد من بوابة الوسط