جريدة «الوسط»: تلاسن أميركي روسي يسبق اجتماع برلين

سجل الحضور الأميركي في ملف الأزمة الليبية تطوراً، بعد لقاء وفد أميركي (أمني سياسي وعسكري) رفيع المستوى يوم الأحد الماضي القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر، إذ رأى محللون أن حصيلة هذا اللقاء الذي عقد في العاصمة الأردنية عمان، يعكس اهتمام واشنطن بالحالة الليبية بعد تقارير تحدثت عن وجود عسكري روسي في ليبيا على خلفية المعلومات التي تحدثت عن نشاط لمجموعة فاغنر المعروفة في البلاد، ولم يكن هذا الحراك واضحاً منذ مكالمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع حفتر في 15 أبريل الماضي، بل وبلور هذا اللقاء صورة شبه مكتملة لملامح التحرك الأميركي سواء في المرحلة الحالية أو مستقبلاً، بعد أن أعقبه بيوم واحد لقاء رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج مع السفير الأميركي ريتشارد نورلاند.

ومع تحول الحديث عن «الروس» إلى كرة ثلج تتدحرج في المشهد الليبي المشتعل منذ اندلاع حرب العاصمة في الرابع من أبريل الماضي، جاء إعلان الخارجية الأميركية في 24 نوفمبر أن الوفد الأميركي الذي التقى حفتر سعى إلى «تحديد الخطوات الواجب اتخاذها توصلاً إلى وقف للأعمال القتالية وإلى تسوية سياسية للنزاع»، وقال البيان إن هذا الدعم «يشمل جهوداً ملموسة لمواجهة الميليشيات والعناصر المتطرفة، وتوزيع الموارد بما يعود بالفائدة على كل الليبيين».

اضغط هنا للإطلاع على العدد 208 من جريدة «الوسط»

ويمكن وضع هذا اللقاء، وفق مراقبين، ضمن مقاربة أوسع تعيد التذكير بمحادثات وفد حكومة الوفاق في العاصمة الأميركية خلال الشهر الجاري، وضم الوفد وزيري الخارجية محمد سيالة، والداخلية فتحي باشاغا، حيث ناقشا مع مسؤولين أميركيين عدة مواضيع، منها التنسيق المشترك في مكافحة الإرهاب، وأيضاً دفع عجلة الاقتصاد. بل وتعود بالوراء إلى 15 أغسطس الماضي، حين تعهد السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، في بدايات توليه مهامه، «بالعمل من أجل إنهاء فوري للصراع في ليبيا»، في أول تصريح رسمي عقب توليه مهام منصبه.

كما ينظر المحللون باهتمام بالغ إلى تشكيل هذا الوفد من مسؤولين سياسيين وعسكريين وأمنيين، إذ ضم نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيكتوريا كوتس، والنائب الأول لمساعد وزير الطاقة الأميركي للشؤون الدولية ماثيو زايس، ونائب مدير الاستراتيجية والمشاركة والبرامج في «أفريكوم»، العميد ستيفن ديميليانو، والسفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، وهو ما يعطي إشارات دالة على أن جميع القضايا ذات الصلة بالأزمة جرى طرحها على طاولة البحث مع حفتر، للتوصل إلى مقاربة «لا غالب ولا مغلوب».

في هذه الأثناء، ورغم وصف الكرملين، على لسان ناطقه الرسمي، اتهامات الخارجية الأميركية لروسيا بزعزعة الاستقرار في ليبيا من خلال نشر شركات عسكرية خاصة هناك، بأنها أخبار زائفة لا أساس لها من الصحة، إلا أن المتابعين للشأن الليبي رأوا أن العامل الروسي وما قيل عن قلق أميركي بشأنه، خرج من دائرة التحليلات الورقية (استنتاجاً أو تكهناً)، بل صار بنداً يحتل الصدارة على طاولة الاجتماعات رفيعة المستوى والمخصصة لبحث الوضع في ليبيا، ولعله هو ما دفع الأميركيين إلى التحرك على هذا المستوى، خصوصاً أن اللقاء الأخير جاء عقب لقاء بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، ووزير خارجية الإمارات العربية عبدالله بن زايد وجرى خلاله بحث الوجود الروسي في ليبيا.

وكانت جريدة «نيويورك تايمز» ذكرت مطلع الشهر الجاري أن نحو مئتي مقاتل روسي من مجموعة «فاغنر»، بينهم قناصة، وصلوا إلى ليبيا أخيراً. ويعتقد أن المجموعة تابعة ليفغيني بريغوزين حليف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن موسكو نفت هذه المعلومات «بشكل قاطع» على حد تعبير نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، الذي أكد أن روسيا «تعمل بما يخدم مصالح عملية السلام في ليبيا». كما وصف رئيس لجنة الاتصال الروسية في طرابلس ليف دينغوف التقرير بأنه «غير صحيح مطلقاً».

اضغط هنا للإطلاع على العدد 208 من جريدة «الوسط»

في هذه الأثناء، يلحظ مراقبون أن صوت المبعوث الأممي غسان سلامة قد سجل خفوتاً بالتزامن مع بدء التحركات الأميركية، إذ لم يسجل مواقف جديدة منذ إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي 18 نوفمبر الجاري، التي أشار فيها إلى «إشراك مرتزقة ومقاتلين من شركات عسكرية خاصة في خطوط المواجهة في جنوب طرابلس»، مضيفاً أنه «من الطبيعي أن يؤدي إقحام هؤلاء المقاتلين من ذوي الخبرة إلى اشتداد حدة العنف»، منبهاً إلى أن «المخاطر والعواقب المباشرة للتدخل الأجنبي تتضح بشكل جلي ومتزايد».

وليس ببعيد عن الدور الأميركي، فقد تراجع الحديث العلني عن ترتيبات مؤتمر برلين المقرر نهاية هذا العام أو مطلع العام المقبل، واقتصر على تصريحات غير شارحة صدرت عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في برلين الثلاثاء، إذ قال إن «المؤتمر سيجمع كل من لهم تأثير فيما يتعلق بالنزاع في ليبيا بهدف وقف إطلاق النار والتمهيد لعملية سياسية قادرة على إحلال السلام في ليبيا». لكن متابعين رأوا أن التحرك الأميركي الأخير قد يحمل حضوراً قوياً لواشنطن في مؤتمر برلين، بل وقد تشكل الرؤية الأميركية الملامح الرئيسة لجدول أعمال هذا الاجتماع.

جاءت كل هذه التطورات بعد إعلان القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، أن طائرة غير مسلحة «متحكم فيها عن بعد»، تابعة للقيادة الأميركية، فقدت فوق طرابلس الخميس الماضي، وكانت السفارة الإيطالية في ليبيا، أعلنت في 20 نوفمبر، تحطم طائرة بريديتور، «متحكم فيها عن بعد»، على الأراضي الليبية، من قبل ما سمته «السلاح الجوي». وأوضحت السفارة أن الطائرة كانت في مهمة لدعم عملية Mare Sicuro (البحر الآمن).

وسط هذه التطورات المتلاحقة، تبقى التساؤلات قائمة حول مدى نجاح التحرك الأميركي الجديد في اتجاه التوصل إلى حل حاسم على جميع الأطراف المحلية والإقليمية، ليضع تعهدات السفير الأميركي في منتصف أغسطس الماضي موضع التنفيذ، أم أن المستقبل القريب يحمل لليبيين مزيداً من الأسئلة الصعبة، حول مآل أزمتهم.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط