جريدة «الوسط»: دعوة إلى وقف «الهجوم» على طرابلس.. وتحذير من «محاولات» روسية

سجل الموقف الأميركي من الحرب على العاصمة طرابلس هذا الأسبوع، مما اعتبره مراقبون تغيرا لخصته دعوة واشنطن الواضحة لـ«الجيش الوطني» لإنهاء هجومه على طرابلس، في تطور غير مسبوق منذ المكالمة الشهيرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر في بداية الحرب، ولم يتوقف التغير عند هذا الحد، بل تبعته مطالبة واشنطن بإصلاحات أمنية وعسكرية واقتصادية، وسط مخاوف أوساط ليبية من تحول البلاد إلى «سورية جديدة».

التطور الأخير، الذي واكب زيارة وفد من حكومة «الوفاق» إلى واشنطن، دفع محللين إلى التساؤل حول ما إذا كانت المقاربة الأميركية الجديدة تعكس قلقا من تزايد النفوذ الروسي في ليبيا، على خلفية كشف مشاركة مرتزقة روس إلى جانب قوات القيادة العامة في حرب العاصمة طرابلس، أم أنه مجرد «مناكفة سياسية» بين واشنطن وموسكو ربما تحمل في طياتها مساومات في ملفات أخرى بمنطقة الشرق الأوسط، أو أنه امتداد لاختلاف الرؤى والتوجهات بين مؤسسات صنع السياسة الخارجية الأميركية والرئيس ترامب، أم كل هذه الأسباب.

كانت نقطة البداية مع زيارة وفد حكومة «الوفاق» واشنطن برئاسة المفوض بوزارة الخارجية محمد سيالة والمفوض بوزارة الداخلية فتحي باشاغا، حيث بحث الجانب الليبي مسائل تعزيز التعاون لتحقيق الأمن والاستقرار، والتنسيق في مكافحة الإرهاب، كما شارك الوفد الليبي في أعمال المؤتمر الوزاري للدول الأعضاء في التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

اضغط هنا للإطلاع على العدد 209 من جريدة «الوسط»

وفي هذه الأثناء، جاءت دعوة وزارة الخارجية الأميركية، في بيان الجمعة: «الجيش الوطني الليبي إلى إنهاء هجومه على طرابلس»، وفي السياق نفسه شدد البيان على «دعم سيادة ليبيا وسلامة أراضيها في مواجهة محاولات روسيا استغلال الصراع ضد إرادة الشعب الليبي». وجرى التأكيد على الموقف نفسه خلال لقاء نائب السفير الأميركي لدى ليبيا، جوشوا هاريس والنائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري السبت، إذ أكد الدبلوماسي الأميركي دعم بلاده سيادة ليبيا وسلامة أراضيها، في مواجهة ما وصفه بـ«محاولات روسيا استغلال الصراع ضد إرادة الشعب الليبي».

وكالة «بلومبرغ» وصفت التحذير الأميركي من الدور الروسي لدعم قوات القيادة العامة، بأنه الأقوى من واشنطن، منذ «الهجوم على العاصمة في أبريل، مما يشير إلى قلق متزايد بشأن نشر المرتزقة الروس في دولة مصدرة للنفط في شمال أفريقيا»، معتبرة أن «هذا أحدث بروز للقوة الروسية في أعقاب تدخل عسكري حاسم إلى جانب الرئيس بشار الأسد في سورية».

أما هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، فقد سلطت الضوء على الموقف الأميركي الجديد، وأعادت التذكير بأن «الولايات المتحدة نأت بنفسها عن الموقف في ليبيا بعد مكالمة ترامب مع حفتر في أبريل الماضي، وانضمت إلى الدعوات إلى وقف إطلاق النار».

كانت تقارير صحفية أميركية تحدثت عن وصول أكثر من 100 مرتزق من مجموعة «فاغنر» برئاسة يفغيني بريغوزين، المعروف أيضا باسم «طباخ بوتين» لتعاقده لتقديم الطعام في الكرملين، إلى قاعدة أمامية في ليبيا في الأسبوع الأول من سبتمبر لدعم المشير حفتر، «الذي تعثرت قواته في ضواحي العاصمة منذ أبريل».

في هذه الغضون، ينظر محللون باهتمام إلى ما أعلنته وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوفاق عن أن «الولايات المتحدة عبرت عن قناعتها، خلال زيارة وفد حكومة الوفاق، بأن مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود وإعادة الاستقرار إلى ليبيا لا تكون إلا بحزمة إصلاحات اقتصادية وعسكرية وأمنية»، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة تلك الإصلاحات، وما إذا كان قد جرى حديث بشأن تفاصيلها.

ويبدو أن مشروع القانون المعروض على الكونغرس بشأن ليبيا لا يزال محل اهتمام أميركي كبير، ولم يدخل أدراج لجان الكونغرس، إذ جرى استعراض تفاصيل وتطورات هذا المشروع خلال لقاء رئيس اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابعة للجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس تيد دوتش، مع سيالة وباشاغا.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 209 من جريدة «الوسط»

على الصعيد الأمني، لا يزال وجود عناصر من تنظيم «داعش» في ليبيا موضع اهتمام أميركي بالغ، إذ استبعد مسؤول كبير بوزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) عودة نشاط التنظيم «داعش» إلى مستويات ما قبل العام 2016، بعدما فقد التنظيم ثلث مسلحيه في الغارات الجوية الأخيرة في سبتمبر الماضي.

ونقلت جريدة «ميلتري تايمز» الأميركية، عن مسؤول دفاعي أميركي رفيع المستوى، اشترط عدم كشف هويته، قوله: «إن القوات الجوية الأميركية نفذت، بين 20 و30 سبتمبر، أربع غارات جوية أسفرت عن القضاء على 43 إرهابيا من داعش». ولا يزال نحو 100 مسلح من عناصر التنظيم نشطين في ليبيا.

ومع هذا التطور في الموقف الأميركي، والتحركات الواسعة على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية، تتواصل الاشتباكات على محاور القتال في حرب العاصمة طرابلس. إذ لقي سبعة أشخاص مصرعهم وأُصيب 30 آخرون في قصف جوي لمصنع بسكويت في منطقة وادي الربيع، جنوب شرق العاصمة طرابلس، وهو الهجوم الذي اعتبره المبعوث الأممي غسان سلامة «يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب»، وأدانه الاتحاد الأوروبي.

وما بين المواقف والتحركات الأميركية المتلاحقة على مسرح الأزمة الليبية، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت هذه التطورات مقدمة لظهور أميركي أكثر وضوحا في الأزمة الليبية، أم أنها تصريحات آنية فرضها القلق الأميركي من المعلومات التي تتحدث عن وجود مرتزقة، بينما يستمر غياب التوافق الدولي حول الأزمة الليبية، مؤجلا انعقاد مؤتمر برلين المرتقب.