جريدة «الوسط»: تحضيرات «برلين» مستمرة في انتظار «الدخان الأبيض»

لم تحدد ألمانيا بعد تاريخا لانعقاد المؤتمر الدولي المرتقب حول ليبيا، الذي بات يعرف باسم «مؤتمر برلين»، لكن التحضيرات مستمرة بين الأطراف الدولية المستهدفة، تحت أفق سياسي ملبد بالغيوم، وربما دخلت هذه التحضيرات مرحلة وصفها محللون بـ«الارتباك والغموض»، وهو ما عكسته تصريحات المبعوث الأممي غسان سلامة التي وصف فيها دور مجلس الأمن في الأزمة بـ«العقم»، طارحا في الوقت نفسه معادلة صعبة أمام القوى الدولية، التي من المقرر أن تشارك في المؤتمر، وهي «ضرورة الاتفاق حول الملف الليبي دون اتخاذ القرارات بدل الليبيين».

في الوقت نفسه أثار الموقف الروسي الداعي إلى «الوقف الفوري وغير المشروط للأعمال القتالية في البلاد» أسئلة حول مستقبل هذه الدعوة في ظل الأوضاع العسكرية التي تشكلت فيما بعد الرابع من أبريل الماضي، وطرحت معادلة صعبة أخرى، ولعل ما أثار الغموض والتساؤل هنا، هو تقليل سلامة من شأن فاعلية مجلس الأمن تجاه الحالة الليبية، في وقت يجمع كثيرون من متابعي الشأن الليبي على أهمية أن يتبنى مجلس الأم مخرجات برلين المنتظرة.

وجدد سلامة، في تصريحات للإذاعة الجزائرية، انتقاده موقف مجلس الأمن من الأزمة الليبية، وعجزه بعد 14 اجتماعا عن الخروج بقرار بشأن ليبيا، داعيا الدول الكبرى إلى «ضرورة الاتفاق حول الملف الليبي دون اتخاذ القرارات بدل الليبيين»، مضيفا أن «التوافق الليبي، ولارتباطاته الخارجية، (سيخرب) بسهولة ما لم يحدث توافق دولي حول الملف»، وهو ما وضع المحللين أمام حيرة من طبيعة هذا التوافق الذي من الممكن أن يفضي إلى قرار لا يتخذ بدلا عن الليبيين!

اضغط هنا للإطلاع على العدد 208 من جريدة «الوسط»

وعلى المسار نفسه، سجلت تحركات المبعوث الأممي هذا الأسبوع لقاءين مهمين مع القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، ووزير الخارجية المصري سامح شكري، حيث تمسك الجانبان بموقفهما من تطورات الأزمة وتحضيرات برلين، ويوم الإثنين الماضي أطلع سلامة حفتر، على ما وصلت إليه المباحثات بشأن المؤتمر، كما استمع سلامة إلى وجهة نظر حفتر. وأكد حفتر «ضرورة القضاء على المجموعات الإرهابية، وتفكيك الميليشيات ونزع سلاحها، وأهمية إيجاد سلطة شرعية يرتضيها الشعب الليبي، وترتكز على أساس دستوري».

أما لقاء المبعوث الأممي مع شكري، فقد تناول محددات الموقف المصري الداعي إلى «ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في ليبيا، بما يحفظ وحدتها وسلامتها الإقليمية»، والتأكيد على «استعادة الأمن ضمن تصور شامل لتنفيذ الاستحقاقات السياسية، وصولا إلى تفعيل الإرادة الحرة للشعب الليبي الشقيق في السيطرة على موارده ومقدراته»، وفق الناطق باسم الخارجية المصرية.

ولم تسجل المواقف الداخلية لأطراف الأزمة تحركا يذكر هذا الأسبوع، بعد التصعيد الكلامي والعسكري الأسبوع الماضي، الذي جدد خلاله حفتر، تمسكه بالمضي قدما في هذه الحرب حتى «تحرير» العاصمة، فيما أكد رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، من جهته تمسكه بالمضي قدما في المواجهة، و«دحر العدوان على العاصمة»، وبدا الخطابان كخطين متوازيين لن يلتقيا.

وعلى مسار موازٍ، تستمر تحركات ألمانيا لحشد موقف دولي قبل انعقاد المؤتمر الذي يهدف إلى توحيد المواقف الدولية حول الأزمة وحشد الدعم من أجل إنهاء القتال وحث الأطراف المحلية على العودة للعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، في ظل ما تشهده ضواحي العاصمة طرابلس من مواجهات مسلحة بين القوات التابعة للقيادة العامة، والقوات التابعة لحكومة الوفاق، منذ الرابع من أبريل الماضي، التي راح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى بينهم مدنيون، فضلاً عن عشرات الآلاف من النازحين، وفق منظمات دولية.

وجاءت تصريحات الجانب الروسي بعد اتصال هاتفي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الإثنين الماضي، لتثير جدلاً جديداً حول رؤية الأطراف الدولية لشكيل حل الأزمة الليبية وعلى رأسها وقف الحرب التي تدور على التخوم الجنوبية للعاصمة طرابلس، منذ أكثر من سبعة أشهر، إذ «أيد بوتين وميركل الوقف الفوري وغير المشروط للأعمال القتالية هناك»، في حين أشاد بوتين «بجهود الوساطة الألمانية الرامية إلى استئناف الحوار الليبي وإشراك المجتمع الدولي بنشاط أكبر في البحث عن حل سلمي للمشكلة»، وحسب المتابعين للشأن الليبي فإن «الوقف الفوري وغير المشروط للأعمال القتالية هناك» قد يبدو مطلباً عاجلاً ومنطقياً على نحو ظاهر لوقف نزيف الدم الليبي، إلا أن قراراً مثل هذا يلحقه الشك والتخوف وربما الرفض من جانب حكومة الوفاق، التي لم يخفِ مسؤولوها في أكثر من مناسبة اعتبار خطوة كهذه انتصاراً لخصمهم المشير خليفة حفتر، إذا سيضمن بقاء قواته في خصر العاصمة، وفي الوقت نفسه لن يوافق الأخير على عودة قواته من حيث أتت كما يريد الطرف الآخر، لأن ذلك يعني في الواقع هزيمة عسكرية وسياسية له.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 208 من جريدة «الوسط»

وأمام هذه المعضلة، جاء الموقف الأميركي أكثر عموماً في الحديث عن وقف إطلاق النار، إذ أكد نائب رئيس البعثة الأميركية في ليبيا، جوشوا هاريس، دعم بلاده «وضع حد فوري للقتال الدائر في ليبيا، وإعادة تأسيس العملية السياسية للأمم المتحدة»، وذلك خلال مائدة مستديرة نظمتها جمعية المحامين الأميركية بدعم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وجمعت خبراء ليبيين في مجال القانون والدستور للنظر في الخيارات الممكنة لإيجاد إطار دستوري في المستقبل الليبي.

في الوقت نفسه، وعلى نحو غير مباشر، جاء التأكيد الأميركي على دعم مؤتمر برلين للخروج من الأزمة، وهو ما عبرت عنه تصريحات وزير الخارجية الألماني هاكيو ماس خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الإيطالي لويغي دي مايو، السبت، الذي قال فيه: «إن الولايات المتحدة (مهتمة للغاية) بعملية برلين»، وأضاف: «أصدقاؤنا، الولايات المتحدة، أكدوا لنا ممارسة التأثير لإنجاح عملية برلين، وسنقوم بالتنسيق». وسط هذا الارتباك السياسي والاشتباك العسكري، يبقى الجميع في انتظار ظهور الدخان الأبيض من المطبخ الذي يعد لمؤتمر برلين.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط