دعوات متصاعدة لوقف «خطاب الكراهية» ونبذ التحريض

خمسة ملايين مستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي، وصفحات نشطة تتجاوز الملايين الأربعة، بنسبة 62% من مجموع أعداد الليبيين البالغ ستة ملايين نسمة، وفق آخر تقديرات إدارة «فيسبوك». أرقام بقدر ما فيها من إيجابية استيعاب وتفاعل المجتمع الليبي مع التطور السريع الذي تشهده تكنولوجيا الاتصال والتواصل، بقدر ما تثير بعض المخاوف.

وتأتي هذه المخاوف من أن يأخذ هذا الاستخدام الملفت منحى سلبيا آخر في هذا الظرف الذي تعاني فيه البلاد أزمة حادة، أنتجت انقسامات سياسية واجتماعية، وحروبا دامية على الأرض، مما سينعكس على محتوى ما ينشره الليبيون، وتتحول بذلك المواقع إلى ساحات لحرب إلكترونية موازية، يكون السلاح المستخدم فيها والأخطر هو خطاب الكراهية المؤجج لمزيد الخلاف، وإثارة النعرات وصولا إلى التصادم والاقتتال، مثلما هو المشهد حاليا.

وقد وجد خطاب الكراهية رواجا كبيرا وخطيرا في عدد من وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، وصفحات «فيسبوك» و«تويتر»، كانت له نتائج وخيمة في تعقيد الأزمة الليبية، وفي استمرار أعمال العنف والثأر وتصفية الحسابات، إلى جانب الاصطفاف السياسي والجهوي والمناطقي، بل وصل الضرر إلى مستوى العائلات والأفراد.

ويسجل قاموس خطاب الكراهية مزيدا من المفردات والتوصيفات والنعوت، التي تكرس هذا الخطاب ليصبح أحد الأسلحة الفتاكة في حروب الليبيين ضد أنفسهم، والأخطر هو الآثار التي سيخلفها هذا الخطاب، بمعنى أنه سيسبب أو تسبب بالفعل في إحداث شرخ ليس بالبسيط في نسيج المجتمع، ربما احتاج إلى وقت طويل ليلتئم.

وفي سياق جهود التصدي لخطاب الكراهية والتعريف بأخطاره، نظم المكتب الإعلامي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ورشة عمل، بأحد فنادق القاهرة، الإثنين، تحت عنوان «أخلاقيات العمل الصحفي وخطاب الكراهية»، بمشاركة مجموعة من الإعلاميين ونشطاء على صفحات التواصل الاجتماعي الليبية، وكانت سبقتها في طرابلس ندوة نقاشية في السياق نفسه.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 207 من جريدة «الوسط»

ورشة القاهرة التي استغرقت يومين (3-4 نوفمبر)، تمحورت حول الانتشار الملفت لخطاب الكراهية في عدد من وسائل الإعلام، وصفحات التواصل الاجتماعي الليبية، وكيفية الحد من هذا الخطاب، مع عدم الإخلال بحرية التعبير ومبادئ حقوق الإنسان.

وتوصل المشاركون في ورشة العمل إلى جملة من المقترحات والتوصيات، التي تتعلق بتحديد معايير خطاب الكراهية وسبل الحد من هذا الخطاب، عبر الالتزام بالضوابط الأخلاقية للنشر، والتوعية بمخاطر وتبعات رواج خطاب الكراهية، وتأكيد أهمية وجود تشريعات، وآليات رصد المحتوى الإلكتروني، وتحديدا في ما يتعلق بمفردات ذلك الخطاب.

وشدد رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، غسان سلامة، في مداخلة له عن طريق برنامج (سكايب) خلال الجلسة الختامية، على أهمية محاربة خطاب الكراهية لما يشكله من خطر على السلم الاجتماعي، لافتا إلى أن المهم أيضا هو محاربة الكراهية في الأساس، الناتجة عن «مخزون دفين من العواطف السلبية، داخل النفوس، مما يتطلب تطهير القلوب من بذورها».

وقال سلامة إنه آن الأوان لتحقيق نوع من التوازن بين العواطف السلبية والإيجابية، مشيرا إلى أهمية الحوار كنوع من الصراع من أجل قبول الآخر، وليس بديلا عن الحرب، كما هو معروف في العموم. مضيفا أن «الحاجة ملحة إلى خطاب متوازن في مواجهة الخطاب الآخر، بمزيد من العقلانية».

وحذر المبعوث الأممي من التعاطي مع المعلومات غير الصحيحة «شديدة الانتشار»، واصفا إياها بـ«المشكلة الخطيرة للغاية»، داعيا إلى تمحيص الأخبار والمعلومات والتحقق من صحتها، من مصادرها، قبل نشرها وترويجها.

أما ندوة طرابلس التي انعقدت في سبتمبر الماضي، فقد خرج المشاركون فيها من إعلاميين ونشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي بـ16 توصية «تمثل مبادئ أساسية، من أجل الحد من خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي، وترويج الشائعات، وتمثل الغاية الفضلى تجنيب البلاد مزيدا من التشرذم والانقسام، بسبب التأثير السلبي لخطاب الكراهية الحاد والتحريض على النسيج الاجتماعي في ليبيا».
تحذير أممي

وأمام خطاب الكراهية المتزايد، صار ظاهرة مقلقة على مستوى العالم، أدت إلى أعمال عنف استهدفت في ما استهدفته أماكن عبادة إسلامية ومسيحية ويهودية، إلى جانب جرائم عنصرية، وحملات تحريض ضد المهاجرين، نشر السكرتير العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، في يونيو الماضي، تحت عنوان: «خطاب الكراهية نار سارية في الهشيم».

وقال غوتيريس في مقاله إن الكراهية تجتاح جميع أنحاء العالم في مسيرة زاحفة. وأشار إلى عدة حوادث في الأشهر الأخيرة، قائلا: «في الأشهر الأخيرة، لقي مصلون يهود مصرعهم في المعابد، وشوهت شواهد قبور يهودية برموز الصليب المعقوف؛ وقتل مسلمون في المساجد برصاص حصد أرواحهم وخربت مواقعهم الدينية؛ وأزهقت أرواح مسيحيين وهم مستغرقون في صلواتهم وأحرقت كنائسهم».

وذكر الأمين العام للأمم المتحدة أنه «في حين تنتشر الكراهية كالنار في الهشيم، يستغل المتعصبون وسائل التواصل الاجتماعي لبث سمومهم. وتتنامى حركات النازيين الجدد والمؤمنين بتفوق العرق الأبيض، ويتحول الخطاب المؤجج للمشاعر إلى سلاح لتحقيق مكاسب سياسية».

وأضاف أن «التصدي لخطاب الكراهية لا يعني تقييد حرية التعبير أو حظرها. بل هو يعني منع تصعيد خطاب الكراهية، بحيث يتحول إلى ما هو أشد خطورة، خصوصا إذا بلغ مستوى التحريض على التمييز والعدوانية والعنف، وهو أمر يحظره القانون الدولي (..) وعلى الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص ووسائل الإعلام جميعا أدوار مهمة ينبغي القيام بها. كما تتحمل القيادات السياسية والدينية مسؤولية خاصة عن تشجيع التعايش السلمي».

تقارير دولية
الأمر لم يقتصر على تحذيرات وتنبيهات المنظمة الأممية وحدها، فقد كشفت مؤسسة «سكاي لاين الدولية»، ومقرها استوكهولم، في أبريل الماضي، عن تصاعد خطاب الكراهية.

ومؤسسة «سكاي لاين الدولية»، تم تأسيسها في العام 2017، بمبادرة من قبل مجموعة من الحقوقيين والصحفيين والمهتمين. وذلك بعد ازدياد كبير في انتهاكات مست حقوق مواطنين ونشطاء ومؤسسات، على أثر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط ودول شمال أفريقيا.

المؤسسة الدولية قالت في تقرير مطول لها إن خطاب التحريض والكراهية في الإعلام العربي، استمر وتصاعد خلال شهر أبريل 2019، بمختلف وسائله الإعلامية والمرئية والمسموعة، إضافة إلى تنامي الخطاب في وسائل التواصل الاجتماعي.

وركز التقرير على بعض الوسائل الإعلامية في اليمن وفلسطين ومصر والجزائر ولبنان والخليج والعراق. وتسعى «سكاي لاين الدولية» في تقاريرها إلى تسليط الضوء على لغة الكراهية وخطاب التحريض، من أجل مواجهة هذه الثقافة واللغة في الخطاب الإعلامي والدفاع عن أخلاقيات مهنة الصحافة وعن صورة الصحفيين والحفاظ على الإعلام كوسيلة بناءة في خدمة مجتمعاته، لا وسيلة لنشر التحريض والكراهية والضغينة داخل الشعوب وخارجها.

وشدد التقرير على أهمية توعية الصحفيين بمسؤوليتهم تجاه خطورة إنتاج خطاب إعلامي مبني على الكراهية والتحريض، من خلال نقلهم الأحداث أو نقل خطابات كراهية تصدر على لسان جهات معينة. كما قالت المؤسسة في تقريرها إنه «يجب على الصحفيين العمل على الدفاع عن شرف المهنة وأخلاقياتها ورفضهم استخدام كل المصطلحات التي تدعو إلى الحقد والكراهية في المجتمع العربي».

«إعلان ويندهوك»
كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلنت بموجب قرارها 48/432 المؤرخ 20 ديسمبر 1993، يوم 3 مايو يوما عالميا لحرية الصحافة. ومنذ ذلك الحين يحتفل في هذا اليوم في كل عام بالذكرى السنوية لـ«إعلان ويندهوك».

وتدعو وثيقة الإعلان إلى وسائل إعلام مستقلة وحرة وقائمة على التعددية في جميع أنحاء العالم، معتبرة أن الصحافة الحرة أمر لا غنى عنه لتحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 207 من جريدة «الوسط»

ويعتبر «إعلان ويندهوك» بيان مبادئ أساسية لحرية الصحافة كما وضعها الصحفيون في أفريقيا خلال حلقة اليونسكو الدراسية عن موضوع «تعزيز استقلالية وتعددية الصحافة الأفريقية» في ويندهوك، بناميبيا، في الفترة من 29 أبريل إلى 3 مايو 19991. وقد لاقى «إعلان ويندهوك» تأييد المؤتمر العام لليونسكو في دورته السادسة والعشرين (1991).

خطة الرباط
وفي العام 2011 نظمت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، سلسلة من حلقات عمل الخبراء، في مختلف مناطق العالم حول التحريض على الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وحسب ورقة منشورة، حول تلك الحلقات تحت عنوان: «خطة عمل الرباط بشأن حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف»، فقد بحث المشاركون القضية من مختلف مناطق العمل، كما ناقشوا السبل الإستراتيجية للتصدي للتحريض على الكراهية، سواء أكانت ذات طبيعة قانونية أم غير ذلك.

وانتهت تلك الحلقات إلى حزمة توصيات، أبرزها: يجب أن تزيد الدول من الاهتمام الكلي بمحاربة الآراء المسبقة السلبية، والتمييز ضد الأفراد، والجماعات على أساس الانتماء القومي أو الأصل العرقي أو الدين أو المعتقد.

كما دعت الدول إلى تعزيز التفاهم بين الثقافات، ورفع قدرات قوات الأمن وموظفي إنفاذ القانون، وتوعيتهم بشأن المسائل المتعلقة بحظر التحريض على الكراهية، وكذلك دراسة إنشاء هيئات معنية بالمساواة، أو تعزيز هذه المهمة في إطار المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، مع العمل على إنشاء الآليات والمؤسسات الضرورية لجمع المعلومات بشكل منهجي حول خطاب وجرائم الكراهية.

المزيد من بوابة الوسط