صراع «فرنسي - روسي» على «كعكة الإعمار» في ليبيا

ارتفعت وتيرة الصراع البارد بين فرنسا وروسيا على خلفية صفقات إعادة الإعمار في ليبيا التي تقدر بنحو 200 مليار دولار، وذلك تحت غطاء منتدى أفريقيا الذي ينظمه البلدان خلال أكتوبر، حيث دعي إليهما مسؤولون ليبيون، وهو أمر يثير تساؤلات عن أهدافهما في سياق حضور المصالح الاقتصادية لروسيا وفرنسا في البلاد.

واختارت فرنسا تنظيم منتدى «طموح أفريقيا 2019» في باريس يومي 30 و31 أكتوبر الحالي بتوجيه الدعوة للمتعاملين الاقتصاديين الليبيين بمواعيد متقاربة مع فعاليات «المنتدى الروسي الأفريقي» الأول من نوعه في مدينة سوتشي الروسية يومي 23 و24 أكتوبر، بمشاركة عديد من المسؤولين ورؤساء الدول والحكومات الأفريقية بما فيهم المجلس الرئاسي، مما يوحي برغبة فرنسية في محو إستراتيجية روسيا لغزو السوق الليبية والأفريقية والاستثمار في مشروعات التعدين والطاقة، وضمان فرصتها في حصة مشاريع إعادة إعمار ليبيا مستقبلا.

وتقدر ثروات ليبيا الاحتياطية من النفط بـ48 مليار برميل، فضلا عن ثروات معدنية ومنجمية، بينما تحتل المرتبة الرابعة عربيا في احتياطي الذهب. وبحضور رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، الذي تواصل معه الكرملين قبيل القمة الروسية الأفريقية، فإن اهتمام الرئيس، فلاديمير بوتين، بدعوة الليبيين تعكس رغبة في استعادة السيطرة على قطاع المحروقات واحتكار عقود إعادة بناء ليبيا التي دمرتها الحرب، والتي تقدر بمئات المليارات مع ضمان تسويق معداته العسكرية.

للاطلاع على العدد (205) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ولا تخفي واشنطن توجسها من الحضور الاقتصادي الروسي في ليبيا بل إنها تخطط في إستراتيجية لمواجهة نفوذ موسكو، وحسب مشروع «قانون تحقيق الاستقرار في ليبيا» الذي قدمه عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي يوم 11 أكتوبر الماضي، فقد نقل شهادة قائد قيادة أفريقيا الأميركية، الجنرال توماس فالدهاوسر، حين أكد أن روسيا كانت «تستحضر العلاقات والديون في عهد القذافي للحصول على العقود الاقتصادية والعسكرية.. تهدف إلى الوصول إلى سوق النفط الكبيرة في ليبيا، وإنعاش مبيعات الأسلحة، والوصول إلى المناطق الساحلية».

واعتبر أعضاء الكونغرس في تقريرهم أن مشاركة روسيا في ليبيا والبلدان المجاورة تعد جزءًا من إستراتيجية إقليمية أكبر لمراقبة الساحل الجنوبي لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعزل أوروبا عن أفريقيا، وممارسة سيطرتها على منطقة البحر الأبيض المتوسط الجنوبية. بينما كلف بتقييم استخدام روسيا لإصدار وطباعة العملات في ليبيا.

ويرتبط الصراع الدولي في ليبيا بالصراع على كامل المنطقة الأفريقية، وهو ما أظهرته حادثة إلغاء عقد قبل سنوات فازت به فرنسا العام 2010 من خلال شركة «توتال» الفرنسية، لاستثمار الغاز بحوض نالوت، حيث تتحدث تقارير دولية أنه يحوي على مخزون من الغاز يكفي أوروبا لمدة ثلاثين عاما.

وتقاسم باريس واشنطن في نظرتها إلى النفوذ الروسي والصيني المتعاظم في ليبيا وبمستعمراتها السابقة في أفريقيا، جعلها تحضر لتنظيم منتدى «طموح أفريقيا 2019» الأسبوع القادم في باريس، الذي يمثل الحدث الأهم لمجتمع الأعمال التجارية بين أفريقيا وفرنسا، حيث دعت السفارة الفرنسية الشركات الليبية لحضوره حيث يشارك فيه وزراء وسفراء ووفود مؤسسات من مجمل القارة.

وتلتزم فرنسا وروسيا بدعم الجناح السياسي ذاته في ليبيا منذ سنوات، مما يرفع من مستوى التنافس بينهما على الاستفادة بأفضلية تجارية مستقبلا، إذ إن اتفاقات معلقة أو ما زالت قيد التفاوض في مجالات النفط والملاحة الجوية.

للاطلاع على العدد (205) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وينصب التحرك الفرنسي لتأمين مصالحها على الجنوب الليبي بشكل كبير، لكن ذلك لا يجعلها تتغاضى عن غرب وشرق البلاد، ففي بداية العام 2017 وقعت شركة «توتال» الفرنسية ثلاثة عقود جديدة على الأقل، وضخ استثمارات بقيمة 450 مليون دولار في الحقول الليبية. كما حصلت في العام 2018، على حصة شركة «ماراثون أويل» الأميركية بشركة «الواحة».

وتسعى إدارة الرئيس ماكرون إلى تحقيق نصيب كبير في الاستثمارات بليبيا، لا سيما أن تقديرات اتحاد أرباب العمل الفرنسي «ميداف» تشير إلى تكلفة إعادة إعمار البلاد بنحو 200 مليار دولار على الأقل على مدى عشر سنوات، وهو رقم قدره أيضا البنك الدولي مطلع العام 2019.

وعلى العكس خسرت روسيا صفقات لتصدير الأسلحة إلى ليبيا بمليارات الدولارات، بعد قرار مجلس الأمن الدولي حظر تصدير الأسلحة، كما تعطلت استثمارات «غاز بروم» في استكشاف واستخراج النفط، كما وقعت شركة السكك الحديدية الروسية في 2008 عقدا بقيمة 2.2 مليار يورو، لمد خط حديدي سريع بين مدينتي سرت وبنغازي بطول 550 كلم.

المزيد من بوابة الوسط