جريدة «الوسط»: وفد اقتصادي في واشنطن وآخر في روسيا

مع تجاوز حرب العاصمة الـ200 يوم من المعارك والتشدد السياسي بين طرفي الأزمة، كان التطور اللافت هو تراجع وتيرة الحديث عن مؤتمر برلين لحل الأزمة الليبية، في مقابل تداخل أطراف دولية في حوارات اتخذت منحى اقتصاديا أو ربما صفقات من تحت الطاولة، مما غذى تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت تلك الصفقات قادرة على بلوغ ما أخفقت فيه كواليس السياسة الدولية بشأن ليبيا.

واشنطن سجلت المعلم الأبرز في سباق الاقتصاد على المسار الليبي هذا الأسبوع، تزامنا مع انعقاد اجتماعات الخريف لكل من صندوق النقد والبنك الدوليين، إذ زار محافظ المصرف المركزي في طرابلس، الصديق الكبير، ورئيس مؤسسة النفط مصطفى صنع الله العاصمة الأميركية حاليا لحضور الاجتماعات، في حين تقول مصادر مطلعة لـ«الوسط» إن ملامح شراكة ليبية–أميركية في مجال الطاقة تلوح في الأفق، لكن لم تتكشف تفاصيلها على نحو كامل.

وأكد هذه الأنباء المباحثات التي أجراها الكبير مع مسؤولين أميركيين، الثلاثاء الماضي، وتناولت دعم وتطوير قطاع النفط في ليبيا وزيادة معدلات الإنتاج في إطار خطة خماسية 2020-2024 وتوفير الموارد المالية اللازمة، وهي المحادثات التي حضرها مساعدو وزراء الخارجية والخزانة والطاقة الأميركيون، ووزيرا التخطيط والمالية الليبيان، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط، والسفير الأميركي لدى ليبيا، وممثلون عن صندوق النقد والبنك الدوليين، وخلال الاجتماع عرض الكبير لمحة عن الأوضاع الاقتصادية والمالية وأهم النتائج المتحققة والخطوات المطلوبة لتعزيز جهود المصرف المركزي والمجلس الرئاسي بالخصوص، كما تم وضع آلية وإطار لتعزيز الشفافية في نشر البيانات.

للاطلاع على العدد (205) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

كما حرص صنع الله على عرض خطط مؤسسة النفط أمام بيوت التفكير الأميركية، التي من المعلوم قوة تأثيرها على مراكز صنع القرار الأميركي، إذ كانت دعوته في كلمة ألقاها بالمجلس الأطلسي في واشنطن، الجمعة الماضي، إلى ضرورة تطوير برنامج مدروس للتحول الاقتصادي في ليبيا إلى جانب العملية السياسية؛ لوضع حد للمنافسة على الثروة النفطية الليبية، محذرا من خطر مزاحمة قطاع النفط القطاعات الاقتصادية الأخرى. كما أعاد التأكيد على المعنى نفسه في كلمة ألقاها بجامعة «جورج تاون» بالعاصمة الأميركية واشنطن، إذ أكد ضرورة تضافر الجهود لتحقيق العدالة الاقتصادية في ليبيا، مشددا على الحاجة إلى القيام بإصلاحات اقتصادية واتخاذ كل التدابير اللازمة لتكريس مبدأ الشفافية في مختلف المؤسسات الحكومية.

ويقول متابعون للشأن الليبي إن واشنطن لا تخفي توجسها من الحضور الاقتصادي الروسي في ليبيا، بل إنها تخطط في إستراتيجية لمواجهة نفوذ موسكو، حسب مشروع «قانون تحقيق الاستقرار في ليبيا» الذي قدمه عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي يوم 11 أكتوبر الماضي، فقد نقلوا شهادة قائد قيادة أفريكوم الأميركية، الجنرال توماس فالدهاوسر، حين أكد أن روسيا كانت «تستحضر العلاقات والديون في عهد القذافي للحصول على العقود الاقتصادية والعسكرية وتهدف إلى الوصول إلى سوق النفط الكبيرة في ليبيا، وإنعاش مبيعات الأسلحة، والوصول إلى المناطق الساحلية». واعتبر أعضاء الكونغرس في تقريرهم أن مشاركة روسيا في ليبيا والبلدان المجاورة تعد جزءاً من إستراتيجية إقليمية أكبر لمراقبة الساحل الجنوبي لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعزل أوروبا عن أفريقيا، وممارسة سيطرتها على منطقة البحر الأبيض المتوسط الجنوبية، بينما كلف بتقييم استخدام روسيا لإصدار وطباعة العملات في ليبيا.

ولم تكن الولايات المتحدة وحدها مركزا لهذه الحوارات الاقتصادية، إذ ارتفعت وتيرة الصراع البارد بين فرنسا وروسيا على خلفية صفقات إعادة الإعمار في ليبيا، التي تقدر بنحو 200 مليار دولار، وذلك تحت غطاء منتدى أفريقيا الذي ينظمه البلدان خلال أكتوبر، حيث دُعي إليه مسؤولون ليبيون وهو أمر يثير تساؤلات عن أهدافهما في سياق حضور المصالح الاقتصادية لروسيا وفرنسا في البلاد.
واختارت فرنسا تنظيم منتدى «طموح أفريقيا 2019» في باريس يومي 30 و31 أكتوبر الحالي بتوجيه الدعوة للمتعاملين الاقتصاديين الليبيين بمواعيد متقاربة مع فعاليات «المنتدى الروسي الأفريقي» الأول من نوعه في مدينة سوتشي الروسية بمشاركة عديد المسؤولين ورؤساء الدول والحكومات الأفريقية بمن فيهم المجلس الرئاسي، مما يوحي برغبة فرنسية في محو إستراتيجية روسيا لغزو السوق الليبية والأفريقية والاستثمار في مشروعات التعدين والطاقة، وضمان فرصتها في حصة مشاريع إعادة إعمار ليبيا مستقبلا.

للاطلاع على العدد (205) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويرتبط الصراع الدولي في ليبيا بالصراع على كامل المنطقة الأفريقية وهو ما أظهرته حادثة إلغاء عقد قبل سنوات فازت به فرنسا العام 2010 من خلال شركة «توتال» الفرنسية، لاستثمار الغاز بحوض نالوت، حيث تتحدث تقارير دولية أنه يحوي على مخزون من الغاز يكفي أوروبا لمدة ثلاثين عاماً.

وتسعى إدارة الرئيس ماكرون إلى تحقيق نصيب كبير في الاستثمارات بليبيا، لا سيما أن تقديرات اتحاد أرباب العمل الفرنسي «ميداف» تشير إلى تكلفة إعادة إعمار البلاد بنحو 200 مليار دولار على الأقل على مدى عشر سنوات، وهو رقم قدره أيضا البنك الدولي مطلع العام 2019.

وعلى العكس خسرت روسيا صفقات لتصدير الأسلحة إلى ليبيا بمليارات الدولارات بعد قرار مجلس الأمن الدولي حظر تصدير الأسلحة، كما تعطلت استثمارات «غازبروم» في استكشاف واستخراج النفط. كما وقعت شركتا السكك الحديدية الروسية في 2008 عقدا بقيمة 2.2 مليار يورو، لمد خط حديدي سريع بين مدينتي سرت وبنغازي بطول 550 كلم.

ومع هذا الاشتباك الاقتصادي الذي بدأت تظهر ملامحه تباعا، وعلى نحو متفرق، يبقى التساؤل قائما حول ما إذا كان الاقتصاد سيفلح فيما فشلت فيه السياسة، ويكون عملا حاسما في حلحلة الأزمة الليبية؟ وهل سيكون الخروج من الأزمة الليبية بصفقة كبرى يجري طبخها بين أطراف تغذي الحرب سرا وتدينها علنا؟

المزيد من بوابة الوسط