فلول «داعش» الفارون من سورية شبح يفاقم الصراع الليبي

يقوض بطء عقد مؤتمر دولي آخر حول ليبيا في ألمانيا إلى نهاية العام، ومراوحة حرب العاصمة مكانها بدخولها مرحلة استنزاف، الجهود الأممية والليبية المشتركة لإبعاد شبح نزوح عناصر «داعش» سورية إلى ليبيا في أعقاب التحذير الروسي.

وتضع دوائر رسمية غربية في الحسبان لجوء قسم من إرهابيي داعش سورية، الذين حررتهم العملية التركية في شمال البلاد من سجون الأكراد، إلى ليبيا، في حين سيقع الباقون في قبضة السلطات التركية أو القوات النظامية السورية والأكراد السوريين خصوصا أن تقديرات مراكز الأبحاث تقدر عدد المرتبطين بالتنظيم الدموي بـ12000 مقاتل، ومن ضمنهم 4000 أجنبي. قد يبحث هؤلاء عن ملاذ آمن في ليبيا، خصوصا في جنوبها، في ظل غياب أجهزة الدولة.

خلافات
بعد الحملة العسكرية التركية في شمال سورية، حذر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، علنا من أن ليبيا تواجه خطر التحول إلى قاعدة رئيسية للإرهابيين في شمال أفريقيا، إذا ما طال أمد الحرب مع ما يترتب عليها من انهيار مؤسسات الدولة وانتشار السلاح وتكاثر الجماعات الخارجة عن القانون، داخل ليبيا وفي المنطقة برمتها.

وبينما ترتفع مخاطر تسلل عدد من فلول «داعش» إلى الأراضي الليبية، كثف الأميركيون من توجيه الضربات الجوية لعناصر مسلحة في ليبيا. مع تركيزها على الجنوب الليبي لجعله منطقة غير آمنة للجماعات الإرهابية.

للاطلاع على العدد (205) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ومن هذه الزاوية، عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتحميل مجلس الأمن مسؤولية «ارتكاب مخالفة بمصادقته على قرار منع الزعيم الليبي السابق معمر القذافي من استخدام الطيران ضد المنتفضين، دون أن يمنعه على أطراف أخرى»، مضيفا: «شركاؤنا الغربيون خدعونا في هذه الحالة».

وجاءت تصريحات بوتين متزامنة مع الحشد لمؤتمر دولي تستضيفه ألمانيا، حيث قام بوتين بإجراء محادثة هاتفية مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، كان أحد محاورها تطورات الأوضاع في ليبيا، كما حضر الملف خلال زيارته السعودية والإمارات.

لكن التحركات الروسية المكوكية حول ليبيا أغضبت الكونغرس الأميركي الذي تساءل حول تداعيات الوجود الروسي الآن، وعلاقته بحرب طرابلس، ومؤتمر برلين القادم.

ففي محاولة لتحجيم النفوذ الروسي قدم عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي مشروعا يدعو إلى وضع إستراتيجية لمواجهة نفوذ بوتين في ليبيا، مع فرض عقوبات على من يدعمون التدخل العسكري الروسي فيها.

وتؤثر الخلافات الأميركية الروسية في الملف الليبي على وقف إطلاق النار والانخراط في المساعي التي تقودها الدبلوماسية الألمانية، منذ بضعة أشهر، نحو عقد مؤتمر دولي والتي تتقدم ببطء، مما يطيل من أمد الصراع وتكبيد حرب الاستنزاف حصيلة دامية وتداعيات خطيرة على المدى القريب.

ووفق هذا المنظور فإن تجاذبات مواقف الأطراف الدولية المتدخلة في الأزمة الليبية، وانقسام الليبيين أكثر من أي وقت آخر، لا يقدم أي مؤشرات على نجاح الأمم المتحدة في عقد مبادرتها، لا سيما أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، يأمل أن يسفر مؤتمر برلين عن قرار يصدره مجلس الأمن يكون ملزما للقوى الكبرى، من أجل وقف حرب بالوكالة، مع وضع آلية سريعة لتنفيذ الحظر المفروض على إرسال الأسلحة إلى ليبيا. وفي المقابل لا تملك الأمم المتحدة القدرة على إلزام الأطراف الأجنبية المؤثرة في النزاع، بالكف عن تسليح أحد الفريقين.

كما أنه لو تم تبني خيار وقف إطلاق النار، ستتفجر خلافات أخرى حيال المواقع التي ينبغي أن يقف عندها فريق رئيس المجلس الرئاسي أو القيادة العامة للجيش الوطني، وهي من الإشكالات الكبرى في الفترة القريبة المقبلة.

مشهد مرتبك
وضمن مشهد مرتبك يهمش محاولات دول الجوار والاتحاد الأفريقي المشاركة في المساعي الرامية لإعادة الاستقرار إلى ليبيا، أبدت أطراف ليبية تفاؤلا بتصريحات الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد الذي تسلم مقاليد الحكم قبل أيام، من أنه سوف يجعل الملف الليبي على رأس الأولويات في سياسته الخارجية بالنظر للارتباط الوثيق بين تونس وليبيا.

ويأتي كل ذلك بموازاة احتضان العاصمة المصرية القاهرة الاجتماع الثاني لوفود من أعضاء مجلس النواب الليبي، الذي جاء من أهم بنوده الختامية رفض حضور أي طرف للمؤتمرات الدولية حول ليبيا لا صفة له، ومضاعفة جهود البحث عن حل للأزمة إلى جانب حشد مزيد من المواقف لبلوغ توافق محلي من أجل إجراء الانتخابات العامة.

وفي السياق نفسه، صاغت الدول الأفريقية الثلاث: جنوب أفريقيا وساحل العاج وغينيا الاستوائية بيانا مقترحا لمجلس الأمن لم يصدر في أعقاب إجهاض مساع لها لتعيين مبعوث أممي مشترك.

وفقا لنسخة المسودة تعرب عن «قلقها العميق إزاء الوضع الأمني في ليبيا وخطر التصعيد العسكري الخطير». كما يدعو إلى الامتثال لحظر الأسلحة ويدين «التدخلات الخارجية المستمرة التي تؤدي إلى تفاقم الوضع المتفجر بالفعل على الأرض».

وتقول مسودة البيان كذلك إن الوضع في ليبيا «له تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي والأفريقي» ويقر بالحاجة إلى تعزيز التعاون بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة «في البحث عن حل سياسي دائم للأزمة في ليبيا».

للاطلاع على العدد (205) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفي السياق قال رئيس مؤسسة «برازافيل»، المهتمة بالشأن الليبي، جان إيف أوليفييه إن هذا الصراع «لم يعد يهم ليبيا فقط بل إن لعبة القوى العظمى تغذي النزاع».

وقال أوليفييه -وهو تاجر سلاح أيضا- في مقابلة مع جريدة «ليزيكو» الفرنسية، الثلاثاء، إن عديدا من الدول متورطة في هذه الأزمة لأن هناك جانبا آخر هو الاقتصاد، إذ إن «ليبيا ستكون أكبر موقع اقتصادي في العالم عندما يستقر السلام. ستضاعف إنتاجها من النفط ، ولديها حقول غاز واحتياطات مالية». ويذهب جان إيف أوليفييه إلى حد بعيد ليذكر رقم «250 مليار دولار تم حجبها في البنوك الأميركية وهي صناديق تابعة للقذافي».

ولإيجاد حل لهذه الأزمة، يقول: «يجب علينا الخروج من التأثيرات الدولية لكن القوى الكبرى ترفض التخلي عن تدخلها في ليبيا، خصوصا فرنسا، التي نظمت مؤتمرات دون جدوى».

ومع ذلك، فإن الاتحاد الأفريقي وحده لديه القدرة على إنشاء حوار بين الليبيين كما ثبت في السودان عن طريق إرسال مندوب عام كمفاوض، يؤكد جان إيف أوليفييه الذي يشكك في قدرات ومبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة لحل هذا الصراع.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط