انتظارا لمحطة برلين.. 3 رسائل مهمة في اجتماعات نيويورك

مع قرب دخول الشهر السابع من حرب العاصمة طرابلس، كانت اجتماعات الدورة الـ174 للجمعية العامة للأمم المتحدة فرصة مهمة لسلسلة لقاءات ومشاورات مكثفة بين أطراف دولية وإقليمية حول الأزمة الليبية. وحسب مراقبين فقد أظهرت محصلة هذه المشاورات -وعلى نحو واضح- توافقا على ضرورة بلورة موقف أوروبي محدد بشأن الأوضاع في ليبيا، مع أهمية خلق الظروف المناسبة لوقف إطلاق النار، ومن ثم العودة إلى العملية السياسية الشمولية، لكنها أظهرت في المقابلتباينا بين طرفي الصراع الداخلي اللذين يتمسكان بموقفيهما حيال الأزمة، وذلك وسط مساع ألمانية لاستضافة مؤتمر حول ليبيا هذا العام بالتعاون مع الأمم المتحدة لإعادة الاستقرار.

الاتحاد الأوروبي، وعلى هامش الاجتماعات، أكد ضرورة وجود موقف أوروبي موحد تجاه الأزمة، وذلك قبل لقاء فرنسا وإيطاليا حول ليبيا، الخميس الماضي، الذي يراهن المحللون على أن يكون بداية النهاية للخلافات الأوروبية–الأوروبية بشأن الملف الليبي، وخلال اجتماع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الثلاثاء، مع فريدريكا موغريني، الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية، في نيويورك، ذكرت رئاسة المجلس في بيان أن «الجانبين اتفقا على أهمية وجود موقف أوروبي موحد تجاه الأزمة الليبية»، كما كان تأكيد رئيس الوزراء البلجيكي، شارل ميشيل، خلال اجتماع مع السراج، الأربعاء، على أهمية أن يتحد الموقف الأوروبي وأن يعتمد رؤية موحدة لحل الأزمة.

طالع العدد 201 من جريدة «الوسط»

لكن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، أعطى مقاربة أوسع لهذه الرؤية الموحدة بدعوته إلى «موقف موحد من المجتمع الدولي لإنهاء الحرب»، وذلك خلال لقاء مع السراج، الأربعاء، في الوقت الذي أعرب عن «قلقه من التدخلات الخارجية التي تزيد من تفاقم الأزمة».

ويقول محللون إن الحديث عن تهيئة الظروف المناسبة لوقف إطلاق النار والعودة إلى العملية السياسية أصبح أكثر وضوحا خلال هذه المشاورات، إذ سجلت واشنطن موقفا داعما لهذه الرؤية، بالحديث عن دعم «إنشاء ظروف مناسبة» لوقف إطلاق النار والعودة إلى العملية السياسية الشمولية في ليبيا، وذلك في تصريحات الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، مورغان أورتاغوس، عقب اجتماع رئيس المجلس الرئاسي مع مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية، دايفد هيل، على هامش اجتماعات الجمعية العامة.

أما إيطاليا فقد استبقت لقاء رئيس الوزراء، جوزيبي كونتي، مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بالدعوة إلى ضرورة أن تكون العملية السياسية في ليبيا مصحوبة «بآلية مراقبة وتنفيذ تدابير بناء الثقة»، وفق تصريحات صادرة عن وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو، عقب مشاركته في اجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما أعاد كونتي تأكيد هذا المعنى في كلمته أمام الجمعية العامة، الثلاثاء، إذ دعا إلى «تطبيق وقف إطلاق نار في ليبيا ذي مصداقية من أجل إعادة بدء حوار سياسي شامل بين أطراف الأزمة في البلاد»، مشددا على ضرورة دعم جهود الأمم المتحدة في هذا الشأن.

طالع العدد 201 من جريدة «الوسط»

في هذه الأثناء، أظهرت اجتماعات المحفل الأممي استمرار خلافات الأطراف الداخلية في المشهد، إذ جاءت كلمة رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، أمام الجمعية العامة رفضا للطرف الآخر كشريك في العملية السياسية المقبلة، وظهر ذلك بوضوح في قوله: «لن نجلس مجددا مع حفتر، فهو ليس شريكا للسلام، ولا مكان في الحوار لمن يسعى لعسكرة الدولة»، حسب تعبيره. في الوقت نفسه أعاد التأكيد أن «مسألة الحوار والعودة إلى المسار السياسي، يجب أن تكون وفق آليات جديدة، وأن تأخذ في الاعتبار المعطيات التي أفرزها الاعتداء بعد الرابع من أبريل». ورأى أن «الوقت حان ليمثل المنطقة الشرقية نخبة من المفكرين والسياسيين والفعاليات الاجتماعية، لتسهم مع ممثلي المناطق الأخرى في مسار الحل السياسي التوافقي».

في المقابل، رأت القيادة العامة للجيش، أنه لا مجال أمام الحوار «ما دامت المجموعات الإرهابية والميليشيات المسلحة تسيطر على مقاليد ومناحي الحياة في طرابلس» رغم أنها أكدت أن الحوار هو «الضامن الوحيد لوحدة البلاد وتوحيد مؤسساتها». وقالت القيادة العامة في بيان، أصدرته الأربعاء، إنها ترحب باجتماع وزراء خارجية الدول المعنية بليبيا في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي سيعقد، اليوم الخميس، آملة أن يكون الاجتماع «إيجابيا» ويتبنى مقترحات تخدم مصالح ليبيا وتكون باتجاه تحقيق الأمن والاستقرار.

أما على صعيد دول الجوار، فقد أجرى الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، سلسلة مشاورات كانت الأزمة الليبية في مقدمة بنود أجندتها، إذ أجرى الأربعاء مباحثات مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، حول مستجدات الأوضاع في ليبيا، وأشار الرئيس المصري خلال اللقاء إلى ضرورة «أن تراعي الحلول السياسية توفير الاستقرار والأمن للشعب الليبي، والقضاء على الإرهاب».

طالع العدد 201 من جريدة «الوسط»

كذلك أظهر لقاء السيسي مع نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، توافقا في وجهات نظر الرئيسين حول «أهمية تكثيف العمل المشترك والجهود الدولية سعيا للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة»، حسب بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

السيسي، وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعاد تأكيد المواقف المصرية من الأزمة الليبية، داعيا إلى «وقفة حاسمة، تعالج جذور المشكلة الليبية بشكل شامل، من خلال الالتزام بالتطبيق الكامل لجميع عناصر خطة الأمم المتحدة، التي اعتمدها مجلس الأمن في أكتوبر 2017». وأعاد التذكير بضرورة «معالجة الخلل الفادح في توزيع الثروة والسلطة، وغياب الرقابة الشعبية»، مؤكدا «ضرورة توحيد المؤسسات الوطنية كافة، والنأي بهذا الجار الشقيق عن فوضى الميليشيات، والاستقواء بأطراف خارجية دخيلة».

إقليميا، كان لقاء السراج مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الأربعاء، حيث جدد الأخير دعم بلاده حكومة الوفاق، وموقف الرئيس الثابت دفاعا عن العاصمة طرابلس وعن مدنية الدولة. وقال: «نحن ندعم بكل قوة الرئيس السراج الذي يتمتع بالشرعية»، مؤكدا إدانة تركيا العدوان، واستنكارها استهداف القوات المعتدية المنشآت المدنية.

وما بين استمرار تصلب المواقف الداخلية والإقليمية، والانفراجة النسبية، التي بلغتها المواقف الدولية حيال الأزمة الليبية، والتي أظهرتها طاولات نيويورك، يبقى التساؤل قائما حول فرص الوصول إلى حلول حاسمة تضع نهاية لحرب العاصمة طرابلس، وحول ما إذ كان مؤتمر برلين سيقدم حلا حاسما للأزمة؟!

المزيد من بوابة الوسط