جريدة «الوسط»: مشاورات دولية مكثفة في نيويورك تمهد لـ«جولة برلين»

جاءت اجتماعات الدورة الـ174 للجمعية العامة للأمم المتحدة لتشكل فرصة مهمة لسلسلة لقاءات ومشاورات مكثفة بين أطراف دولية وإقليمية حول الأزمة الليبية، وسط مساعٍ ألمانية لاستضافة مؤتمر حول ليبيا هذا العام بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وأظهرت هذه المشاورات توافقًا مبدئيًّا على ضرورة بلورة موقف أوروبي محدد بشأن الوضع في ليبيا، مع أهمية توفير الظروف المناسبة لوقف إطلاق النار، ومن ثم العودة إلى العملية السياسية الشاملة، لكنها أظهرت في المقابل تباينًا بين طرفي الصراع الداخلي اللذين يتمسكان بموقف متشدد حيال الأزمة.

طالع العدد 201 من جريدة «الوسط»

الاتحاد الأوروبي، أكد في السياق ضرورة وجود موقف أوروبي موحد تجاه الأزمة، قبل لقاء فرنسا وإيطاليا حول ليبيا، اليوم الخميس، الذي يأمل المحللون أن يكون بداية النهاية للخلافات الأوروبية - الأوروبية بشأن الملف الليبي، وخلال اجتماع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الثلاثاء، مع فريدريكا موغريني، الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية في نيويورك، ذكرت رئاسة المجلس في بيان: «إن الجانبين اتفقا على أهمية وجود موقف أوروبي موحد تجاه الأزمة الليبية»، كما كان تأكيد رئيس الوزراء البلجيكي، شارل ميشيل، خلال اجتماع مع السراج، الأربعاء، على أهمية أن يتحد الموقف الأوروبي، وأن يعتمد رؤية موحدة لحل الأزمة.

لقاء بين غوتيريس والسراج

وأعطى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس مقاربة أوسع لهذه الرؤية الموحدة بدعوته إلى «موقف موحد من قبل المجتمع الدولي لإنهاء الحرب»، خلال لقاء مع السراج الأربعاء، في الوقت الذي أعرب عن «قلقه من التدخلات الخارجية التي تزيد من تفاقم الأزمة».

ويترقب محللون أن يصبح الحديث عن تهيئة الظروف المناسبة لوقف إطلاق النار والعودة إلى العملية السياسية أكثر وضوحًا خلال هذه المشاورات، إذ سجلت واشنطن موقفًا داعمًا لهذه الرؤية بالحديث عن دعم «إنشاء ظروف مناسبة» لوقف إطلاق النار والعودة إلى العملية السياسية الشمولية في ليبيا، وذلك في تصريحات الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية مورغان أورتاغوس عقب اجتماع رئيس المجلس الرئاسي مع مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية دايفيد هيل على هامش اجتماعات الجمعية العامة.

طالع العدد 201 من جريدة «الوسط»

دعوة كونتي لوقف إطلاق النار

أما إيطاليا فقد استبقت لقاء رئيس الوزراء جوزيبي كونتي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالدعوة إلى ضرورة أن تكون العملية السياسية في ليبيا مصحوبة بـ«آلية مراقبة وتنفيذ تدابير بناء الثقة»، وفق تصريحات صادرة عن وزير الخارجية الإيطالي لويغي دي مايو عقب مشاركته في اجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما أعاد كونتي تأكيد هذا المعنى في كلمته أمام الجمعية العامة الثلاثاء إذ دعا إلى «تطبيق وقف إطلاق نار في ليبيا ذي مصداقية من أجل إعادة بدء حوار سياسي شامل بين أطراف الأزمة في البلاد» مشددًا على ضرورة دعم جهود الأمم المتحدة في هذا الشأن.

ولم تخفِ اجتماعات المحفل الأممي استمرار خلافات الأطراف الداخلية في المشهد، إذ جاءت كلمة رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج أمام الجمعية العامة رفضًا للطرف الآخر كشريك في العملية السياسية المقبلة، وظهر ذلك بوضوح في قوله: «لن نجلس مجددًا مع حفتر فهو ليس شريكًا للسلام».

واستبقت القيادة العامة للجيش اجتماعات نيويورك ومؤتمر برلين المرتقب ببيان يعكس موقفها السياسي مما يجري بشأن الأزمة، أكدت فيه أنه لا مجال أمام الحوار «ما دامت المجموعات الإرهابية والميليشيات المسلحة تسيطر على مقاليد ومناحي الحياة في طرابلس» رغم أنها أكدت أن الحوار هو «الضامن الوحيد لوحدة البلاد وتوحيد مؤسساتها» مع ترحيبها باجتماع وزراء خارجية الدول المعنية بليبيا في نيويورك.

أما على صعيد دول الجوار فينتظر دور مرتقب لدول الجوار المؤثرة في مراقبة أي اتفاق يتمخض عن مؤتمر برلين حول ليبيا المقرر انعقاده في شهر أكتوبر، في وقت شددت الجزائر على شرطين ضروريين قبيل اجتماعين دوليين وهما إشراك الليبيين أنفسهم في أية مبادرة سياسية، وأيضًا البلدان المجاورة.

السيسي يدعو إلى «وقفة حاسمة»
في هذا السياق أجرى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي سلسلة مشاورات، كانت الأزمة الليبية في مقدمة بنود أجندتها، مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء، وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أعاد السيسي تأكيد المواقف المصرية من الأزمة الليبية، داعيًا إلى «وقفة حاسمة تعالج جذور المشكلة الليبية بشكل شامل من خلال الالتزام بالتطبيق الكامل لجميع عناصر خطة الأمم المتحدة التي اعتمدها مجلس الأمن في أكتوبر 2017».

طالع العدد 201 من جريدة «الوسط»

إقليميًّا كان لقاء السراج مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الأربعاء، حيث جدد الأخير دعم بلاده حكومة الوفاق وموقف الرئيس الثابت دفاعًا عن العاصمة طرابلس وعن مدنية الدولة. وقال: «نحن ندعم بكل قوة الرئيس السراج الذي يتمتع بالشرعية»، مؤكدًا إدانة تركيا العدوان واستنكارها استهداف القوات المعتدية المنشآت المدنية.

وما بين استمرار تصلب المواقف الداخلية والإقليمية والانفراجة النسبية التي بلغتها المواقف الدولية حيال الأزمة الليبية، التي أظهرتها طاولات نيويورك يبقى التساؤل قائمًا حول فرص الوصول إلى حلول حاسمة تضع نهاية لحرب العاصمة طرابلس وحول ما إذا كان مؤتمر برلين سيقدم حلًّا حاسمًا للأزمة أم سينتظره مصير مؤتمري باريس وباليرمو؟!