أطفال ليبيا ضحايا عنف الحرب والألعاب الإلكترونية

أطفال ليبيا ضحايا عنف الألعاب الإلكترونية. (الإنترنت)

ظواهر غريبة وعنف متزايد يسيطر على أطفال ليبيا، مع انتشار الألعاب القتالية، فضلا عن معاصرتهم مواجهات مسلحة مستمرة في ليبيا منذ سنوات، مما أثر في سلوكهم الذي لم يعد طبيعيا، وهو ما ظهر في المفاجأة المربكة، التي تحمل مشاعر من الإحباط، ارتسمت على وجه إنتصار، حين مرت من أمام مجموعة من الأطفال بسيارتها، فانهال الأطفال عليها بسيل من البصاق والكلمات البذيئة، وأقدموا على إيقاف السيارة بجلوسهم ونومهم أمامها.. الخوف تلاشى من عيون الأطفال وتم استبدال نظرات عنف لا متناهٍ به.

لم تكن الحادثة التي حدثت لـ«إنتصار» هي الأولى من نوعها، ولكن عنف الأطفال في تزايد، بل أصبح ظاهرة يصعب علاجها، في ظل غياب المؤسسات والجمعيات التي تقوم بتأهيل هؤلاء الأطفال نفسيا بعد الحرب، وبعد انتشار الألعاب القتالية، لا سيما «بوبجي».

جريدة «الوسط» حاولت معرفة أسباب هذا العنف وكيفية علاجه، من خلال عدد من الطبيبات والمتخصصات النفسيات، منهن طبيبة الأعصاب المتخصصة في الصرع، الدكتورة سعاد علي قطنش، التي أكدت أن الأطفال يواجهون -بسبب مشاهد العنف- تغيرات كيميائية في الدماغ، مماثلة لما يصيب الفرد بعد الصدمة العصبية النفسية، فيصبحون غير مبالين بالخطر، وتميل تصرفاتهم إلى التهور والتحدي والعدوانية مع الجميع، في البيت والشارع والمدرسة، ويبتعد هؤلاء الأطفال عن التعاون مع الآخرين، ولا تشبع رغباتهم وحاجاتهم بأي شيء، بينما تزيد حدة الأعراض كلما تعرض الطفل أكثر للأخبار.

في العدد 198: إجماع دولي لوقف تصدير السلاح ومصير أطفال ليبيا بين الحرب والألعاب الإلكترونية

وأضافت قطنش أن الأطفال تحت سن الثامنة يتأثرون بالمشاهد التي تحوي شخصيات بشعة وقبيحة المنظر، وبالسلوك العنيف لهذه الشخصيات في الرسوم المتحركة، وفي المقابل البنات أكثر تأثرا من الصبيان في هذا الأمر طبعا.

وأوضحت أن «بوبجي» من الألعاب التي تغير الدماغ وتؤدي إلى أضرار بالغة للجهاز العصبي، منها الاكتئاب، والانسحاب الاجتماعي، والغضب والهيجان والعنف، واضطرابات النوم والآلام العامة في الجسم، واضطرابات الأكل، والشراهة أو انعدام الشهية، والنسيان وتشتت الانتباه، ونوبات القلق والذعر، إضافة إلى الأزمات والانهيار العصبي في حالة استمرار اللعب بها.

ولفتت إلى أن علاج هؤلاء الأطفال نفسيا يحتاج إلى تكاتف من الأسرة والمحيطين بالطفل، لا سيما في الحالات التي تعاني من الفزع الليلي والتبول اللا إرادي، والتي قد تحتاج إلى العلاج بالأدوية مثل أدوية الاكتئاب والمهدئات، وكذلك الفيتامينات مثل الأوميغا ومركبات فيتامين «بي» وفيتاميني «A وE»، والعلاج بالتحليل النفسي والجلوس مع الاختصاصي والتحدث معه والوصول إلى النقطة التي تخيف الطفل المريض، وتسبب الصدمة والعمل على تفتيتها تدريجيا، هذا بالإضافة إلى النوم المبكر والوجبات العائلية المنتظمة، ولعب الرياضات مثل التمارين السويدية واليوجا، والوجود في المساحات الحرة للعب تحت إشراف مربين، والمشاركة في النشاط الكشفي الذي يحوي الكثير من إعادة الطمأنينة والهدوء والثقة.

بينما أكدت ضرورة تنشيط المكتبات العامة والعودة إلى قراءة الكتب وتشجيع الأطفال والمراهقين عليها، «هناك كثير من الجمعيات الأهلية التي تبذل جهودا كبيرة في هذا التأهيل للأطفال بمساعدة الاختصاصيات».

وأضافت: «نتمنى ابتكار وزارة لرعاية الأسرة يكون من مهامها تأهيل الأمهات والأطفال لاجتياز فترة ما بعد الحرب، ويكون أيضا من مهامها توفير أماكن لمثل هذه النشاطات واكتشاف المواهب الفنية والرياضية والعلمية وتطويرها من أجل مستقبل أفضل».

بينما تقول عضو منظمة أمازونات، المتخصصة في علم النفس الاجتماعي، عائشة قيني، إن المنظمة نفذت مشروعا متكاملا من أجل تأهيل الأطفال نفسيا بعد الحرب، وذلك قبل عامين، بينما تنفذ حاليا مشروع دعم نفسي واجتماعي للمرأة، كما أن لديها مقترحا تسعى لتنفيذه بإعادة مشروع المساحات الصديقة للطفل، وهو برنامج داعم للطفل نفسيا واجتماعيا وتربويا، ويشمل عدة نشاطات ترفيهية واجتماعية ويهدف إلى توفير مساحات آمنة للأطفال من أي خطر يهددهم.

وأضافت أن «أطفالنا لديهم مشاكل كثيرة تربوية ونفسية، خاصة أن الأهل لا يقومون بدورهم التربوي، كما أن الأمهات يحتجن إلى توعية وإرشاد تربوي وأسري، وهو ما يظهر من خلال عملي كمسؤول دعم نفسي واجتماعي»، مضيفة أن المشكلة الأساسية في التربية، لذلك فإن تصرفات الأطفال تغيرت مع انعكاسات أحداث الحرب وتأثير الفضائيات والألعاب الإلكترونية عليهم.

وشددت على أن المنظمة لا تتلقى دعما بهدف تأهيل الأطفال، لا سيما أن هذه البرامج تحتاج إلى تكاتف الجهود مع توافر دعم مادي كبير.

وتقول رئيس مركز «غادة لمشاكل النطق وتعديل السلوك» غادة العقوري، إن غالب الأطفال الليبيين يمكن أن يطلق عليهم «أطفال ما بعد الحرب»، لا سيما مع طول مدة المواجهات المسلحة في ليبيا، «لم تبقَ لنا إلا فئة الأطفال من بداية الحرب حتى يومنا هذا».

400 مصاب في احتفالات ذكرى المولد النبوي بطرابلس

وعلى الرغم من ذلك قالت إن الحرب لا تتحمل مسؤولية تغير سلوك الطفل وحدها، بل التربية والبيئة التي يعيشها من أهم العوامل المساعدة في اضطرابه نفسيا، وسبب سلوكه العدواني، إضافة إلى أن الأم أو الأب أحدهما عنيف مع الطفل، وفي بعض الأحيان يقوم ولي الأمر بتحريض طفله على ضرب أطفال آخرين كنوع من تدريبه على الدفاع عن نفسه، وهذا أمر خاطئ ويخلق العدوانية لديه، كذلك من أسباب عدوانية الطفل الذي لديه مشاكل نطق أو مشاكل تعلم، عندما يتعرض للتنمر من أقرانه نجده قد خلق لنفسه وسائل دفاع وهي العدوانية المفرطة.

وعن تأهيل الأطفال ذوي السلوك العدواني، قالت إنهم ينقسمون إلى فئتين، أولا الطفل المضطرب ولديه مشاكل سلوكية أخرى مثل مشاكل النطق والفرط الحركي والتشتت، وهذا يحتاج إلى مراكز تعديل سلوك، حتى يتم ضبطه وشد انتباهه ببرامج تأهيل ذات تنمية مهارات حسية وذهنية إدراكية، والفئة الثانية وهي الطفل الطبيعي الذي يحتاج إلى ناد رياضي، لتغيير اهتماماته وتوجهاته، وخلق اهتمامات أفضل.