ما بعد «هدنة العيد».. ملامح تحرك دولي وإقليمي لحل الأزمة الليبية

أعادت «هدنة العيد» الحديث على أكثر من صعيد، عن ضرورة التوصل إلى قرار بالحد مما تسميه الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي «الأعمال العدائية» في طرابلس ما يعني الحرب التي تدور على التخوم الجنوبية للعاصمة بين القوات التابعة للقيادة العامة للجيش، والقوات التابعة لحكومة الوفاق، والتي دخلت يومها الخامس والثلاثين تقريبا.

وبدأ هذا الأسبوع تصدر مؤشرات تحريك العملية السياسية، سواء على صعيد اللاعبين الإقليميين الرئيسين في المشهد الليبي، أو القوى الفاعلة الكبرى، التي بدأت عن الحل السياسي للأزمة الليبية، واستبعاد الحل العسكري.

واتخذت هذه المؤشرات منحى متسارعا عقب التفجير الذي استهدف سيارة موظفي بعثة الأمم المتحدة في بنغازي، عصر السبت الماضي، وسط مخاوف واسعة من اتساع رقعة الإرهاب في ليبيا، والتي قد تضاعف مخاطر المشهد الليبي الذي يعاني أصلا من الانعكاسات الخطيرة لحرب العاصمة.

وفتحت تصريحات السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، اليوم الخميس، باب الاحتمال لدور مباشر قد تتولاه واشنطن في حل الملف الليبي خلال المدة القادمة، إذ تعهد السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند بـ«العمل من أجل إنهاء فوري للصراع في ليبيا»، تصريحات السفير الأميركي، التي أطلقها الخميس، عبرت على نحو واضح عن «رغبة واشنطن في تكثيف النشاط الدبلوماسي مع جميع أطراف النزاع».

السفير الأميركي يتعهد بالعمل على إنهاء «فوري» للصراع في ليبيا

وهو المعنى نفسه الذي أكده الدبوماسي الأميركي أيضا خلال مكالمته الهاتفية مع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج بالقول «هدفنا واضح، ويتمثل في إنهاء القتال ودعم جهود الأمم المتحدة بقيادة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة».

وفيما يراه محللون إحدى إشارات الحل الأميركي المقبل أتى حديثه على الثروات الليبية بالقول «نعتقد أن جميع الليبيين يستحقون العيش بسلام والاستفادة من ثروات البلاد»، وهو ما يعتبرونه توجها نحو طرح محتمل متداول في أوساط الإدارة الأميركية لمسألة «تقسيم الثروة».

ويلحظ المتابعون شؤون الشرق الأوسط أن السفير الأميركي الجديد ليست لديه خبرة سابقة للعمل الدبلوماسي بدول عربية، إذ عمل سفيرا لدى كل من أوكرانيا وأوزبكستان قبل أن يباشر عمله الجديد سفيرا لبلاده في ليبيا، وهو ما قد يعطي إشارات دالة نحو تفكير جديد يعمل من خارج الصندوق، عكس سفراء غربيين سابقين انخرطوا في الملف الليبي بعدما خاضوا تجربة العمل في نقاط ملتهبة بالمنطقة.

مؤشرات على خلفية الهدنة
وسبق تصريحات السفير الأميركي، صدور بيان مشترك لحكومات أميركا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والإمارات، ركز على أنه «لا مجال للخيار العسكري في ليبيا»، ودعت إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي بحظر صادرات السلاح إلى ليبيا.

هذه المؤشرات أيضا جاءت على خلفية «هدنة العيد» التي دعا إليها المبعوث الأممي إلى ليبيا، والتفجير الذي استهدف سيارة يستقلها موظفو بعثة الأمم المتحدة في بنغازي، عصر السبت، وأسفرت عن مقتل ثلاثة موظفين وإصابة ثمانية آخرين جراء انفجار سيارة مفخخة قرب سوق «أركان ماركت للمواد الغذائية» في منطقة الهواري بضواحي بنغازي.

في السياق جاء بيان وزارة الخارجية المصرية، ليطرح صيغة اعتبرها محللون قد تشكل ملامح مبادرة لحل الأزمة، وتتمحور حول الدعوة إلى «عملية التسوية الشاملة في ليبيا، تستند إلى معالجة شاملة للقضايا الجوهرية وعلى رأسها قضية عدالة توزيع الموارد في ليبيا والشفافية في إنفاقها، واستكمال توحيد المؤسسات الليبية، وحل الميليشيات المسلحة وجمع أسلحتها على النحو الوارد في الاتفاق السياسي الليبي».

الحديث عن خطر الإرهاب حضر بقوة في الطرح المصري من خلال الحديث عن «موقف واضح ولا لبس فيه للنأي عن المجموعات الإرهابية والإجرامية، خاصة تلك المدرجة على قوائم العقوبات التي أصدرها مجلس الأمن»، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن «الحل في ليبيا لا يمكن إلا أن يكون ليبيا خالصا يتوافق عليه الليبيون دون تدخلات أو إملاءات من أطراف خارجية»، واستند في هذه المبادرة إلى مرجعية دولية وهي «المبادرة التي أقرها مجلس الأمن لحل الأزمة الليبية في أكتوبر 2017».

مصر تدعو البعثة الأممية للتعاون مع الممثلين المنتخبين للشعب الليبي

أما اللاعب الإقليمي الآخر الإمارات العربية المتحدة فقد شرعت في اتخاذ لهجة أكثر اعتدالا في التعاطي مع الملف الليبي، وفقت افتتاحية جريدة «الخليج» - المقربة من الحكومة - بالتأكيد أن «الدعوة إلى الحل للأزمة الناشبة يبقى في أيدي الليبيين أنفسهم والعودة إلى المسار السياسي»، واقترحت «ضرورة اتخاذ تدابير لبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، تمهيدا للوصول إلى اتفاق وقف دائم لإطلاق النار، وإعادة إطلاق العملية السياسية».

الجريدة الإماراتية -شبه الرسمية- طرحت رؤيتها من خلال مقاربتين رئيسيتين: الأولى هي خطر الإرهاب الذي أوضحه التفجير الذي استهدف البعثة الدولية يقدم دليلا إضافيا على ما تعانيه ليبيا من خطر الإرهاب، وجماعاته المتطرفة المهددة للأمن، والاستقرار الوطني، والسلم الاجتماعي. والثاني أن ليبيا تمثل الممر الرئيس للهجرة غير الشرعية، وهي قضية تجلب وراءها العديد من القضايا الشائكة.

جمود عسكري
ويبدو أن الجمود العسكري الغالب على حرب العاصمة، الذي بدأ يعطي هذه الحرب صيغة «لا غالب ولا مغلوب» قد وضع جميع اللاعبين الدوليين والإقليميين الرئيسيين أمام سؤال الحل السياسي، خصوصا أن التفجير الذي استهدف سيارة البعثة الأممية أعاد بعث شبح الإرهاب ومخاطره التي قد تتخطى حدود المصالح السياسية الضيقة لتحولها إلى خطر محدق بالمنطقة.

ولعل هذه المخاوف هي التي دفعت ألمانيا إلى انتقاد الموقف الدولي حيال الأزمة الليبية، وذلك على لسان وزير خارجيتها هايكو ماس، الذي انتقد عجز مجلس الأمن الدولي عن حل الصراع في ليبيا بسبب استخدام حق النقض «الفيتو»، مؤكدا أهمية أن «يصبح مجلس الأمن هو الهيئة المحددة للسياسة الدولية في قضايا مثل ليبيا واليمن وسورية».

المزيد من بوابة الوسط