ناجي أبوشناف لـ«الوسط»: تحلية مياه البحر خيار استراتيجي

يعتبر توفير المياه ضرورة بالنسبة للتنمية الاقتصادية الاجتماعية، والطاقة وإنتاج الغذاء وسلامة النظم البيئية وبقاء الإنسان، كما أنها في صلب عملية التكيف مع تغير المناخ، وحين يزداد تعداد السكان تزداد الحاجة إلى خلق توازن بين جميع متطلبات موارد المياه بما يتيح للمجتمعات الحصول على كفايتها، كما لا يمكن النظر إلى المياه بمعزل عن الصرف الصحي، فهما معاً عاملان حيويان لخفض عبء الأمراض، فضلاً عن دورهما في تحسين الصحة والتعليم والإنتاجية الاقتصادية للسكان.

وما يعزز النمو الاقتصادي للبلدان ويسهم في تقليص وطأة الفقر، تحسين إمدادات المياه والصرف الصحي، وإدارة الموارد المائية بشكل أفضل. ويعد مشروع النهر الصناعي في ليبيا أحد أهم مصادر المياه في البلاد، لكن تكرار عمليات الاعتداء على منظومته في مختلف المدن، يصيب المواطنين الليبيين، بالذعر حين يشعرون بشح المياه، خصوصاً مع تفاقم صعوبة العثور على مياه نقية في الغرب، ومع التلفيات التي أصابت نظام التحكم في المياه؛ بسبب الاشتباكات الدائرة في محيط العاصمة، بين قوات القيادة العامة وقوات حكومة الوفاق، تستمر الأزمة فضلاً عن أن الانقسام الحاصل في البلاد يؤدي لاستمرار التدهور في هذا الملف المهم.

ويظل التساؤل: ماذا حدث لمحطات التحلية المنتشرة على طول الساحل الليبي؟، وللإجابة عن هذا السؤال توجهت «الوسط» إلى مقر الشركة العامة للكهرباء التي أفاد مسؤولوها بأن محطات التحلية انفصلت عن الشركة، وأصبحت مستقلة، ولمزيد من المعلومات توجهت إلى مقر الشركة العامة لتحلية المياه والتقت مديرها المهندس ناجي أبوشناف؛ للاطمئنان على موارد المياه وسلامتها والعقبات التي تواجه الشركة ودار الحوار التالي.

● ماذا عن انفصال شركتي الكهرباء وتحلية المياه والآلية التي تعمل بها الآن؟
أُنشئت الشركة العامة لتحلية المياه بموجب قرار من اللجنة الشعبية العامة رقم 924 للعام 2007، ويقول القرار إن مركز الشركة ومقرها القانوني بمدينة بنغازي، باعتبار أن تحلية المياه خياراً استراتيجياً للإمداد المائي في ليبيا، لذلك تم فصل محطات التحلية وإنشاء الشركة العامة لتحلية المياه.

● ما أسباب الفصل عن شركة الكهرباء؟
مصادر المياه في ليبيا محدودة وهي «النهر الصناعي، والآبار الجوفية»، ولا توجد محطات للتحلية، كانت تابعة للشركة العامة للكهرباء، وهناك مناطق توجد بها محطات تحلية فقط، وفي العام 2007 توصلت اللجنة الشعبية العامة لقناعة أصبحت راسخة لديها، أنه «لابد من تنوع مصادر الإمداد المائي في ليبيا فالتكنولوجيا في العالم أجمع اعتبرت أن تحلية مياه البحر مصدراً متجدداً وتكلفته، مقارنة بتكاليف إنتاج المياه، ممتازة وكذلك التجدد بها يحد من التلوث، وتكون صالحة للشرب والاستعمال المنزلي، فاعتمدت تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي للدولة الليبية في الإمداد المائي، ولدينا ثماني محطات على مستوى ليبيا، في غرب تبدأ من محطة زوارة، والزاوية، وزليتن، وشرقاً لدينا محطة بوترابة، وسوسة، ودرنة، وخليج البمبا، ومحطة طبرق.

● وهل توجد محطة في بنغازي؟
لا توجد بها محطة، لكن يوجد لدينا قرار صادر في فترة حكومة علي زيدان بإنشاء محطة تحلية في بنغازي بـ 400 ألف متر مكعب، وطرابلس بـ500 ألف متر مكعب، ومصراتة بـ200 ألف متر مكعب، وخصص مجلس بلدي بنغازي الأرض لبناء المحطة العام 2014 ولازلنا ننتظر المال لإنشاء محطة شرق بنغازي، والمخصصات من أجل تكليف شركة لإعداد كراسة المواصفات.

● حدثنا عن محطات التحلية في منطقة سيدي منصور؟
هذه المحطات لا تتبعنا وهي عبارة عن محطات للآبار وتتبع الهيئة العامة للآبار، والشركة العامة للمياه والصرف الصحي، وعن مصادر المياه في ليبيا فتوجد أربعة مصادر للمياه، أولاً السدود (لم يتم الاستفادة منها) وأحياناً تقام السدود في أماكن معينة لتجميع مياه الأمطار، ومن ثم تتم معالجتها، لكن للأسف لا يقومون بذلك، والمصدر الثاني هو الآبار الجوفية مثل محطة التحلية بسيدي منصور المصدر، والثالث هو النهر الصناعي، وهناك مصدر غير مستخدم لدينا لكن العالم بأكمله يعمل عليه الآن وهو إعادة تكرير وتنقية مياه الصرف الصحي، وهناك من يستعملها للزراعة، وهنا بدأ العمل عليه بمنطقة القوارشة، ولكنه لم يكتمل، وهذه المصادر لديها جهات ومؤسسات تتبعها، ولها ذمة مالية مستقلة وعملها عكس عملنا تماماً.

● تحلية مياه البحر.. حدثنا عن اختصاصكم بشأنها ولماذا تأخر إنشاء المحطة؟
المشاريع الجديدة تمر بسلسلة من الإجراءات الإدارية والمالية والقانونية، عادة يصدر مجلس الوزراء قراراً بإنشاء المحطة، ثم قراراً بتخصيص الأموال ويدرج في الميزانية العامة للدولة، ثم إعطاء الإذن لنا من أجل إجراء المناقصة، وتتولاها لجنة العطاء المشكلة بقرار وزاري، وعادة المشروع ينقسم إلى قسمين الأول إعداد كراسة المواصفات مثلاً ما هي نوعية المحطة؟، ونوعية التقنية؟، وشروط التنفيذ؟، والدراسات المبدئية؟، ونطلب من المكتب الاستشاري في أحيان كثيرة المفاضلة بين العروض في اختيار الشركات، واختيار نوعية التقنية، والإشراف على التنفيذ والتدريب بشأن ماذا نريد والأهداف المرجوة، وعلى حسب طبيعة المشاريع، فالصغيرة عادة نكون قادرين على الإشراف عليها، وإعداد مواصفاتها، لكن الكبيرة لا نستطيع لأن مبالغها كبيرة، والأخطاء في نتائجها تكون فادحة، لذلك لابد من تكليف مكاتب استشارية ذات كفاءة وسمعة جيدة، من أجل مساعدتنا في تنفيذها.

محطات التحلية الموجودة تعمل أم لا.. وما أهم المعوقات؟
في العام 2010 وُضعت خطة على مستوى ليبيا وكانت هناك ثورة في مصادر الإمداد المائي، واتجاه للاعتماد على محطات التحلية، والحكومة في ذلك الوقت كانت تتطلع إلى إنشاء عدة محطات تحلية، وفي العام 2011 قامت الثورة وتم إيقاف هذا المشروع، لكن في حكومة علي زيدان جرى تفعيل الخطة مرة أخرى وإصدار مجموعة قرارات بإنشاء محطات جديدة والتوسع في القديمة وتطويرها، وإلى الآن محطاتنا كلها في الخدمة عدا محطة خليج البمبا (متوقفة)، وهناك مشروع جديد ونحن الآن في طور توقيع مسودة تعاقد لصيانتها، أما باقي المحطات فتعمل، وإن كانت ليست بكفاءة ممتازة؛ بسبب شح الموارد المالية بالشركة والانقسام السياسي، وأيضاً العلاقة التعاقدية بيننا وشركة المياه والصرف الصحي بها مشكلة بحكم أننا نبيع المياه للشركة، التي تسدد لنا سعرها، وهنا يبدو مشكلة فالشركة غير ملتزمة ولديها مديونة لنا بقيمة 292 مليون دينار، لذلك نحن لم نتقاضَ حقوقنا المالية إلى الآن، والعائق التالي هو تكلفة المتر المكعب بناء على دراسة (في العام 1984) ومن هذا التاريخ حتى العام 2019 هناك تغييرات حدثت وتعتبر عوامل رئيسية في الدراسة، وهي الأيدي العاملة ومستلزمات التشغيل، فتغيرت قيمة المرتبات بالزيادة فيما لم يعالج سعر المتر المكعب وكذلك سعر الوقود يتغير، إضافة إلى سعر الكهرباء، وهذه أشياء رئيسية تدخل في صناعة المياه وتغير أسعارها لم توضع في الاعتبار، وجعلت الشركة تتكبد خسائر فادحة، إضافة إلى الانقسام السياسي، والوضع الأمني الذي أجبرنا على عدم استكمال مشاريعنا، وأحياناً لتزويد المحطات بالوقود نضطر للحصول عليه من نقاط توزيع بعيدة، وهذا يكلفنا سعر النقل، أيضا أجبرنا في أوقات معينة على استخدام وقود خفيف في محطات معينة؛ لعدم وجود وقود ثقيل، وهذا أيضاً يزيد في تكلفة المتر المكعب من المياه، وإلى الآن لم نحصل على دعم من الحكومة بالتعويض في فرق السعر، فضلا عن تغيير سعر الصرف والضريبة التي فرضت، ولم يصدر كتاب رسمي باستثنائنا من ضريبة سعر الصرف، ما يزيد من مشاكلنا باعتبار أننا شركة لمستلزمات التشغيل، وقطع الغيار مستوردة من الخارج، فبدل من أن نشتري القطع بدينار نشتريها بأربعة دينارات سواء من السوق المحلية أو من التوريد الخارجي.

● هل هناك تعاون بينكم وإدارة مشروع النهر الصناعي؟
يوجد تعاون بين قطاعات الدولة كلها، وعندما نطرق باب أي جهة لا تقصر معنا باعتبار أننا قطاعات عامة، لكن توجد بيننا تنافسية فكلنا نعتبر مصدراً للمياه، وحقيقة نتطلع ونتمنى أن تهتم الحكومة بشركة التحلية.. وعندما يقال «النهر الصناعي» إنه المصدر الوحيد للمياه في ليبيا يحدث تخوف بين المواطنين، خاصة حين يحدث انقطاع للمياه بسبب عمليات التخريب، والاعتداءات على منظومة النهر، وهنا نتساءل: أين دور هذه المحطات؟، وكيف نطمئن الناس بأن هناك مصادر أخرى للمياه؟
فالأكيد أن تعدد المصادر يشكل ضمان الأمن القومي والمائي، والغذائي للمواطن، حتى الذي لا يود أن يعترف بتعدد المصادر تدعوه الظروف مؤخراً بسبب ما يحدث من تخريب واعتداءات، وماذا سيحدث في المدن الكبيرة عندما تنقطع المياه على طرابلس؟ وعندما تقل المياه في بنغازي؟... فتعدد المصادر أمر مطلوب، نحن لا نريد أن نقول إننا كشركة تحلية أفضل من النهر لأننا أقل تكاليف، ولا نريد أن نقول نحن أفضل من الآبار لأننا طاقة متجددة، وأنها ملوثة وتتطلب بعض المعالجات، وإنها لا تكفي احتياجات الناس، وتكاليف إنتاجها أعلى من التحلية، وهذه الأشياء نحن لا نفرضها أو نعممها، وإنما تفرضها رؤية الدولة التي من المفترض أن تكون لديها خطة للعشرين السنة المقبلة، وضرورة معرفة على ماذا يعتمد الإمداد المائي في ليبيا ككل أو كل منطقة على حدة، فهناك مناطق تصلح معها محطات تحلية أفضل من إيصال خط نهر وأقل في التكاليف وضمان أكثر، لكن بالمعنى البسيط عندما يكون لديك أكثر من مصدر كلما أصبحت أكثر أماناً، بمعنى لو حصل تلوث بفعل فاعل وحين يكون لديك عدة مصادر، تستطيع أن تعزل هذا المصدر ولا تكون لديك أزمة.

دور الشركة غائب عن الصورة في الدولة الليبية.. لماذا؟
شركة التحلية وليدة وتم إنشاؤها بذمة مالية مستقلة العام 2007، وقامت ثورة فبراير العام 2011، يعني نحو أربع سنوات، فالشركة تعتبر في طور الإنشاء، وكل شركات الدولة انهارت بعد الثورة، وأصبحت هناك صراعات وقل الاهتمام بالبنية التحتية، وأصبحنا نعمل بالإمكانات المتاحة لدينا سلفاً. نحن نحول مراسلاتنا للجهات ذات الاختصاص ونعرف أن الحكومة مثقلة بالتزاماتها، وأصبحت الشركة عاجزة عن تنفيذ خططها، وبالطبع نحن لسنا بمنأى عن مؤسسات الدولة، فالذي حدث لمختلف مؤسسات الدولة انعكس علينا أيضاً، والانقسام السياسي أثر بشكل كبير علينا، فمثلاً شركة المياه والصرف الصحي مركزها في طرابلس، ولها ذمتها المالية وهو ما انعكس في عدم تحصيل أموالنا منها، والحكومة ليست لديها نظرة للاهتمام بهذه المشاريع لأنها مثقلة بالتزاماتها الملحة ولا تستطيع أن تفتح التزامات جديدة، غير أن الدولة في الفترة الماضية كانت لها خطط وتطلعات بخصوص تحلية مياه البحر، التي تعتبر خياراً استراتيجياً ليس لليبيا فقط بل للعالم أجمع، باعتبار أن لدينا ساحلاً طويلاً من أنقى المياه، ومواصفاته ممتازة جداً ولا تحتاج إلى تكاليف عالية من أجل المعالجة، أيضاً المناطق الموجودة على الساحل الليبي تتطلب وجود مياه حتى تحدث بها تنمية مستدامة فلو قمنا بتوطين محطة تحلية على منطقة على الساحل يعني أننا قمنا بتوطين مصنع من أجل التنمية المستدامة، لكن للأسف نحن لازلنا نحافظ على الوضع القائم.

● كلمة أخيرة.. ماذا تقول فيها ولمن توجهها؟
«نتطلع للحصول على دعم من مختلف مؤسسات الدولة لقطاع تحلية المياه، ونحتاج إلى مقر للشركة يشجع على استقرارها في بنغازي، فقد تم منعنا من دخول مقرنا السابق في الشركة العامة للكهرباء، ولم نستطع الرجوع إليه إلى الآن، ونتمنى من عميد البلدية أو جهات الاختصاص أن يتم توفير مبنى بديل يكون مكانه يليق بمؤسسة تدير محطات التحلية على مستوى ليبيا، وهذا يعني أن بنغازي ستكون العاصمة الاقتصادية».
«كما أود أن أؤكد أن المستقبل سيكون باستثمار المياه، فالعالم كله يعاني أزمة مياه، لكن المصدر المائي الموجود بساحلنا الطويل (ألف كيلو) يشجع الشركات الخارجية أن تأتي من أجل تنفيذ مشاريع هنا والاستثمار فيها، ولن تكون هناك أزمة مياه في ليبيا، وأنا ضد فكرة إهمال أي مصدر للمياه في بلادنا، فالمياه الجوفية موجودة، وأتمنى ألا يتم المساس بها حتى تكون مخزوناً للأجيال القادمة، ومشروع النهر الصناعي موجود، ونشرب منه جميعنا ولا نستطيع إلغاءه ولابد من الحفاظ عليه، ونحن كشركة تحلية المياه نتمنى أن تنفذ الخطة الموضوعة منذ سنوات، ويتم رصد الأموال لها ولو على المدى الطويل من خلال مراحل، فمثلاً محطة بنغازي (400 ألف متر مكعب)، تكون 200 ألف منها مصدراً احتياطياً، وأود توجيه نداء لمؤسسات الدولة للمحافظة على الوضع القائم لشركة التحلية، خاصة في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها الدولة».

المزيد من بوابة الوسط