أنياب الأزمة والحرب تطحن الليبيين: فقراء بـ«أرصدة مليونية» و«سيارات فارهة»

أمام سوق الظهرة بوسط العاصمة طرابلس، وبملامح اكتست بالألم، يشتري المواطن محمد أحمد الدولار بالصك المصدق، وباعه نقداً للبائع نفسه من أجل الحصول على نقد محلي. محمد قدم من جبل نفوسة إلى طرابلس لشراء سلع غذائية، وقد خوت جيوبه من النقد «الكاش» بسبب أزمة السيولة التي تعاني منها البلاد.

هذا المواطن يعاني مثل الملايين من أزمة اقتصادية طاحنة متفاقمة رغم امتلاكهم أرصدة في المصارف وسيارات فارهة، جراء تدهور قيمة العملة الوطنية، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، ونقص الخدمات العامة مع أزمات معيشية متلاحقة مثل نقص البنزين والسيولة بالمصارف التجارية مع انقطاع التيار الكهربائي 15 ساعة يوميًا.

وتتعمق معاناة المواطنين تحت ضغط تزايد أعداد النازحين من معارك جنوب طرابلس البالغ عددهم 95 ألف نازح، فضلاً عن نقص الأدوية بالمستشفيات العامة مع ضعف الخدمات.

ورغم توافر السلع الغذائية والدوائية في الأسواق -وفق تأكيدات عدد من التجار-، لكن أسعارها غير مستقرة إلى حد فاق القدرة على مجاراتها، ولا سيما السلع الأساسية، كما أن شلل الحركة التجارية والاقتصادية في المناطق المجاورة لطرابلس بسبب الطرق غير الآمنة تسبب في غلاء الأسعار، خصوصاً التعامل بالصكوك التي زادت بنسبة 30% في المناطق النائية وفي الجنوب الليبي.

وأثرت الظروف الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد منذ سنوات على قدرة المواطنين في تلبية احتياجاتهم المعيشية وتوفير السلع والمستلزمات الاستهلاكية، وغلاء الأسعار ونقص السيولة وتدهور القدرة الشرائية.

للاطلاع على العدد 190 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويقول محمد الزواي -وهو سائق سيارة أجرة- إن «أدنى متطلبات المعيشة اليومية لا تتوافر للمواطن، فالكهرباء تنقطع لساعات طويلة تناهز 15 ساعة يومياً والسيولة غير متوافرة بالمصارف، والبنزين طوابير طويلة منذ ساعات الفجر».

ويشرح أن «موجة الغلاء التي اجتاحت الأسواق منذ مطلع العام الماضي فاقت قدرتي المادية على الاحتمال، خاصة مع تواضع حجم الأجور وعدم كفايتها لتلبية المتطلبات المعيشية اليومية». ويضيف إن «الارتفاع المطرد لتكلفة المعيشة وزيادة أسعار السلع يلازمان يوميات المواطن».

وساهم برنامج الإصلاح الاقتصادي إلى حد ما في استقرار الأسعار وتوفير السيولة، إلا أن المحلل الاقتصادي أبوبكر الهادي يقول لـ«الوسط» إن تبعات حرب العاصمة يدفعها المواطن من ارتفاع أسعار الإيجارات ومضاربات الأسعار، فضلاً عن غياب رقابة الأسعار في السوق وترك الأمور لعملية الطلب، والعرض، مؤكداً أن هناك ضغطاً معيشياً جديداً على المواطن مع استمرار الحرب وعدم وجود حلول للنازحين.

اعتمد المجلس الرئاسي، العام الماضي، برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ بتحديد قيمة الرسم المفروض على مبيعات النقد الأجنبي بنسبة 183%، وفقًا للنشرة اليومية لأسعار صرف الدينار الليبي مقابل العملات الأجنبية التي تصدر عن المصرف المركزي.

لكن تقارير غير حكومية تقول إن معدلات الفقر في البلاد تصل إلى 40%، ويبلغ الحد الأدنى للأجور 450 ديناراً، فيما تمثل صادرات النفط الخام ما يعادل 96% من إجمالي الصادرات الكلية للاقتصاد الليبي، كما تسهم عائدات النفط في الإيرادات المالية للبلاد بنسبة 95%. وارتفعت عائدات النفط إلى 24.4 مليار دولار العام 2018، بزيادة 78% على سنة 2017.

الخبير الاجتماعي مصطفى التير يرصد مؤشرات لارتفاع نسبة الفقراء في ليبيا مثل «عدم تمتع المواطن بالمرافق العامة غير الموجودة حالياً، والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، وعدم وجود مواصلات عامة في البلاد».

للاطلاع على العدد 190 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

أما فيما يتعلق بمؤشرات الإنفاق والاستهلاك، يقول التير «المواطن الليبي قد يملك في حسابه المصرفي مليوني دينار لا يستطيع سحبها من المصرف، وقد يقف أياماً طويلة ولا يتحصل على درهم واحد منها». وأضاف إن «مؤشرات الفقر في ليبيا تختلف بشكل كبير عن أية دولة، فمثلاً معظم طلاب الجامعات يمتلكون سيارات نظراً لعدم وجود وسائل نقل عامة ولكنهم فقراء».

ويتعقّد الوضع المعيشي لليبيين، بسبب المخاوف من إطالة أمد المعارك واتساع نطاق الأضرار المعيشية، وخصص المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ملياري دينار (1.43 مليار دولار) لمعالجة الأزمات المعيشية الناجمة عن الاشتباكات. ويأتي المبلغ لتوفير احتياجات النازحين من مواقع المعارك وجميع المتضررين بمختلف المناطق، وتقديم الخدمات الضرورية التي تشمل مستلزمات العلاج.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية ارتفاع عدد ضحايا القتال في طرابلس إلى ألف قتيل وأكثر من خمسة آلاف جريح، ودعت الصحة العالمية جميع أطراف النزاع والجهات المعنية في ليبيا إلى إيجاد حل سريع وسلمي للصراع الدائر في ضواحي العاصمة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، لتفادي سقوط المزيد من الأبرياء.