جريدة «الوسط»: «جافلين» تفتح ملف التدخل العسكري في ليبيا

عادت حالة الجمود العسكري إلى محاور الحرب جنوب العاصمة طرابلس، منذ أن حسمت قوات حكومة الوفاق معركة غريان بالسيطرة على المدينة، واستعادتها من القوات التابعة للقيادة العامة للجيش، لكن جديد الحرب، وهي تدخل شهرها الرابع، هو عودة الحديث بقوة عن مسألة الخرق المستمر لقرار مجلس الأمن بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، بعد أن أخذت قضية صواريخ «جافلين» الأميركية التي عثرت عليها قوات تابعة لحكومة الوفاق بأحد المعسكرات في غريان عند دخولها المدينة منحى آخر، بتأكيد فرنسي أن هذه الصواريخ ملك للقوات الفرنسية، فبعد ساعات من إعلان جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية عن هوية وطبيعة عمل هذه الصواريخ، جاء اعتراف وزارة الجيوش الفرنسية بأن الصواريخ «تعود للجيش الفرنسي، وكانت تهدف إلى توفير الحماية الذاتية لوحدة فرنسية نشرت لغرض استطلاعي في إطار مكافحة الإرهاب»، في تأكيد جديد على وجود قوات لفرنسا على الأرض في ليبيا.

للاطلاع على العدد 190 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفتحت صواريخ «جافلين» من جديد ملف التدخلات الإقليمية والدولية في ليبيا، ففور نشر صور لتلك الصواريخ، سارعت حكومة الوفاق للإعلان بأنها تعود لدولة الإمارات العربية المتحدة، بحسب ما هو مكتوب على صناديقها. وأوردت «نيويورك تايمز» أنّ الكتابة تشير إلى أنّها بيعت إلى الإمارات العربية المتحدة، حليفة الولايات المتحدة، في 2008.

وفي توقيت متزامن، كان ظهور اسم واشنطن على مسرح الأحداث، مع إعلان الولايات المتحدة أنّها تتحقق من صحة معلومات بشأن العثور على صواريخ أميركية الصنع في ليبيا، وحينذاك قال ناطق باسم الخارجية الأميركية طلب عدم نشر اسمه لوكالة «فرانس برس»، «نحن نأخذ على محمل الجدّ كل المزاعم المتعلقة بسوء استخدام معدات دفاعية أميركية المنشأ، نحن على علم بهذه التقارير ونبحث عن معلومات إضافية».

اقرأ أيضًا: «حكومة الوفاق» تطالب باريس بتقديم «توضيحات عاجلة» بشأن صواريخ «جافلين»

لكن السيناتور الديمقراطي البارز في لجنة العلاقات الخارجية، روبرت منينديز هدد بأن بلاده يمكن أن توقف مبيعات الأسلحة إلى الإمارات، ووجه رسالة إلى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، طالبه فيها بـ«إجراء تحقيق وتقديم توضيحات بخصوص اتفاقات الأسلحة مع الإمارات بحلول 15 يوليو» الجاري. وذكر منينديز في رسالته إلى بومبيو «أنتم لا شك تعلمون أنه إذا ثبتت صحة هذه المزاعم، فربما يتعين عليكم قانوناً إلغاء جميع مبيعات الأسلحة إلى الإمارات». محذراً من أن مبيعات الأسلحة ستشكل «انتهاكاً خطيراً» للقانون الأميركي، و«بشكل شبه مؤكد» انتهاكاً للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على بيع الأسلحة إلى ليبيا. ولم يكد يمر أسبوع حتى كشفت وزارة الدفاع الفرنسية أن صواريخ «جافلين»، التي عُثِر عليها في ليبيا تعود لفرنسا، وقالت الوزارة الفرنسية «صواريخ جافلين التي عُثِر عليها في ليبيا كانت معطوبة وغير صالحة للاستعمال». مضيفة «هذه الصواريخ لم يكن من المفترض بيعها أو نقلها إلى أي طرف في ليبيا»، مبرزة أنه كان من المفترض أن تستخدمها وحدة فرنسية لمكافحة الإرهاب في ليبيا.

ويعيد ظهور دول كبرى وإقليمية في هذا الملف الحديث عن حظر السلاح على ليبيا، الذي -وحسب مراقبين- أجاب عن تساؤل سابق حول فرص تنفيذ قرار مجلس الأمن الصادر الشهر الماضي، والذي اكتفى بتمديد حظر السلاح لعام واحد، تجدد تفويض الدول الأعضاء لتفتيش سفن يعتقد أنها تنتهك حظر توريد الأسلحة في أعالي البحار قبالة سواحل ليبيا، وطالب الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقرير عن تنفيذه في غضون 11 شهراً، فيما عبّر عدد من أعضاء المجلس عن أسفهم لتدفق أسلحة إلى ليبيا منذ شهرين.

قرار مجلس الأمن فوّض الدول الأعضاء لتفتيش سفن يعتقد أنها تنتهك حظر توريد الأسلحة في أعالي البحار قبالة السواحل، لكن التساؤلات ظلت تلاحق المحللين منذ صدور القرار وحتى ظهور قضية صواريخ غريان، وظهرت في صورة استفسارات واضحة حول ما إذا كان هذا القرار قابلاً للتنفيذ على الأرض، أم أنه «رفع ملام» عن المنظومة الأممية أمام مشهد تدفق السلاح إلى ليبيا، مما يطيل أمد الحرب ويضاعف معاناة الليبيين، وتخوفهم من اتساع رقعة الحرب في البلاد، ولا سيما أن القرار ترك 11 شهراً آخر، كمدى زمني لتقديم تقرير إلى الأمم المتحدة بشأن الالتزام بحظر الأسلحة، علاوة على افتقاد هذا القرار آليات تضمن تطبيقه على الأرض.

اقرأ أيضًا: مستشار فرنسي: صواريخ «جافلين» كان الغرض منها حماية قوات فرنسية منتشرة في ليبيا

ولم يخف المبعوث الأممي–حينها إحباطه من عدم حسم مجلس الأمن قرار وقف إطلاق النار، وقال في تصريحات لافتة «إن الأمم المتحدة وخصوصاً مجلس الأمن عندما تكون مجرد صدى للنزاعات الداخلية تفقد أي صدقية، وبالتالي على الموقف الدولي حفاظاً على صدقية مجلس الأمن ومبدأ الأمن الجماعي والدور الإيجابي للأمم المتحدة في الأمن والاستقرار، العودة إلى دور المعالج» لهذه الأزمات، بل إن سلامة أمام كل ذلك هب إلى وصف الحديث عن حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا بـ«النكتة السمجة»!

ووسط هذه التناقضات الدولية الواضحة، ترتفع فاتورة الحرب على تخوم العاصمة طرابلس ين قوات القيادة العامة وقوات حكومة الوفاق إلى قرابة «ألف قتيل وأكثر من خمسة آلاف جريح». وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، التي أشارت كذلك إلى ارتفاع حصيلة القصف الجوي الذي استهدف مركز إيواء المهاجرين بتاجوراء (15 كلم شرق طرابلس) إلى 53 قتيلاً و140 جريحاً.

للاطلاع على العدد 190 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وحسب متابعين للملف الليبي، فإن المشهد بات مرشحاً لجولات أخرى من سباقات التسلح، في ضوء غياب الإرادة الدولية لوقف التدخلات الخارجية وصولاً إلى وقف الحرب، ويلقي المحللون باللائمة على الموقف الأميركي الذي يبدي كثيراً من «الميوعة» حيال التوصل لحل حاسم في هذا الملف. ويقول مركز «كارنيغي» للشرق الأوسط في دراسة حديثة «إن الانخراط الأميركي القوي والمتوازن، والأكثر اتّساقاً مع الوقائع المحلية، على عكس تصريح ترامب، سيكون حاسماً»، وينصح الحكومة الأميركية، بما فيها الكونغرس «منع الجهات الفاعلة الإقليمية عن التدخّل أكثر، من خلال تسليط الضوء علناً على الانتهاكات التي ترتكبها هذه الدول لقرار الأمم المتحدة بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا».

المزيد من بوابة الوسط