جريدة «الوسط»: غريان تغير حسابات «حرب العاصمة»

قوات تابعة لعملية بركان الغضب داخل مدينة غريان، 26 يونيو 2019، (الإنترنت)

سجل المشهد العسكري في ليبيا خلال الأربع وعشرين ساعة الأخيرة تطوراً ميدانياً نوعياً لافتاً، منذ اندلاع حرب العاصمة طرابلس في الرابع من شهر أبريل الماضي، وذلك مع إعلان قوات حكومة الوفاق سيطرتها على مدينة غريان، وهي أول مدينة وقعت تحت سيطرة الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، وهي المعقل الأهم لهذه القيادة في المنطقة الغربية، إذ توجد فيها غرفة العمليات الرئيسة، تحت إمرة عبدالسلام الحاسي، ما أعطى إشارات دالة للمراقبين بأن مقبل الأيام سيحمل حسابات جديدة على صعيد موازين القوى بين طرفي الحرب، وسيلقي ذلك حتماً بظلاله على المسار السياسي للأزمة الليبية.

ولم تتوقف تطورات هذا الأسبوع عند محاور القتال، إذ كان التوزيع العادل للثروة النفطية محوراً رئيساً للقاءات المبعوث الأممي غسان سلامة مع مسؤولين ومشايخ في المنطقة الشرقية هذا الأسبوع، والذين عبروا عن استيائهم مما وصفوه بسوء توزيع ثروات البلاد بين شرق البلاد وغربها، ويقول محللون إن اللقاءات التي أجرتها نائبة رئيس البعثة الأممية، ستيفاني وليامز، أثمرت مع محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير ونائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق كانت استجابة سريعة من البعثة الأممية لشكاوى المنطقة الشرقية في هذا الشأن.

ومع استمرار ارتفاع فاتورة ضحايا الحرب على العاصمة طرابلس، أعلنت منظمة الصحة العالمية في ليبيا مقتل 739 شخصاً، وإصابة 4407 آخرين، منذ اندلاع الاشتباكات بين قوات الجيش التابعة للقيادة العامة وأخرى تابعة لحكومة الوفاق، وعلى نحو مفاجئ جاء إعلان الناطق باسم قوات حكومة الوفاق، العقيد محمد قنونو، أن «مدينة غريان تحت سيطرة قواته بالكامل»، موضحاً أن «سلاح الجو الليبي نفذ ثماني ضربات دقيقة للسيطرة على مدينة غريان»، مضيفاً أن «القصف استهدف غرفة العمليات الرئيسة»، وعقب هذا الإعلان كانت دعوة المجلس الرئاسي لأهالي غريان إلى التعاون مع قواته والأجهزة التابعة له، معتبراً أن السيطرة على هذه المدينة «في إطار تحقيق ما أعلنه من تحول من الدفاع إلى الهجوم».

للاطلاع على العدد 188 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

جاء هذا الإعلان بموازاة تحركات سياسية لكافة أطراف المشهد، إذ اتخذ رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج وجهة جديدة نحو القارة الأفريقية، إذ وجه رسالة إلى الاتحاد الأفريقي خلال زيارة إلى الكونغو ـ دعا خلالها للتحرك و«تصحيح» موقفها حيال الوضع الراهن في ليبيا، مستغرباً أن «يبقى الاتحاد الأفريقي صامتاً، فيما تُقصف عاصمة أفريقية دون أن يتخذ موقفاً حازماً تجاه المعتدي».

وحاول السراج استقطاب دعم أفريقي لمبادرة حل الأزمة خلال لقائه رئيس الكونغو الديمقراطية رئيس اللجنة الأفريقية رفيعة المستوى المعنية بليبيا، دينس ساسو نغسو، في العاصمة برازافيل أمس الأربعاء، وقال رئيس المجلس الرئاسي: «إنه يدرك جيداً أن حل الأزمة هو حل سياسي، ومن هنا جاءت المبادرة التي أطلقها للخروج من الأزمة الراهنة، والوصول إلى وضع سياسي مستقر، وتبدأ بعقد ملتقى ليبي، يشارك فيه جميع الليبيين المؤمنين بالحل السلمي والدولة المدنية الرافضين عسكرة الدولة».

في توقيت متزامن احتضنت مدينة الصخيرات المغربية، الإثنين الماضي، اجتماعاً لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، خصص لقضايا الأمن والتحديات التي تواجه المنطقة وعلى رأسها التطورات الأخيرة في ليبيا.

واستبق مفوض السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي، إسماعيل شرقي، اجتماع الصخيرات بإجراء محادثات مع المبعوث الأممي غسان سلامة في العاصمة النرويجية أوسلو على هامش المؤتمر السنوي للوساطة في النزاعات.. وأوضح شرقي أن اللقاء خُصِص لـ«تقييم مشترك للوضع المروَّع في ليبيا، والذي يتطلب بذل جهود منسقة أكثر من أي وقت مضى لمساعدة الشعب الليبي على تصميم حل دائم للأزمة». في هذه الغضون، سيطر الملف النفطي على زيارة المبعوث الأممي إلى بنغازي ولقاءاته مع القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، ورئيس المجلس التسييري لبلدية بنغازي، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

للاطلاع على العدد 188 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وكان لقاء سلامة مع الأخير واضحاً في طرح مسألة التدقيق المحاسبي لإيرادات النفط، إذ قال عضو مجلس النواب زايد هدية في تصريحات صحفية إن «أعضاء البرلمان عبروا عن امتعاض من غياب التوزيع العادل للثروة لأهالي المنطقتين الجنوبية والشرقية»، متهمين الكبير بما وصفوه بـ«توجيه جزء كبير من ثروات الليبيين لدعم الميليشيات المسلحة».

لكن الاستدعاء الواضح للدور الأممي في هذا الملف جاء خلال لقاء مجموعة من مشايخ المنطقة الشرقية مع سلامة، إذ طالب الأمم المتحدة بضرورة العمل على تحقيق توزيع عادل للثروات الليبية. وبحث سلامة، خلال اجتماع الأحد الماضي، في مقر بعثة الأمم المتحدة في بنغازي مع المشايخ «أهمية جهود البعثة ووكالات الأمم المتحدة في تنمية المنطقة الشرقية»، وتطرق الاجتماع إلى البحث في إيجاد مخارج للأزمة الليبية، والعبور نحو مرحلة الاستقرار والأمن والازدهار.. وضم وفد المنطقة الشرقية قبائل المغاربة، والعواقير والمعدان والفواخر والزوية والتواجير والفرجان والعبيدات والمنفة.

في المقابل، وصل صدى لقاءات سلامة الأخيرة في بنغازي إلى مكتب محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير بالعاصمة طرابلس الثلاثاء الماضي، حيث أبلغ الكبير ستيفاني وليامز المستشار الاقتصادي للبعثة الأممية بـ«إجراءات المطابقة الشهرية لمبيعات النفط وإيراداته بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط»، وخُصِص اللقاء «لمناقشة آخر المستجدات بشأن سير إجراءات المراجعة الدولية لأعمال مصرف ليبيا المركزي بطرابلس والمصرف الموازي بالبيضاء».