«كارنيغي» يرصد أخطاء أميركا وحفتر في الاشتباكات.. والمفاوضات هي المخرج

حفتر وترامب (الإنترنت)

انتقد مركز «كارنيغي للشرق الأوسط» تعاطي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع حرب العاصمة طرابلس خصوصًا ما أسماه بـ«احتضان إدارة ترامب للقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر»، داعيًا إلى «انخراط أميركي قوي ومتوازن، وأكثر اتّساقاً مع الواقع المحلي الليبي عكس تصريح ترامب».

وأوصى «كارنيجي»، في دراسة حديثة، بالسعي نحو هدف جديد وهو «دفع النزاع إلى نقطة يكون فيها الطرفان مستعدان للموافقة على وقف إطلاق النار والعودة إلى العملية السياسية»، مشددًا على ضرورة أن تكون «هذه العملية شاملة، وتركّز بشكل خاص على المجتمعات المحلية في الشرق والجنوب».

وتشهد العملية السياسية تعثرًا في البلاد رغم المبادرة التي طرحها رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج لعقد ملتقى ليبي بالتنسيق مع البعثة الأممية، ووصفها رئيس الحكومة الموقتة عبدالله الثني بـ«المحاولة اليائسة في ظل تقدم قوات القيادة العامة نحو العاصمة طرابلس».

للاطلاع على العدد 187 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

واتهمت الدراسة ترامب بـ«سوء فهم عميق للمشهد المُفكّك وتوازن القوى في ليبيا»، لكنها اعتبرت أن «أكثر مايثير القلق ليس بالضرورة احتضانه لشخص يسعى إلى أن يحتكر السلطة – على رغم أن هذا الأمر مُقلق – بل نظرته المُخطئة لحفتر كشخصية قد تبدّل قواعد اللعبة وبإمكانها أن تحقّق في نهاية المطاف نوعاً من الوحدة وإضفاء الطابع المؤسسي لليبيا».

ورأت الدراسة أن «هذا التقدير يتجاهل إحدى الحقائق التي برزت خلال مرحلة ما بعد الثورة في ليبيا»، إذ أشارت إلى أنها «لم تتمكّن أي جهة مستقلة عسكرية أو سياسية من بسط هذا القدر من السيطرة والسيادة على كافة الأقاليم». لافتة إلى أن «الميليشيات ونخب الفصائل في ليبيا، بمن فيهم حفتر، مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة في إبقاء الصراع على نار خفيفة».

وتدور معارك جنوب العاصمة طرابلس منذ الرابع من أبريل الماضي بين قوات الجيش الليبي التابعة للقيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر، والقوات التابعة لحكومة الوفاق، وتقول منظمة الصحة العالمية إن عدد قتلى الحرب بلغ 691 قتيلاً، بينهم 41 مدنيًا، و4012 جريحًا، بينهم 135 مدنيًا.

الدراسة التي تحمل عنوان «حرب ليبيا المقبلة الأبدية: لماذا لا يكمن الحل في دعم ميليشيا ضد أخرى»، اقترحت على الدبلوماسيين الأميركيين العمل على ما وصفته بـ«منع حفتر من استغلال موارد ليبيا النفطية، كما فعلوا في العام 2018 عندما حاول نقل نفوذ المؤسسة الوطنية للنفط إلى سلطات موازية في المنطقة الشرقية».

وفي هذا السياق، نقل المركز عن دبلوماسيين أميركيين الأمل في «إدخال حفتر إلى العملية السياسية ومسلّمين ظاهرياً

بدعمه المفترض لإجراء انتخابات»، وفي المقابل «التزموا الصمت إزاء تحرّكه العسكري في منطقة فزان–جنوب ليبيا–في وقت سابق من هذا العام، في خطوة اعتبرها على الأرجح معسكر حفتر بأنها ضوء أخضر ضمني».

دعوة للحوار
ونصح المركز البحثي–الذي يتخذ من واشنطن مقرًا له–الإدارة الأميركية والكونغرس بمنع «الجهات الفاعلة الإقليمية عن التدخّل أكثر، من خلال تسليط الضوء علناً على الانتهاكات التي ترتكبها هذه الدول لقرار الأمم المتحدة بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا».

وفي العاشر من يونيو الماضي، اعتمد أعضاء مجلس الأمن الـ15 بالإجماع القرار رقم (2473) الذي طرحت مشروعه بريطانيا، ويمدد بموجبه الأذون الواردة في القرار 2420 (2018) بشأن التنفيذ الصارم لحظر توريد الأسلحة في أعالي البحار قبالة سواحل ليبيا، لمدة 12 شهرًا أخرى اعتبارًا من تاريخ هذا القرار في جلسة جرى خلالها مناقشة الحالة في ليبيا.

بيد أن القرار الذي اعتمده مجلس الأمن بالخصوص لم يتضمن «فرض إجراءات إضافية لتحسين ظروف تطبيق الحظر» بالرغم من ترحيب عدة دول بمسار عملية «صوفيا» الأوروبية الهادفة إلى مكافحة تجارة الأسلحة وتهريب النفط وأحد المعنيين بتنفيذ القرار.

ودعا الباحثان فريدريك ويري وعماد الدين بادي، في دراسة كارنيجي، «كبار ضباط الجيش الوطني الليبي الذين أظهروا تعاوناً يصبّ نحو إجراء حوار ومحادثات مع نظرائهم في الحكومة»، معتبرًا أن «استبدال حكومة الوفاق الوطني العاجزة بهيئة تضمّ عدداً أكبر من الأطياف الفاعلة وتكون شرعية، أمرٌ ضروري. وتفكيك مجموعة الميليشيات الغارقة في الفساد واللصوصية في طرابلس».

لكن الدراسة رأت أن تشكيل الحكومة وتفكيك الميليشيات «لن يتم إلا من خلال الجمع بين المفاوضات السياسية والأدوات التكنوقراطية، التي كانت تحقق تقدّماً ملموساً ولو بطيئاً قبل أن يشنّ حفتر هجومه في 4 أبريل، ولن تتمكن ليبيا من المضي قدماً من خلال دعم تحالف ميليشياوي على حساب تحالف ميليشياوي آخر».

في المقابل، حذرت الدراسة من الانعكاسات الخطيرة لاستمرار الحرب، مشيرة إلى أنه «سيكون بمثابة نعمة لإنعاش الإرهاب، ولاسيما لتنظيم الدولة الإسلامية الذي قد يشهد طفرة جديدة»، ولم تستبعد في الوقت نفسه «تعثّر إنتاج النفط، وتقويض أي فرصة لممارسة سياسات جامعة». بل ونبهت إلى أن هذا «الهجوم عزز نفوذ ميليشيات إقليم طرابلس التي تعهّد حفتر بتفكيكها. كما من المرجح أن يدفع هجومه بليبيا إلى دوامة اشتباكات منخفضة الوتيرة بين الميليشيات قد تدوم لسنوات.

للاطلاع على العدد 187 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ورصدت الدراسة ما اعتبرتها إساءة تقدير للعملية العسكرية التي قادها نحو طرابلس في أبريل الماضي،، إذ انتقدت «رهانه على أن الانقسامات الداخلية ستمنع مصراتة من التوصل إلى اتفاق بشأن رد فعلها إزاءه»، لكنها رأت أن «البعض في مصراتة اعتبروا هجومه المفاجئ بمثابة خيانة، في حين نظر إليه البعض الآخر على أنه تهديد وجودي. والنتيجة كانت تعبئة شعبية على نطاق المدينة بأسرها بدلاً عن ذلك».

كما رأى الباحثان أن «التشكيلات المسلحة في غرب البلاد على عكس نموذج القوات المسلحة العربية الليبية، إذ أن الكثير منها–بمن فيها مقاتلون ثوار وإسلاميون وأمراء حرب وسلفيون محافظون – متغلغلة في مجتمعاتها المحلية، ونوهت الدراسة إلى أن حفتر «قلّل من شأن مهارة الميليشيات الليبية الغربية في التلاعب بالدول الخارجية لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري.

بعد أن قدّمت العديد من الجماعات المسلحة داخل وحول طرابلس نفسها إلى الولايات المتحدة والقوى الأوروبية كشركاء في مكافحة الإرهاب وإدارة ملف الهجرة».

وتوقع الدراسة أن «تواصل الميليشيات في غربي البلاد استغلال الانقسامات الدولية والدعم الخارجي. وسيشمل ذلك الأسلحة والمعدات»، وضربت مثلًا بعدة وقائع من بينها «زيارة وزير الداخلية المفوض فتحي باشاغا إلى تركيا، وإلقاء الجيش الوطني الليبي القبض على طيار أُسقطت طائرته الحربية التابعة للحكومة المركزية زُعم أنه برتغالي الجنسية».