«عدم الثقة» والإقصاء يجهضان مبادرات حل الأزمة الليبية

قوات تابعة لحكومة الوفاق تطلق النار على مواقع للجيش الوطني على طريق المطار جنوب طرابلس. (أ ف ب)

رغم الترحيب الدولي والأوروبي بمبادرة رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج لوقف حرب العاصمة طرابلس التي انتصف شهرها الثالث، إلا أن المواقف وردود الفعل الداخلية من هذه الخطوة السياسية التي روج لها المبعوث الأممي غسان سلامة لم تكن إيجابية، وأعادت–وفق مراقبين–التأكيد على غياب أرضية الثقة بين الطرفين وهي الشرط الأساسي للدخول في عملية سياسية، ومن ثم تضاؤل احتمالات وقف إطلاق النار قريبا في معركة طرابلس.

يوم الأحد الماضي، وبعد أيام من تأكيدات سلامة أن أطراف الأزمة سيطرحون مبادرات للحل، جاء إعلان السراج عن مبادرته التي تشمل الدعوة لملتقى ليبي بالتنسيق مع البعثة الأممية، وبتمثيل جميع مكونات الشعب الليبي ومن جميع المناطق، والاتفاق على القاعدة الدستورية المناسبة خلال المؤتمر، لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل نهاية 2019، ويتم تسمية لجنة قانونية مختصة من قبل المؤتمر، لصياغة القوانين الخاصة بالاستحقاقات التي يتم الاتفاق عليها.

للاطلاع على العدد 187 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

كما شملت المبادرة أن يقوم المؤتمر باعتماد القوانين الخاصة بالعملية الدستورية والانتخابية المقدَّمة من اللجنة القانونية، مع تحديد مواعيد الاستحقاقات، ثم إحالتها إلى المفوضية العليا للانتخابات، ودعوة المؤتمر لمجلس الأمن والمجتمع الدولي لتأييد هذا الاتفاق، وتكون مخرجاته ملزمة للجميع، والتي ستفضي إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل نهاية العام 2019، وبالإعداد والتنظيم اللوجستي والأمني من قبل الأمم المتحدة، ويدعو جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، لتقديم الدعم اللازم لإنجاح العملية الانتخابية.

ومن بين بنود المبادرة أيضًا، تشكيل لجان مشتركة بإشراف الأمم المتحدة، ومن المؤسسات التنفيذية والأمنية الحالية في كافة المناطق، لضمان توفير الإمكانات والموارد اللازمة للعملية الانتخابية، بما في ذلك الترتيبات الأمنية الضرورية لإنجاحها، والاتفاق من خلال المؤتمر على آليات تفعيل الإدارة اللامركزية، والعدالة التنموية الشاملة لكل مناطق ليبيا، التي تلتزم بها الأجسام السياسية الجديدة، مع ضمان معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة.

الحل العسكري
وبعد ساعات من الإعلان عن هذه المبادرة، جاءت تصريحات السراج، التي أكد فيها أنه «لن يجلس مجددًا» مع المشير خليفة حفتر للتفاوض على إنهاء الحرب، معتبرًا في حوار مع وكالة «رويترز» «أن حفتر أثبت خلال السنوات القليلة الماضية أنه ليس شريكًا للعملية السياسية». وأردف بالقول: «إن حفتر يحاول فقط كسب الوقت» في الوقت الذي يهاجم العاصمة طرابلس بطائراته.

لكن رئيس المجلس تحدث عن الحل العسكري أيضًا، إذ قال «إن قوات الوفاق تعمل على الدفاع عن العاصمة، وفي الأيام المقبلة ستسمعون أخبارًا إيجابية عن تقدم»، دون أن يوضح أي تفاصيل للوكالة. وعن دعوات وقف إطلاق النار، قال السراج:«لا يمكن أن تسأل شخصًا يدافع عن نفسه أن يوقف إطلاق النار».

وعلى نحو متوقع، جاء موقف المجلس الأعلى للدولة الداعم للمبادرة، معتبرًا أنها «تمثل أساسًا يمكن الانطلاق منه لعقد ملتقى وطني يتفق فيه الليبيون على خطوات من شأنها إنهاء الانقسام»، مشيرًا إلى أن «أعضاء المجلس بحثوا في الجلسة رقم 42 المبادرة حول العودة للعملية السياسة وجرى تكليف اللجان الفنية بدراسة الملاحظات التي أبديت حول المبادرة وعرضها بشكل نهائي على المجلس في الجلسة القادمة».

وتدور معارك جنوب العاصمة طرابلس منذ الرابع من أبريل الماضي بين قوات الجيش الليبي التابعة للقيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر، والقوات التابعة لحكومة الوفاق، وتقول منظمة الصحة العالمية إن عدد قتلى الحرب بلغ 691 قتيلاً، بينهم 41 مدنيًا، و4012 جريحًا، بينهم 135 مدنيًا.

موقف حفتر والثني وعقيلة
وفي المعسكر الآخر، لم تأت ردود الفعل إيجابية على مبادرة السراج، إذ اعتبر القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر في حوار مع جريدة «المرصد»، أنها «تفتقد للجدية وخالية من بنود معالجة أسباب الأزمة» واصفًا إياها بأنها «عبارة عن صدى لكلام غسان سلامة المكرر»، وقال «المبادرات لا معنى لها ما لم تكن شجاعة وتحمل بنوداً صريحة تمس صلب الأزمة وتعالجها جذرياً ، ولذا فهي غير ذات قيمة وردنا عليها هو ذات ردنا على ما قاله سلامة سابقاً»، مؤكد أيضًا على الحل العسكري بالقول «لن تتوقف العملية العسكرية قبل أن تنجز كافة أهدافها».

أما رئيس الحكومة المؤقتة عبدالله الثني، فقد وصف المبادرة بـ«المحاولة اليائسة في ظل تقدم قوات القيادة العامة نحو العاصمة طرابلس». وقال الثني، في مقابلة مع قناة سكاي نيوز عربية، إنها «جاءت في الوقت الضائع»، مضيفًا أنه «كان عليه أن يقترحها سنة 2016، عندما شكلت حكومة وحدة وطنية حظيت بدعم دولي، إلا أنه لم ينفذ تعهداته بموجب اتفاق الصخيرات، وخصوصًا ما يتعلق بحل الميليشيات وتسليم أسلحتها واندماجها في مؤسسات الدولة الرسمية»، حسب قوله.

وأرجع الثني طرح السراج هذه المبادرة إلى «إدراكه تخلي المجتمع الدولي عنه، وعجز الميليشيات عن الصمود أمام تقدم الجيش الليبي في طرابلس». وتابع أن «السراج ليس صاحب قرار وسلطة حقيقية، لأن من يمتلك ذلك هم الميليشيات الإرهابية التي تستغل واردات النفط في أعمالها التخريبية».

وكان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أكد الأسبوع الماضي إنه لا يمكن إجراء محادثات سلام مع السلطة في طرابلس قبل تطهير العاصمة من الإرهاب. كما رفض صالح أي اقتراح بانسحاب الجيش الوطني الليبي أو الموافقة على وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن «العملية العسكرية يجب أن تحسم. والحل السياسي يجب في كل الأحوال أن يأتي حتى بعد تحرير العاصمة الليبية. الحوار لم يكن فيه فائدة بسبب التدخل الخارجي».

موقفا حفتر والثني جاءا مناقضين للموقف الدولي الذي رحب بالمبادرة بعد إطلاقها، إذ وصفت البعثة في تعليقها مبادرة السراج بأنها «بناءة للدفع بالعملية السياسية قدماً من أجل إنهاء حالة النزاعات الطويلة في ليبيا». وأكدت البعثة، أنها ترحب «بهذه المبادرة وبأي مبادرة أخرى تقترحها أي من القوى الرئيسية الفاعلة في ليبيا.. وتعرض مساعيها الحميدة على كل الأطراف في سبيل مساعدة ليبيا على الخروج من مرحلتها الانتقالية الطويلة نحو مرحلة السلام والاستقرار والازدهار.

لغة الترحيب نفسها جاءت في موقف الاتحاد الأوروبي، الذي أكد على لسان ناطقه الرسمي أنه «لطالما كان داعما لأي اقتراح بناء لدفع العملية السياسية في ليبيا، تحت رعاية الأمم المتحدة، ووضع حد للصراع والانقسام». واصفا مبادرة السراج بأنها «خطوة في هذا الاتجاه»، أما إيطاليا فقد أكدت «دعمها إيطاليا لجهود المبعوث الأممي في ليبيا غسان سلامة ومبادرة الملتقى الوطني التي أعلنها رئيس المجلس الرئاسي اليوم، لاستنئاف المفاوضات من أجل تحقيق الاستقرار في البلاد» وفق تصريحات لوزير الخارجية الإيطالي إينزو ميلانيزي.

للاطلاع على العدد 187 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

لكن، الولايات المتحدة لم تصدر بيانا رسميا بشأن المبادرة وهو ما أثار تساؤلات مراقبين ومحللين، ويقول بيل فيشمان الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى «يجب على البيت الأبيض أن يدرس بيانا سياسيا حاسما بشأن ليبيا في أسرع وقت ممكن».

ويضيف «من دون تقديم إيضاحات، ستبقى الحكومة الأميركية معطلة ومتحيزة بين الدعم الغامض لحكومة الوفاق، وعدم الرغبة في تقويد تواصل الرئيس الأميركي مع حفتر»، داعيا واشنطن إلى أن تكون «حاضرة على طاولة المفاوضات ممثلة في كبار المسئولين عند استئناف عملية التفاوض».

أما تركيا فقد رحبت بمبادرة رئيس المجلس الرئاسي ، مؤكدة في بيان صادر عن وزارة الخارجية التركية، مواصلة «تركيا دعم الجهود البناءة القائمة على الحوار الشامل والمصالحة بغية تحقيق تقدم على صعيد العملية السياسية في ليبيا وضمان الاستقرار الدائم في البلاد» وفق تعبيرها. ويقول مراقبون إن استمرار غياب الثقة المتبادل بين أطراف الأزمة يبقي المواقف الدولية محدودة التأثير، خصوصا أن المواقف ورغم تباينها أكدت على مضي الحل العسكري إلى جانب السياسي، ووضعت السلاح على طاولة المفاوضات السياسية، مما يعني منح مزيد من الوقت لمفاوضات النيران.