جريدة «الوسط»: «حوار الطرشان» يجهض مبادرات حل الأزمة الليبية

القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، (الإنترنت: أرشيفية)

دخل الخطاب السياسي الذي طرحه رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج تحت مسمى مبادرة لوقف حرب العاصمة، سياق «حوار الطرشان»، بعد أن قوبلت برفض من فريق القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، عبر عنه رئيس الحكومة الموقتة، عبدالله الثني، الذي كان أول المنتقدين للمبادرة، واصفاً إياها بأنها «جاءت في الوقت الضائع»، رغم ما لقيته من ترحيب دولي وأوروبي في مقابل تحفظ دول الجوار الليبي، ما أعاد التأكيد على غياب أرضية الثقة بين الطرفين، مع تمسك كل طرف بعدم الاعتراف بالآخر، ومن ثم تضاؤل احتمالات وقف إطلاق النار قريباً في معركة طرابلس.

يوم الأحد الماضي، وبعد أيام من تأكيدات سلامة أن أطراف الأزمة سيطرحون مبادرات للحل، جاء إعلان السراج عن مبادرته التي شملت الدعوة إلى ملتقى ليبي بالتنسيق مع البعثة الأممية، وبتمثيل جميع مكونات الشعب الليبي ومن جميع المناطق، والاتفاق على القاعدة الدستورية المناسبة خلال المؤتمر، لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل نهاية 2019، وتتم تسمية لجنة قانونية مختصة من قبل المؤتمر، لصياغة القوانين الخاصة بالاستحقاقات التي يتم الاتفاق عليها. لكن، وبعد ساعات من الإعلان عن هذه المبادرة.

جاءت تصريحات السراج، التي أكد فيها أنه «لن يجلس مجدداً» مع المشير خليفة حفتر للتفاوض على إنهاء الحرب، معتبراً في حوار مع وكالة «رويترز» «أن حفتر أثبت خلال السنوات القليلة الماضية أنه ليس شريكاً للعملية السياسية». وأردف بالقول: «إن حفتر يحاول فقط كسب الوقت» في الوقت الذي يهاجم العاصمة طرابلس بطائراته. وتحدث رئيس المجلس عن الحل العسكري أيضاً، إذ قال «إن قوات الوفاق تعمل على الدفاع عن العاصمة، وفي الأيام المقبلة ستسمعون أخباراً إيجابية عن تقدم»، دون أن يوضح أي تفاصيل للوكالة.
وعن دعوات وقف إطلاق النار، قال السراج: «لا يمكن أن تسأل شخصاً يدافع عن نفسه أن يوقف إطلاق النار». ويلاحظ مراقبون أن السراج يُصرّ منذ أكثر من شهرين على أن «حفتر لم يعد محاوراً مقبولاً»، مما يجعل مبادرته مثيرة للجدل مع اقتراحه تنظيم حوار وطني مدعوم دولياً.

للاطلاع على العدد 187 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وتدور معارك جنوب العاصمة طرابلس منذ الرابع من أبريل الماضي بين قوات الجيش الليبي التابعة للقيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر، والقوات التابعة لحكومة الوفاق، وتقول منظمة الصحة العالمية إن عدد قتلى الحرب بلغ 691 قتيلاً، بينهم 41 مدنياً، و4012 جريحاً، بينهم 135 مدنياً. وفي المعسكر الآخر، لم تأت ردود الفعل إيجابية على مبادرة السراج، إذ اعتبر القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر في حوار مع جريدة «المرصد» أنها «تفتقد الجدية وخالية من بنود معالجة أسباب الأزمة» واصفاً إياها بأنها «عبارة عن صدى لكلام غسان سلامة المكرر»، مؤكداً أيضاً على الحل العسكري بالقول «لن تتوقف العملية العسكرية قبل أن تنجز كافة أهدافها». أما رئيس الحكومة الموقتة عبدالله الثني، فقد وصف المبادرة بـ«المحاولة اليائسة في ظل تقدم قوات القيادة العامة نحو العاصمة طرابلس».

وقال الثني، في مقابلة مع قناة «سكاي نيوز» عربية، إنها «جاءت في الوقت الضائع»، مضيفاً أنه «كان عليه أن يقترحها سنة 2016، عندما شكلت حكومة وحدة وطنية حظيت بدعم دولي، إلا أنه لم ينفذ تعهداته بموجب اتفاق الصخيرات، وخصوصاً ما يتعلق بحل الميليشيات وتسليم أسلحتها واندماجها في مؤسسات الدولة الرسمية»، حسب قوله. موقفا حفتر والثني جاءا مناقضين للموقف الدولي الذي رحب بالمبادرة بعد إطلاقها، إذ وصفت البعثة في تعليقها مبادرة السراج بأنها «بناءة للدفع بالعملية السياسية قدماً من أجل إنهاء حالة النزاعات الطويلة في ليبيا».

وأكدت البعثة أنها ترحب «بهذه المبادرة وبأي مبادرة أخرى تقترحها أي من القوى الرئيسية الفاعلة في ليبيا.. وتعرض مساعيها الحميدة على كل الأطراف في سبيل مساعدة ليبيا على الخروج من مرحلتها الانتقالية الطويلة نحو مرحلة السلام والاستقرار والازدهار. لغة الترحيب نفسها جاءت في موقف الاتحاد الأوروبي، الذي أكد على لسان ناطقه الرسمي أنه «لطالما كان داعماً لأي اقتراح بنَّاء لدفع العملية السياسية في ليبيا، تحت رعاية الأمم المتحدة، ووضع حد للصراع والانقسام». واصفاً مبادرة السراج بأنها «خطوة في هذا الاتجاه»، أما إيطاليا فقد أكدت «دعمها جهود المبعوث الأممي في ليبيا غسان سلامة ومبادرة الملتقى الوطني التي أعلنها رئيس المجلس الرئاسي اليوم، لاستئناف المفاوضات من أجل تحقيق الاستقرار في البلاد» وفق تصريحات لوزير الخارجية الإيطالي إينزو ميلانيزي.

للاطلاع على العدد 187 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

لكن، الولايات المتحدة لم تصدر بياناً رسمياً بشأن المبادرة وهو ما أثار تساؤلات مراقبين ومحللين، ويقول بيل فيشمان الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى «يجب على البيت الأبيض أن يدرس بياناً سياسياً حاسماً بشأن ليبيا في أسرع وقت ممكن».

أما دول الجوار الليبي الرئيسة (تونس الجزائر ومصر) فقد قررت نقل معركة الضغط على الأطراف المتصارعة في طرابلس إلى أروقة مجلس الأمن بعدما فشلت في إخماد نيران الحرب، في وقت بدت مواقفها من مبادرة رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج المشروطة متريثة ومتحفظة لتجاهلها الكامل الطرف الآخر في النزاع. وأعلنت الحكومة التونسية التي اُنتخبت لتوها عضواً لمدة عامين في مجلس الأمن الدولي الحرص على تنفيذ كل مقررات الأمم المتحدة الخاصة بالملف الليبي، وبينها التسوية السياسية للنزاع، ووقف القتال في طرابلس ورفض كل أنواع الشراكة مع الإرهابيين والمجموعات الإرهابية.

ويرى مراقبون أن استمرار غياب الثقة ورغبة الإقصاء المتبادلة بين أطراف الأزمة يبقيان المواقف الدولية محدودة التأثير، خصوصاً أن المواقف ورغم تباينها أكدت على مضي الحل العسكري إلى جانب السياسي، ووضعت السلاح على طاولة المفاوضات السياسية، مما يعني منح مزيد من الوقت لإطالة أمد الحرب.

كلمات مفتاحية