جريدة «الوسط»: فشل دولي في وقف تدفق السلاح إلى ليبيا

مقاتل يطلق الرصاص من سلاحه (الإنترنت)

مع تواصل ارتفاع فاتورة الخسائر البشرية والمادية لحرب العاصمة طرابلس، والتي أسفرت منذ اندلاعها في الرابع من أبريل الماضي عن مقتل مئات الأشخاص وإصابة الآلاف، ووسط تصاعد مظاهر التحشيد وفرض واقع جديد على محاور أخرى–ربما تكون منتظرة–بقي مجلس الأمن دون التوقعات التي رافقت مواقفه منذ اندلاع الأزمة واكتفى بقراره رقم 2420، وهو تمديد لقراره السابق بالخصوص، ما أثار انتقادات متابعين ومحللين.

وجاء القرار فيما تجاوزت حرب العاصمة شهرها الثاني، وفوضت الدول الأعضاء لتفتيش سفن يعتقد أنها تنتهك حظر توريد الأسلحة في أعالي البحار قبالة السواحل مع تساؤلات المراقبين حول ما إذا كان هذا القرار قابلًا للتنفيذ على الأرض أم أنه «رفع ملام» عن المنظومة الأممية أما مشهد تدفق السلاح إلى ليبيا، ما يطيل أمد الحرب ويضاعف معاناة الليبيين، وتخوفهم من اتساع رقعة الحرب في البلاد، سيما وأن القرار ترك 11 شهرًا آخر، كمدى زمني لتقديم تقرير إلى الأمم المتحدة بشأن الالتزام بحظر الأسلحة، علاوة على افتقاد هذا القرار لآليات تضمن تطبيقه على الأرض.

وتسجل الخسائر البشرية لمعارك الكر والفر بين قوات الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر وقوات حكومة الوفاق تصاعدًا كبيرًا، إذ لقي 653 شخصًا مصرعهم وأصيب 3547 آخرون، بينهم 126 مدنيًا، منذ اندلاع الاشتباكات بالقرب من العاصمة طرابلس (حسب منظمة الصحة العالمية)، في حين تعرض مطار معيتيقة لقصف بالطيران الحربي مرتين خلال 24 ساعة الماضية.

للاطلاع على العدد 186 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

رغم ذلك، اكتفى مجلس الأمن بتجديد تفويض الدول الأعضاء لتفتيش سفن يعتقد أنها تنتهك حظر توريد الأسلحة في أعالي البحار قبالة سواحل ليبيا، وأكد «ضرورة التنفيذ الصارم لحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا» بعدما مدد قراره بالخصوص لعام واحد، وطالب الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقرير عن تنفيذه في غضون 11 شهرًا، فيما عبّر عدد من أعضاء المجلس عن أسفهم لتدفق أسلحة إلى ليبيا منذ شهرين.

لكن مراقبين يقولون إن القرار الذي طرحته بريطانيا واعتمده أعضاء مجلس الأمن بالإجماع لم يتضمن «فرض إجراءات إضافية لتحسين ظروف تطبيق الحظر» بالرغم من ترحيب عدة دول بمسار عملية «صوفيا» الأوروبية الهادفة إلى مكافحة تجارة الأسلحة وتهريب النفط وأحد المعنيين بتنفيذ القرار. ومنذ عام 2011، أبقى المجلس على حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا وتصديرها منها لمنع انتشار الأسلحة في المنطقة، والإسهام في منع العنف ضد المدنيين، ودعم الانتقال السياسي في ليبيا، لكن عملية صوفيا في البحر المتوسط طرحت نفسها بشدة على جلسة مجلس الأمن الإثنين الماضي، إذ اعتبرت مساعدة المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة آن غغان أنّها «تحتفظ بدور بارز لاستقرار ليبي»، مشيرة إلى أن «طبيعة (العملية) الردعية تحدّ من انتهاكات قرار حظر الأسلحة وتقلل من تدفقها المتواصل عبر البحر».

وأضافت غغان «إذا كان قد جرى تعليق (استخدام) الأدوات البحرية للعملية موقتاً، فإنّها أعادت توجيه عملها وظلت نشطة لتنفيذ التفويض من خلال عملها على تدريب خفر السواحل الليبيين ومن خلال أدواتها الجوية الهادفة إلى جمع المعلومات والبيانات الضرورية لحفظ حظر الأسلحة». وبدأت عملية «صوفيا» عام 2015 بهدف مكافحة شبكات تهريب المهاجرين، وجرى تمديدها نهاية مارس لستة أشهر، حتى 30 سبتمبر 2019. وتخلل ذلك تعليق العملية «مو قتاً» بسبب رفض إيطاليا التي تقودها السماح لمهاجرين أنقِذوا في البحر من النزول في مرافئها.

وفي هذه الأثناء يواصل المبعوث الأممي غسان سلامة جهوده في محاولة تحشيد دولي لوقف القتال في طرابلس وإعادة أطراف العملية السياسية إلى طاولة المفاوضات، وبعد زيارته الرسمية إلى روسيا الأسبوع الماضي، التقى سلامة مع كل من السفير الإيطالي في ليبيا جوزيبي بوتشينو ووزير الخارجية بحكومة الوفاق محمد الطاهر سيالة ووفد من السياسيين والأكاديميين والإعلاميين الأوروبيين الذين يزورون ليبيا بصفة شخصية، لكن المبعوث الأممي لم يخف إحباطه من عدم حسم مجلس الأمن لقرار وقف إطلاق النار، وقال في تصريحات ملفتة«إن الأمم المتحدة وخصوصًا مجلس الأمن عندما تكون مجرد صدى للنزاعات الداخلية تفقد أي صدقية، وبالتالي على الموقف الدولي حفاظًا على صدقية مجلس الأمن ومبدأ الأمن الجماعي والدور الإيجابي للأمم المتحدة في الأمن والاستقرار، العودة إلى دور المعالج» لهذه الأزمات، بل إن سلامة أمام كل ذلك هب إلى وصف الحديث عن حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا بـ«النكتة السمجة»!

للاطلاع على العدد 186 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وعلى صعيد الموقف الدولي ما يزال الموقف الأميركي محل تساؤلات واسعة من المتابعين للشأن الليبي، منذ خبر المكالمة الشهيرة التي أعلن عنها بين الرئيس ترامب والمشير حفتر، إذ نفى مسؤول رفيع في البيت الأبيض التقارير الإعلامية التي تحدثت عن أن ترامب سيستقبل المشير خليفة حفتر في واشنطن الشهر الجاري بناء على دعوة من الرئيس الأميركي، بعد تداول بعض وسائل الإعلام الإشارة إلى هذه الزيارة.

في المقابل زار نائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق واشنطن، حيث أعلن من هناك أن واشنطن أكدت دعمها حكومته، داعياً في الوقت نفسه أميركا إلى الضغط على حلفائها العرب لوقف دعمهم حفتر، وإلى «استخدام نفوذها لعزل حفتر الذي تدعمه دول عربية حليفة للولايات المتحدة»، مضيفًا: «لا نطلب من الولايات المتحدة دعماً مالياً أو عسكرياً. ما نحن بحاجة إليه هو مساعدة دبلوماسية محددة».

وفي روسيا لم يستبعد نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، حدوث اتصالات مع المشير خليفة حفتر، في رد على سؤال حول احتمال زيارة حفتر إلى موسكو، قائلًا: «كل شيء ممكن، طبعًا كل شيء ممكن».

ومع استمرار المراوحات الدولية بين أطراف الصراع الداخلي، وعجز مجلس الأمن عن إصدار قرار حاسم يحقن دماء الليبيين، يبقى التساؤل قائمًا حول المدى الزمني الذي ستستغرقه الحرب في العاصمة طرابلس، واحتمالات اتساعها لتصبح كما يتخوّف الكثيرون، وبينهم المبعوث الأممي غسان سلامة «حرباً أهلية واسعة»، أما الانقسام المستمر في مجلس الأمن، وعدم ظهور مؤشرات عملية لتوحيد موقف القوى الدولية المؤثرة.

المزيد من بوابة الوسط