سلامة من موسكو: الوضع الحالي في ليبيا لا يقتل العملية السياسية لكن يضعها بين هلالين

مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة. (أرشيفية: الإنترنت)

أكد مبعوث الأمم المتحدة رئيس بعثتها للدعم في ليبيا، غسان سلامة، أن المنظمة الدولية «لا ترغب بالتدخل في شؤون الليبيين»، مشددا على أنه «يتعين وجود رقابة دولية على موارد البلاد».

وقال سلامة في مقابلة مع برنامج «قصارى القول» المذاع على قناة «روسيا اليوم»، الخميس، إنّ «جوهر الأزمة في ليبيا هو صراع على الثروة يتخذ شكل الصراع على السلطة»، معربا عن أسفه لاندلاع القتال في طرابلس.

وأكد سلامة أن مبادرات التقارب التي أطلقها خلال الفترة الماضية بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي والمشير خليفة حفتر والتشكيلات المسلحة وتعزيز دور وزارة الداخلية في طرابلس والدعوة للملتقى الوطني في غدامس كانت تهدف إلى «تجنب المواجهة العسكرية».

اقرأ أيضًا.. المبعوث الأممي في مناسبة عيد الفطر: أتمنى أن تصمت المدافع

وأوضح سلامة أن «المواجهة العسكرية كانت خطر قائم باستمرار بسبب التوزيع العظيم للسلاح بين أيدي الناس والتشكيلات المسلحة على اختلافها، لكن كنا قد اقتربنا من مخرج عندما اندلع القتال في طرابلس ومحاولة صده من قبل التشكيلات المسلحة في طرابلس ومن خارجها التي اتت لنصرتهم».

المبعوث الأممي يؤكد أنه دوره محايد في ليبيا 
واعتبر سلامة أن هذا الوضع «يضع العملية السياسية بين هلالين ولا أقول يقتلها أو يصيبها في مقتل... ريثما نعود لوقف القتال وإسكات المدافع للعودة إلى طاولة المفاوضات»، معتبر أن «هذا وقت نخسره» لكنه أعرب عن أمله في أن «يكون أقصر وقت ممكن».

وشدد المبعوث الأممي في حديثه مبررا استخدامه لتعبير «التشكيلات المسلحة» لأنه «محايد» وأوضح أن في ليبيا هناك مجموعة من التشكيلات والأطراف المسلحة «التي لديها أهداف مختلفة» منها «تجمعات عشائرية أو مدينية تقوم بالدفاع عن نفسها» و«عصابات تقوم بمحاولة الإثراء غير المشروع باستخدام السلاح» و«تنظميات إرهابية» وأخرى «تكاد تكون إرهابية» وأيضا «تنظيمات فتوة كما كانت تسمى في العصر العثماني وهي تنظيمات مدينية وهي تجمعات محلية مسلحة».

وبيّن سلامة أن هذه المسميات «لها ماضي مختلف ومستقبل مختلف»، لافتا إلى أن الحكومات الليبية المتعاقبة منذ العام 2011 «بعضها توسع في جعل أطراف مسلحة تنضوي تحت إطار الدولة وأدخل في وزارة الداخلية والدفاع ووزارات أخرى ربما أطراف غير مهيئين للعب دور الشرطة أو الجيش».

اقرأ أيضًا.. «الأمم المتحدة» تؤكد فرار أكثر من 82 ألف شخص بسبب حرب العاصمة

وأكد سلامة على أنه «مهما حصل في المواجهة الحالية فإننا أمام تحد إعادة تأهيل وتشكيل وربما فرز العناصر التي لا يجب أن تكون حيث دخلت في عملية ضم جماعية للشرطة او الجيش لأطراف لا يستحقون أن يكونا جزء من هذه الأجسام». 

ليبيا أصعب تعقيدًا من الوضع في العراق وليبيا
واعتبر المبعوث الأممي أن الوضع في ليبيا «أكثر تعقيدا من الوضع في لبنان والعراق» حيث يصعب اختيار ممثلين عن الأطراف الفاعلة لأن «ليبيا منذ العام 2011 تشظت إلى نوع من اللغز الواسع من المدن والقرى والتشكيلات المسلحة وانتشر فيها أمر غريب وهو أن الترسانة القذافية (من الأسلحة) ذهبت إلى السكان عموما».

وأوضح أنه «لذلك كل فرد في ليبيا بالمتوسط لديه ثلاث أو أربع أو خمس قطع سلاح»، منوها إلى أن عدد قطع السلاح في ليبيا يساوي «ثلاث أو أربع عدد أضعاف سكان البلد» و«جاء تدفق السلاح لاحقا ما ساهم في إبراز «الطموحات الفردية التي تبرز عنصر القبلي أو المحلي أو جهوي ولكن في الجوهر هناك صراع على الثروة يتخذ شكل صراع على السلطة لأن السلطة في ليبيا هي باب للثروة».

واعتبر سلامة أن غنى ليبيا «أصبح نوع من النقمة عليها بدل أن يكون فائدة لها لأن الخلافات والنزاعات في الدول الريعية تختلف جوهريا عنها في الدول الانتاجية أو الفقيرة»، مشيرا إلى أن التقديرات تقول إن دخل الدولة الليبية خلال العام الجاري سيكون حوالي «30 مليار دولار» من عائدات النفط «تذهب إلى نفس الطريقة التي كانت تذهب بها أيام القذافي إلى المصرف الليبي الخارجي الذي ينقلها إلى المصرف المركزي في طرابلس».

اقرأ أيضًا.. «كريزيس غروب» يقدّم رؤيته لحل أزمة حرب العاصمة طرابلس

وقال سلامة إن «هذا الأمر يشير إلى عمق المعضلة الليبية المتمثل في الخلاف على عملية توزيع الثروة لذلك لا اعتقد على الإطلاق أن هناك من حل سياسي ممكن في ليبيا دون أن يكون هناك وضع نسق أو نظام متكامل لتوزيع الثروة»، منبها إلى «أن تذهب الثروة إلى مكان محدد في العاصمة أو الشرق هذا أمر بات غير مقبول في ليبيا».

ولفت إلى أنه «أيام القذافي كانت هناك قيادة واحدة تقرر كيف توزع الثروة أو يعاد توزيعها أو شراء الأسلحة أو ما يذهب لحماية الحدود أو الدول الأفريقية أو الدعوة الإسلامية، لكن الأن لا توجد قيادة موحدة لتقرر ذلك»، مؤكدا أن «عليه أن يسعى كممثل للأمين العام للأمم المتحدة، ليس فقط إلى حل سياسي وإنما أيضا أن يكون هذا الحل السياسي لصيقًا ومتلازمًا مع حل نقدي ومالي لمعالجة طريقة توزيع الثروة».

ليبيا تعاني من صراع الثروة
وأوضح أنه بدأ في ذلك من خلال العمل مع «شركات أجنبية مراجعة مصادر دخل وسبل إنفاق المصرفين المركزيين في بنغازي والبيضا» لكنه نوه إلى أن هذه العملية «توقفت بسبب الهجوم الحالي» على طرابلس آملا أن يعود إليه قريبًا و«أن يتم ذلك من خلال توحيد مجلس إدارة المصرف المركزي لأنه طالما هناك مصرفان فهذا الأمر في غاية الخطورة».

وأضاف سلامة أنه يريد كذلك «أن تدخل في الموازنة شكل من أشكال الكوتة بمعنى أن يكون للجنوب الذي يحتاج الكثير وللشرق الذي يعتبر أن حقوقه مهضومة أن يكون هناك نوع من كوته من 10 إلى 20% للاستثمار في المنشآت على الأقل لفترة خمسة أو عشر سنوات من الموازنة الليبية لكي يتأكد المواطن الليبي من أنه ليس هناك من تفرقة على أساس الجهة أو على أساس مكان السكن».

وعن سبب عدم توجيه المال إلى صندوق برعاية وإشراف الأمم المتحدة، قال سلامة «لأن هذا يحتاج إلى مزيد من التعدي على السيادة الليبية لا الأمم المتحدة تريد أن تتعدى على السيادة الليبية ولا الليبيون يقبلون أن تكون إدارة صندوق الانفاق تحت إدارتنا هناك سابقة يعرفها أبناء المشرق وهو سيطرة الدول الغربية الخزانة العثمانية في آخر أيام السلطنة العثمانية وكان هذا يعتبر نموذجا للاستعمار ونحن لا نريد أن ندخل في هذا المنطق».

اقرأ أيضًا.. كارنيغي: الاقتصاد ساحة المعركة المقبلة في ليبيا

وتابع: «اعتقد أن بسبب الاسراف في إعادة صرف الثروة في الأماكن غير الضرورية وأحيانا على التشكيلات المسلحة وأحيانا بطريقة تهضم حقوق الشرق أو الجنوب فإنه من الضروري أن يكون هناك نوع من الرقابة الدولية ليس بديلا عن الليبيين ولكن رقابة دولية حول مصادر الأموال وسبل الانفاق»، موضحًا أنه «إن لم يحصل ذلك فسيبقى الذي حصل في سبتمبر الماضي (2018) عندما هاجمت ترهونة على طرابلس هو أن أهل ترهونة كانوا يعتبرون أن التشكيلات المسلحة داخل طرابلس بسبب وجودها داخل الوزارات هي التي تثتأثر بكامل الثروة فهي كانت تريد أن تدخل إلى طرابلس لإعادة توزيع الثروة».

وأوضح أنه قام «حين ذاك بإقناع الحكومة بأنه آن الآوان لاتخاذ بعض القرارات المالية والنقدية الضرورية لتحقيق التوازن في عملية الانفاق»، مشددا على حاجة ليبيا إلى «نظام يستمر لسنوات عديدة لإعادة الثقة بين المواطنين والدولة».