الحل الدبلوماسي «يغيب» على وقع طبول حرب «بالوكالة»

انتقل الملف الليبي بين عدة عواصم عالمية هذا الأسبوع بمزيد من التفاعلات والمداولات وقليل من الحلول، ورغم أن وقف إطلاق النار في العاصمة طرابلس كان المحور الرئيسي لمعظم هذه المداولات وعلى رأسها الأمم المتحدة في إحاطة المبعوث الأممي غسان سلامة، إلا أن مراقبين يقولون إن ترمومتر الأزمة يؤشر إلى أن فرص الحل ابتعدت كثيرًا لتتسع نحو حرب جديدة بالوكالة، بحكم تصلب آراء الأطراف السياسية الداخلية خلال زيارات لروما وباريس وتونس، وعجز–أو ربما عدم رغبة–الأطراف الخارجية في فرض وقف إطلاق النار لحرب تدخل أسبوعها السابع.

ووسط تواصل معارك الكر والفر بين قوات تابعة للقيادة العامة وأخرى تابعة لحكومة الوفاق في الضواحي الجنوبية لطرابلس والمستمرة منذ 4 أبريل الماضي، مخلفة 510 من القتلى و2467 مصابًا، حسب منظمة الصحة العالمية، جاءت المحطة الأبرز للملف الليبي في مجلس الأمن، حيث جاءت إحاطة مبعوث الأمم المتحدة لتحذر من أن «ليبيا باتت قاب قوسين أو أدنى من الانزلاق في حرب أهلية بإمكانها أن تؤدي إلى تقسيم دائم للبلاد». متوقعًا أن «يستغرق جبر الضرر الذي حدث إلى الآن سنوات».

تجاذبات دولية وإقليمية
وأتى حديث سلامة على التجاذبات الدولية والإقليمية على الملف الليبي، إذ دعا «الأطراف الفاعلة دوليًا وإقليميًا إدراك أن ليبيا ليست جائزة ينالها الأقوى»، مطالبًا «الأمم المتحدة بوضع حدٍ لتهريب السلاح إلى ليبيا»، وفي محاولة لاستنهاض الجوار الأوروبي نحو موقف حاسم كان تحذير سلامة من انتقال حرب طرابلس «لحرب طويلة دامية على الضفاف الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، مما يعرض أمن جيران ليبيا المباشرين ومنطقة البحر الأبيض المتوسط بشكل أوسع للخطر». وفي باريس وروما، كانت المواقف التي اعتبرها محللون ردًا عمليًا على إحاطة سلامة، إذ أبلغ المشير خليفة حفتر، الأربعاء، في باريس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن «الشروط لم تكتمل» بعد لإقرار وقف إطلاق النار حول العاصمة طرابلس، لكنه اعتبر أنه سيكون من «الضروري استئناف الحوار السياسي للخروج من الأزمة»، وهو ما جاء في مقابل دعوة ماكرون لـ«وقف لإطلاق النار في أقرب وقت ممكن».

وخلال اللقاء، قدم المشير «شرحًا مطولًا ومبررات»، للهجوم العسكري الذي يشنه منذ مطلع أبريل على طرابلس، قائلًا إنه يحارب «الميليشيات الخاصة والجماعات المتطرفة» التي يتوسع نفوذها في العاصمة الليبية، كما قدم المشير حفتر شرحًا للوضع على الأرض أمام ماكرون، مؤكدًا أنه «يحرز تقدمًا» ويعزز «مواقعه تدريجيًّا». وقال أيضًا «إنه لا هو ولا قواته يستفيدون من مبيعات النفط في شرق البلاد».

انعدام الثقة
ولخص الإليزيه هذا الموقف بالإشارة بوضوح إلى «انعدام الثقة بين الجهات الفاعلة الليبية أكثر من أي وقت مضى»، وأضاف مسؤول بالرئاسية الفرنسية «عندما طُرحت قضية وقف إطلاق النار على الطاولة، كان رد فعل حفتر عليها هو التساؤل (نتفاوض مع من لوقف إطلاق النار اليوم؟)»‭‭‭‭‭‬‬

وكان ماكرون التقى في 8 مايو رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الذي اتهم فرنسا بدعم المشير حفتر، ما اعتبرته باريس «غير مقبول ولا أساس له من الصحة»، وفي حديث لتليفزيون «يورونيوز» أمس الأربعاء، استبعد السراج أيضًا على ما يبدو وقفًا لإطلاق النار، محذرًا من أن القتال لن يتوقف ما لم تعد قوات الجيش التابعة للقيادة العامة إلى الشرق».

مباحثات حفتر مع ماكرون سبقتها جولة أخرى في روما مع رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي الخميس الماضي، وقال كونتي إنه «يعمل من أجل وقف إطلاق النار» في ليبيا، وأمام منتدى مدينة أريتسو (إقليم توسكانا) عن السلام والحد من النزاعات المسلحة قال «بالأمس استقبلت الجنرال حفتر في قصر كيجي (مقر رئاسة الوزراء)، وأكدت له أيضًا أنه لا يمكننا العمل مع خيار عسكري، فالعنف لا يولد إلا العنف»، بحسب وكالة «آكي» الإيطالية.

وسط هذا الحراك النوعي، يبدو أن أنباءً جديدة تشير إلى زيارة محتملة إلى واشنطن أيضًا، إذ سبق أن تواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع المشير حفتر، مثمنًا دوره في مكافحة الإرهاب، إلا أن أنباء تحدثت عن احتمالية وجود تواصل مباشر بينهما، وأن مستشاري حفتر قد وصلوا بالفعل إلى واشنطن استعدادًا لهذا اللقاء.

قلق عميق
في تونس، كانت محطة أخرى من المداولات، إذ أجرى رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، أمس الأربعاء، محادثات مع الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي حول مستجدات الوضع في ليبيا، وتداعيات حرب العاصمة، في القصر الرئاسي بقرطاج. الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، عبّر عن قلقه العميق إزاء الهجوم المستمر بالقرب من طرابلس، وأكد«ضرورة العودة لمسار الحل السياسي، وأنه لا حل عسكريًا للصراع في ليبيا»، مشيرًا إلى أن «تونس تتأثر مباشرة بكل ما يحدث في ليبيا، ويهمها نهاية القتال بأسرع ما يمكن، كما أنها تسخر جهودها لتحقيق ذلك».

وخلال زيارة تونس، التقى السراج بعدد من سفراء الدول العربية والأفريقية والغربية، وذلك لوضعهم في صورة التطورات الجارية في ليبيا، كما استقبل بمقر إقامته في تونس شيوخًا وأعيانًا ووجهاءً من قبائل المنطقة الشرقية، تناول فيه الحرب على طرابلس، وآخر تطورات الوضع الميداني وتأثيره علي الليبيين.

حرب بالوكالة
وتحاول حكومة الوفاق استقطاب دعم دول المغرب العربي في هذه الأزمة، إذ طالب المفوض بوزارة الخارجية محمد الطاهر سيالة، يوم الإثنين الماضي، دول المغرب العربي بلعب دور أكبر لـ«ردّ العدوان عن طرابلس»، والضغط في اتجاه توحيد الموقف الإقليمي والدولي، وذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها سيالة بكل من وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، والجزائر صبري بوقادم، وتونس خميس الجهيناوي، وفق وزارة الخارجية. ومع استمرار التعقيدات التي تواجه المسار السياسي، حذر تقرير لوكالة «فرانس برس» الاثنين، من أن هجوم قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في طرابلس «يوشك أن يتحول حربًا بالوكالة بين القوى الإقليمية»

للاطلاع على العدد 183 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وأشار التقرير إلى تداول صور على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر آليات عسكرية لدى إنزالها من سفينة شحن تحمل اسم «أمازون» في ميناء طرابلس ترفع علم مولدوفيا قال موقع «فيسيلفايندر» إنها وصلت من مرفأ «سامسون» شمال تركيا. ونقلت «فرانس برس» عن مستشار شؤون الدفاع والاختصاصي في ملف ليبيا، أرنو دولالند قوله «يبدو أن تركيا تتحمل كليًا مسؤولية هذا الدعم». مضيفًا أن «تسليم دبابات أردنية الصنع للجيش الوطني الليبي (بقيادة المشير خليفة حفتر) يثبت أن أيًا من الطرفين غير مستعد للتراجع» مشيرًا إلى «حرب استنزاف».

وأكد الباحث في المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن، وولفرام لاخر لـ«فرانس برس» أن «دعم تركيا للقوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني سيساهم في ردم الهوة في مجال التسلح بين الجانبين». مضيفًا أن حفتر كان في البداية «في موقع قوة» بفضل تسلمه عشرات الدبابات إماراتية الصنع التي «قد يخسرها الآن».

دعم تركي
ورأى لاخر أن انتشار معلومات عن الدعم التركي في الإعلام «قد يسرع السباق على التسلح خصوصًا من خلال حض الدول الموالية لحفتر على تعزيز مساعداتها لقواته وصولًا إلى التدخل بصورة مباشرة أكثر». وقال الخبير الألماني إن «هذا النزاع أصبح حربًا بالوكالة بين الدول المتخاصمة في الشرق الأوسط». محذرًا من أنه «كلما تسلم الجانبان أسلحة من الداعمين الأجانب طال أمد الحرب وكانت أكثر تدميرًا وأصعب لإنهائها».

وقال مستشار شؤون الدفاع والاختصاصي في ملف ليبيا، أرنو دولالند «حتى الآن تبدو القوات الجوية متكافئة مع حوالى 15 مقاتلة لدى كل طرف، إضافة إلى بعض المروحيات التي تستخدم فقط ليلًا لأنها قد تتعرض للنيران خلال النهار». وفي تقريرها الأخير في سبتمبر أشارت مجموعة خبراء الأمم المتحدة إلى أن «عددًا أكبر من آليات مدرعة للمشاة وشاحنات بيك آب مجهزة برشاشات ثقيلة ومدافع غير مرتدة وقذائف هاون وراجمات صواريخ وصلت إلى ليبيا».

للاطلاع على العدد 183 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وعلق المحلل السياسي الليبي جلال الفيتوري قائلًا: «لا شك أن استمرار الحرب للسيطرة على طرابلس، سيجعل كل طرف يحشد كل مساعيه عبر علاقاته الإقليمية والدولية»، معتبرًا أن «التسليح هو الأهم لاستمرار الحرب ومحاولة حسم المعركة من قبل أحد الطرفين». لكنه رأى «أن نصرًا مهمًا لن يتحقق، لا شيء سوى مزيد من الدمار ونزوح المدنيين». وأضاف «أعتقد أن توريد السلاح علنًا أو سرًا لم يتوقف للأطراف المتنازعة في ليبيا طوال الأعوام الماضية، والذي اختلف مؤخرًا أن إمدادات السلاح ارتفعت بشكل غير مسبوق، وخصوصًا أن الطرفين دخلا في حرب استنزاف تتطلب استمرار توريد السلاح لهما».

المزيد من بوابة الوسط