«الأزمات الدولية» تحذر من «انهيار مالي وحرب اقتصادية» تهدد بتقسيم ليبيا

حذرت مجموعة إدارة الأزمات الدولية من مغبة الصراع الليبي–الليبي على الجبهة المصرفية والمالية بموازاة حرب العاصمة طرابلس التي دخلت أسبوعها السادس، مؤكداً أن الأزمة تهدد بتفاقم القتال المستعر في طرابلس وإشعال حرب موارد طويلة وتعميق الفجوة بين الشرق والغرب في البلاد، التي ربما تنتهي بتقسيم بلاد.

وقالت «كريزيس غروب» وهي مركز أبحاث دولي مقره بروكسل إن «الأزمة المصرفية المهملة في ليبيا وصلت إلى ذروتها»، موضحة أن «الأمر يتعلق بصراع طويل الأمد سيعيق الجهود الرامية إلى إعادة توحيد النظام المصرفي المنقسم، مما يغذي احتمالات حدوث انهيار مالي وحرب اقتصادية إلى جانب الحرب العسكرية».

ولقي 510 أشخاص مصرعهم وأصيب 2467 آخرون في المواجهات العسكرية بين القوات التابعة للجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر وأخرى موالية لحكومة الوفاق الوطني على تخوم العاصمة طرابلس منذ الرابع من أبريل الماضي.

ورأى المركز الدولي أن الأزمة المصرفية المحتملة ستكون «نتيجة مباشرة لانقسام دام أربع سنوات بين البنك المركزي في طرابلس وفرعه الشرقي، والذي يعود إلى الانقسام السياسي الأوسع نطاقاً الذي برز في العام 2014».

الأزمة المصرفية وصلت إلى ذروتها والوفاق توظف ميزة الوصول الحصري إلى أموال النفط

وفي 29 أبريل الماضي، قرر المصرف المركزي في طرابلس فرض إجراءات مشددة على بيع النقد الأجنبي للأغراض التجارية على أربعة مصارف هي: «التجارة والتنمية، الواحة، الإجماع العربي، الوحدة».

لكن إدارة «المركزي» في البيضاء رفضت القرار مشيرة إلى ما سمته «التوزيع غير العادل على أقاليم ليبيا الثلاثة من ملف الاعتمادات، ووقفها على مصارف تقع إدارتها الرئيسية بالمنطقة الشرقية في مؤشر خطير يُنمي على إقحام المصرف المركزي في التجاذبات السياسية».

وتوقعت «كريزيس غروب» أن «تؤدي هذه الخطوة إلى زعزعة استقرار الحكومة القائمة في الشرق ووقف التمويل للقوات التي يقودها حفتر»، محذرة من أن هذا «يعمق الفجوة السياسية بين السلطات المتنافسة في الشرق والغرب وينتج عنه تراجع اقتصادي شديد في جميع أنحاء البلاد».
وأضافت إن «تشديد الإجراءات التقييدية قد يعرّض للخطر قدرة الحكومة الموقتة على دفع رواتب الموظفين وقوات حفتر، مما يدفع الجيش إلى قطع صادرات النفط عن المناطق التي يسيطر عليها ويشعل حربًا اقتصادية».

في فبراير الماضي قال محافظ مصرف ليبيا المركزي في البيضاء، علي الحبري، إن «مجموع ما صرفه الجيش الوطني الليبي في ثلاث سنوات بلغ قرابة 9 مليارات دينار من ميزانية الإنفاق للفترة نفسها والتي بلغت نحو 29 مليار دينار»، موضحاً أنها «صرفت 43% من ميزانية 2016 التي بلغت 9 مليارات و500 دينار، و27% من ميزانية 2017، و20% من ميزانية 2018».

مخاوف من تفاقم أزمة السيولة الحالية وعرقلة خدمات الشركات الحكومية والخاصة

في المقابل، اعتبرت «الأزمات الدولية» أن «حكومة الوفاق لا تبدي إلا القليل من الحماس للاستجابة للأزمة المصرفية الوشيكة، في ظل إدراكها ميزة الوصول الحصري إلى أموال الدولة المتأتية من مبيعات النفط، وأن أي تنازل من جانبها من شأنه أن ينقذ البنوك ذاتها التي ساعدت في تمويل القوات العسكرية التي تحاصرهم الآن».

للاطلاع على العدد 183 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ولم تستبعد «كريزيس غروب» أن تقوم حكومة الوفاق بتدابير إضافية «مثل مقاطعة دفع الرواتب للموظفين في الشرق من أجل وقف مصادر التمويل إلى الشرق، وبالتالي تعيق قدرة الجيش على الاستمرار في القتال». ورغم ذلك، حذر المركز البحثي الدولي من «تفاقم الأزمة الاقتصادية العالقة في ليبيا من حيث الحجم، مع انعكاسات اجتماعية واقتصادية وسياسية وخيمة على البلد بأكمله».

وأشار إلى أن «الاضطرابات المتنامية في المصارف التجارية يمكن أن تسبب حالة من الذعر الشامل، وتفاقم أزمة السيولة الحالية، وتعيق تقديم الخدمات لشركات الدولة الرئيسية والشركات الخاصة، التي تعقد حسابات مع هذه البنوك، والتي قد لا تكون قادرة على علاج المدفوعات أو رسائل القروض لاستيراد السلع الأساسية التي تعتمد عليها ليبيا بشدة».

ومضت «الأزمات الدولية» بالسيناريو إلى آخره، حين قالت إن «الضغط المالي في الشرق يشعل القتال على مصدر إيرادات ليبيا الوحيد وهو النفط»، مضيفاً «يمكن للحكومة القائمة في الشرق أن تقرر إغلاق حقول النفط وموانئ التصدير، ومعظمها تحت سيطرة الجيش».

انقسام الشرق والغرب
وقالت «هذا من شأنه أن يعمق الانقسام الفعلي بين الشرق والغرب، بما في ذلك الصدع في القطاع المصرفي، وربما يصبح مقدمة للتقسيم»، مضيفة «كل هذه التطورات من شأنها أن تعقد الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية سياسية للصراع الليبي بشكل عام».

ونقلت «فرانس برس» عن دبلوماسي غربي اشترط عدم الكشف عن هويته قوله إن «حفتر يقول إن كل مال النفط يذهب بشكل أساسي إلى الغرب، مما يزيد الانقسامات السياسية، بما أن الشرق يعتبر نفسه تاريخياً مهملاً من جانب الغرب».

وسلط المركز الضوء على الخلفية التاريخية للصراع الاقتصادي قائلاً إن «مأزق اليوم هو نتاج الأزمة السياسية لعام 2014 والعلاقات المتزايدة الاستقطاب بين الغرب والشرق التي انبثقت عنها، والتي توترت وتعمقت منذ ذلك الحين».

للاطلاع على العدد 183 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

اعتبر أن «نجاح قرار المركزي العام 2014 بفصل فرع البيضاء عن نظام التسوية الآلية للدفع، يهدف إلى منع السلطات في شرق ليبيا من استغلال الأصول المالية للبلاد»، لكنه رأى أن القرار «أثار انشقاقًا عميقًا داخل البنك المركزي وأطلق شعوراً قوياً بالحرمان من الحقوق في الشرق ومن ثم إيجاد وسائل أخرى يمكن من خلالها تمويل أنفسهم وتوسيع مطالبهم بالسيادة ».

كما تحدث المركز عن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي دخل حيز التطبيق في سبتمبر الماضي، مشيراً إلى أن «هذه الخطوة المعقولة مالياً لها عواقب غير مقصودة وغير متوقعة: وهو النضوب السريع للودائع الاحتياطية التي تملكها المصارف التجارية في شرق البلاد مع المصرف المركزي في طرابلس».

في 12 سبتمبر الماضي، أعلن المجلس الرئاسي اعتماد برنامج الإصلاح الاقتصادي في ليبيا، وتضمن البرنامج معالجة سعر صرف الدينار بفرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي للأغراض التجارية والشخصية، ومعالجة دعم المحروقات، وغيرها من الإجراءات التي تستهدف تصحيح تشوهات الاقتصاد الليبي.

وقف إطلاق النار
في هذه الأثناء، أوصت مجموعة «الأزمات الدولية» بوقف إطلاق النار مدعوم من الشركاء الدوليين، وإطلاق مفاوضات فورية بين المحافظين المتنافسين على المصرف المركزي لتسوية الخلاف حول كيفية إدارة حساب المعاملات المالية في الشرق.

وشددت على ضرورة أن تمارس «الجهات الفاعلة الخارجية الضغط على الأطراف للشروع في مسار العمل هذا وتقديم مشورة الخبراء»، داعية «الولايات المتحدة على وجه الخصوص إلى استخدام النفوذ التاريخي على القطاعات المالية والنفط في ليبيا وتعاطفها حديثاً مع حفتر للدفع بالطرفين نحو التوصل إلى تسوية مالية».

ويرى الباحث في معهد كلينغندايل في لاهاي جلال هرشاوي من جهته، أن واشنطن هي من تمسك بخيوط الاقتصاد الليبي. وفي منتصف أبريل، أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب مكالمة هاتفية مع المشير حفتر، في تواصل مباشر اعتُبر بمثابة نوع من الدعم، حتى ولو أن موقف الولايات المتحدة في النزاع لا يزال غير واضح.

وحسب هرشاوي، فإن حفتر سيتفادى وقف صادرات النفط، لأن الولايات المتحدة تودّ الحفاظ على المستوى الحالي من الإنتاج (نحو 1,3 مليون برميل في اليوم)، خصوصاً بالنظر إلى انخفاض الصادرات الفنزويلية والإيرانية على المستوى العالمي.

ويرجح «أن تحاول القوات الموالية لحفتر بيع النفط إلى السوق الدولية من دون المرور عبر طرابلس». وأشار إلى احتمال أن يكون هذا النوع من عمليات البيع بات «مسموحاً به ضمنياً» من جانب البيت الأبيض. من الممكن أيضاً، بحسب قوله، أن «تؤكد الولايات المتحدة مجدداً دعم حكومة الوفاق الوطني، وفي هذه الحالة، قد يشعر معسكر حفتر بالذعر» ويوقف صادرات النفط.

واقترحت الأزمات الدولية «تسوية بين البنك المركزي في طرابلس والبيضاء حول كيفية حساب المعاملات المصرفية التجارية»، داعيًا «شركاء ليبيا الدوليين العمل من أجل تحقيق هذا الهدف».

للاطلاع على العدد 183 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ورأت أن «إعادة التوحيد بالوسائل العسكرية التي يبدو أن حفتر وداعميه يراهنون عليها من المرجح أن تأتي بنتائج عكسية»، مشيرا إلى أن «الوعد بالتسوية المالية قد يكون الفارق الذي تحتاجه الأطراف الليبية إلى الموافقة على وقف إطلاق النار وإعادة المفاوضات السياسية إلى مسارها».

ونبهت إلى أن «إن الفشل في معالجة الأزمة المصرفية لن يؤدي فقط إلى إطالة أمد الحرب ؛ كما سيكون لها تداعيات شديدة على ليبيا ككل»، معتبرً أن « المتضررين سيكونون المواطنين أصحاب الحسابات، وأيضًا الاقتصاد الأوسع نطاقًا ، الذي بدأ في التعافي ببطء من فترة ركود استمرت ست سنوات فقط في وقت سابق من هذا العام».

المزيد من بوابة الوسط