تواصل أزمة السيولة.. طوابير على الصرف واحتجاجات أمام المصارف

مواطنون ينتظرون صرف السيولة بمصرف الصحاري في طرابلس (بوابة الوسط)

في الوقت الذي يقضي فيه الليبيون في العاصمة طرابلس أغلب أوقاتهم أمام عتبات المصارف لسحب ودائعهم، لاسيما في شهر رمضان المبارك، والذي سمح فيه لكل زبون بسحب مبلغ ألف دينار فقط، اعتصم عدد من النساء أمام مصرف التجاري الوطني الرئيسي خلال اليومين الماضيين، احتجاجًا على عدم حصولهن على سيولة مرددات عبارات «نبوا سيولة»، وغيرها من الشعارات المطالبة بتوفير السيولة النقدية للمواطنين.

قالت سعاد المبروك إحدى المحتجات لـ«بوابة الوسط»: «نظمنا اعتصاما أمام المصرف من أجل المطالبة بحقنا في السيولة، التي نفدت من أغلبنا».

وأضافت فتحية الترهوني «أرملة وأم لخمسة أولاد»، «لا يوجد لدينا سيولة مالية تكفي لنا أسبوعا من مصاريف رمضان.. نطالب بحقنا عبر الوقفة الاحتجاجية لاسيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها حاليا».

وفي سياق متصل، أعلن المصرف المركزي بطرابلس، عن توزيع 190 مليون دينار سيولة نقدية على فروع خمسة مصارف في العاصمة، منها 70 مليون دينار على فروع مصرف الجمهورية، و40 مليونا على فروع المصرف التجاري الوطني، و35 مليونا على فروع الوحدة، و25 مليونا على فروع الصحارى، و20 مليون دينار على فروع مصرف شمال إفريقيا.

«المركزي» بطرابلس يبحث مع المصارف آليات توفير السيولة للنازحين

ومن مصرف الوحدة وسط العاصمة، قال المواطن إدريس صميدة، إنه ينام أمام المصرف من أجل الحصول على سيولة، مضيفاً أن سحب المدخرات المصرفية أصبح حلم كل مواطن، «الأسعار ارتفعت مع مطلع الشهر الفضيل، وألف دينار لا تكفي إلا أيام معدودات لرب أسرة تتكون من تسعة أشخاص مع أطفال يحتاجون لمصروف خاص وكذلك طلاب الجامعة». 

وقبالة مصرف الجمهورية الرئيسي، تصطف طوابير طويلة، إذ يقول أحد المواطنين ويسام الحمروني لـ «بوابة الوسط»، إنه متواجد أمام المصرف من الليلة الماضية، لغرض الحصول على سيولة، من أجل تغطية نفقات الشهر الفضيل، مشيراً إلى أن التعامل بـ (الكاش) أرخص سعرًا من البطاقة المصرفية ومعظم المحلات التجارية تطلب نقدا خلال هذه الفترة». 

وتعاني ليبيا، منذ سنوات، أزمة سيولة نقدية ألقت بظلال وخيمة على الأوضاع المعيشية للمواطنين، وبات علاجها بحاجة إلى سياسات اقتصادية ناجزة، مع لحلحلة عدة قضايا سياسية وأمنية، في ظل صعوبة السيطرة الأمنية على المصارف، التي تعجز عن توفير السيولة النقدية للمواطنين، على الرغم من برنامج إصلاحات اقتصادية أقرته حكومة الوفاق العام الماضي.

ويتمثل أهم أسباب أزمة السيولة، في ضعف الادخار مقابل ارتفاع معدلات السحب من المصارف، مما يودي لوجود أغلب السيولة خارج الجهاز المصرفي مع هروب الودائع الكبيرة وجفاف الإيداعات وتفضيل الاحتفاظ بالنقود السائلة عبر الاكتناز وعدم ضخها في الجهاز المصرفي، هذا بالإضافة إلى مخاوف المواطنين بشأن سلامة مدخراتهم في البنوك، حيث بات المواطنون أقل ثقة في المصارف بسبب الصراعات المسلحة التي تدور في البلاد، ولجأ أكثر المواطنين إلى اكتناز مدخراتهم في منازلهم.

من جانبه أكد الخبير المصرفي نوري بريون لـ «بوابة الوسط»، أن معدلات الأجور في ليبيا متدنية جداً وتحتاج إلى زيادتها لمواكبة ارتفاع الأسعار حاليا، إضافة إلى فرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي التي خفضت قيمة العملة بطريقة غير مباشرة. 

تآكل المدخرات

ولفت المحلل الاقتصادي صقر الجبالي، إلى تآكل جزء كبير من مدخرات المواطن بالحسابات المصرفية عامي 2017 و2018، نتيجة ارتفاع المستوى العام للأسعار؛ «بعد الإجهاز على ما تبقى من هذه المدخرات نتيجة إقبال المواطن على شراء الدولار، أصبحت أغلب الحسابات الجارية للمواطنين خالية بدون رصيد».

وأضاف أن شهر رمضان يشهد زيادة في الاستهلاك بما يصحبه من ضرورة وجود قدرة شرائية تتمثل في السيولة النقدية.

ويضخ مصرف ليبيا المركزي مزيدا من النقود الجديدة في الاقتصاد لمعالجة الطلبات المتزايدة من قبل العملاء، مما تسبب في وجود عملة خارج القطاع المصرفي بـ34.7 مليار دينار بينما المعادلات الطبيعية للسيولة لا تتعدى خمسة مليارات دينار.

ويوجد في ليبيا مصرفان مركزيان، الأول في طرابلس يرأسه الصديق الكبير، ويعترف به المجتمع الدولي وتذهب إليه إيرادات النفط، والثاني في البيضاء، شرقي البلاد، ويصفه المجتمع الدولي بـ«البنك المركزي الموازي» رافضاً الاعتراف به.

ولكل مصرف نقد محلي يوزعه على المصارف، إذ إنّ المصرف المركزي بطرابلس لديه العملة المطبوعة في بريطانيا يوزعها على المصارف، بينما «مركزي البيضاء» لديه عملة أخرى طبعت في روسيا وتقدر بـ9 مليارات دينار خلال سنوات ماضية وتوزع على مصارف. 

كان محافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير، بحث مع مديري المصارف التجارية يوم الأحد الماضي، الصعوبات التي تواجه المصارف عند تقديم خدماتها للمواطنين النازحين وإيجاد حلول عاجلة لمواجهتها.

وفي تصريحات سابقة لـ «بوابة الوسط»، كشف رئيس لجنة الأزمة بمصرف ليبيا المركزي البيضاء، رمزي الأغا، عن وصول 130 مليون دينار إلى بعض فروع المصارف التجارية بالمنطقة الغربية والجبل الغربي. 

وأكد الآغا أن المبلغ مخصص لبعض فروع المصارف التجارية بمدن ومناطق غرب البلاد والجبل الغربي، مشيرًا إلى أن هذه الأموال وصلت إلى خزائن المصارف تحت إشراف القوات المسلحة.

وتشهد العاصمة الليبية مواجهات مسلحة من الرابع من أبريل الماضي بين قوات الجيش التابعة للقيادة العامة والقوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليا، مما خلف مئات القتلى والمصابين وعشرات الآلاف من النازحين بحسب منظمة الصحة العالمية.

ويقيم معظم النازحين في المناطق الحضرية مع الأصدقاء أو العائلة، أو في سكن مستأجَر، ويوجد 29 ملجأ جماعيا مفتوحا، يسكنها حوالي 3000 شخص.

مواطنون يصطفون أمام مصرف الصحاري في طرابلس انتظارا لصرف السيولة (بوابة الوسط)
نساء يحتشدن أمام المصرف التجاري الوطني في طرابلس انتظاراً لصرف السيولة (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط