بين طرابلس وطبرق.. الانقسام يلاحق مجلس النواب

نذر انقسام جديد تخيم على المشهد السياسي في البلاد، وتضاف إلى سلسلة الانقسامات التي طالت المؤسسات منذ العام 2014 لكن هذه المرة في مجلس النواب، إذ خيم شبح الانقسام على المجلس الذي عقد عددٌ من نوابه عدة جلسات على مدار أسبوعين في العاصمة طرابلس، وكان موقفهم الأبرز هو إدانة العملية العسكرية التي يشنها في الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر في طرابلس، وهو ما قوبل بقرار من مجلس النواب في طبرق بتشكيل لجنة لدراسة «فصل الأعضاء الذين أدوا اليمين الدستورية وتغيبوا عن الجلسات»، في إشارة إلى النواب المقاطعين المجلس.

ويقول مراقبون إن هذا التطور الخطير هو أحد التداعيات الخطيرة لحرب العاصمة طرابلس، بين الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر، وبين حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج من جهة أخرى، على أعضاء مجلس النواب ، إذ أبرزت انقسام النواب بشأن تحركات القوات المسلحة نحو طرابلس، لكن المتابعين للشأن الليبي يقولون إن انقسام المجلس هو حلقة من مسلسل أزمات لازمت المجالس المنتخبة في البلاد منذ المؤتمر الوطني العام.

الإخفاقات تحالف المجالس التشريعية منذ العام 2011
على نحو مفاجئ، اجتمع 47 عضواً بمجلس النواب، الأسبوع الماضي بمدينة طرابلس، في جلسة صوتوا خلالها على اختيار النائب الصادق الكحيلي رئيساً، والنائب مصعب العابد مقرراً، والنائب حمودة سيالة ناطقاً باسم المجلس لمدة 45 يوماً. وفي جلسة أخرى أصدروا بياناً يرفض تحركات الجيش الليبي وتصريحات رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بشأن ما وصفه بـ«الحرب على طرابلس».

يشار إلى أن مقر مجلس النواب هو مدينة بنغازي، إلا أنه وحسب الإعلان الدستوري بإمكان النواب عقد جلساته في أي مدينة أخرى، حيث توافق غالبية النواب على اختيار مدينة طبرق التي تنعم بالهدوء النسبي لعقد جلساتهم عوضاً عن بنغازي أوطرابلس اللتين شهدتا الأسابيع السابقة لتسلم مجلس النواب مهامه في العام 2014 تدهوراً وانفلاتاً أمنياً غير مسبوق.

يوم الخميس الماضي، اجتمع عدد من النواب في طرابلس، وطالبوا بوقف إطلاق النار في العاصمة وعودة القوات التابعة للقيادة العامة «من حيث أتت»، وقال الصادق الكحيلي، الذي ترأس الجلسة، في خطاب افتتاحي «نحن هنا ليس للانقسام ولا للانقلاب، ولكن للحفاظ على وحدة ترابنا وحماية طرابلس من الهجوم».

للاطلاع على العدد 181 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وأكد النواب، في بيان أصدروه في ختام اجتماعهم مرفقاً بأسماء 52 عضواً، «استمرار انعقاد جلسات المجلس بطرابلس كإجراء تصحيحي؛ حتى يصبح مجلس النواب معبراً عن تطلعات ومطالب الشعب الليبي»، مشددين على أنّ «هذه الجلسات ليست انقلاباً أو دعوةً للتقسيم، وهذا يؤكده حضور النواب من كل مدن ليبيا»، حسب تعبير البيان.

برلمانيو طرابلس قرروا تشكيل أربع لجان عمل للأعضاء هي: لجنة لمراجعة اللائحة الداخلية والتواصل الدولي وإنشاء ديوان مجلس النواب في طرابلس ولجنة الأزمة، وفق الناطق باسم النواب المجتمعين حمودة سيالة. وأوكل النواب إلى «لجنة مراجعة اللائحة الداخلية مهمة مراجعة جميع القرارات الصادرة عن مجلس النواب بدءاً من سنة 2014 عملاً بالمادة 16 من الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات سنة 2015، وافق النواب على أن تستعين اللجنة بمن تراه مناسباً من المستشارين والخبراء القانونيين لإنجاز مهامها».

أما لجنة التواصل الدولي التي أقرها نواب طرابلس فتقوم بمهام التواصل مع وزارة الخارجية والمنظمات الدولية وإعداد مقترح بالدول والجهات التي يجب التواصل معها ويعرض المقترح على النواب في الجلسة القادمة» -بحسب سيالة. وأكد أن «لجنة الأزمة تختص بمتابعة لجنة الطوارئ المشكلة من حكومة الوفاق لإدارة الأزمات الناجمة عن العدوان على طرابلس».

في المقابل، كان قرار مجلس النواب في طبرق تشكيل لجنة لدراسة «فصل أعضاء مجلس النواب الذين أدوا اليمين الدستورية وتغيبوا عن الجلسات»، في سياق النظر في عقد عدد من النواب جلسات منفصلة في العاصمة طرابلس خلال الأيام الماضية.

وانتقد عدد من الحضور في جلسة الإثنين الماضي «انعقاد جلسات بعض النواب في العاصمة طرابلس وانفصالهم عن مجلس النواب في طبرق»، وقال النائب إسماعيل الشريف «نحن لا نختلف على القضايا الوطنية متمثلة في الجيش والشرطة والتداول السلمي على السلطة ويجب حل أي خلاف دون ذلك تحت قبة البرلمان».

من جانبه اعتبر النائب خليفة الدغاري أن جلسة بعض النواب في طرابلس «تمهيد لانقلاب على السلطة وشق البيت الداخلي الذي ينذر بانقسام جغرافي واجتماعي في ليبيا»، مضيفاً أن «المؤتمر الوطني العام هو من انقلب على الدولة المدنية، وهو من أوصلنا لما نحن فيه»، بدوره طالب النائب عادل مولود العجيلي بإسقاط عضوية كل من تخلف عن حضور الجلسات في طبرق، قائلاً: «لا عذر لمن تغيب عن الجلسات في طبرق الآمنة وكل من تغيب عن الجلسات يجب تطبيق اللائحة الداخلية عليه».

مجلس النواب: الإخوان المسلمون جماعة إرهابية ودراسة فصل نواب «اليمين الدستورية» المتغيبين

وكشف رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أنه لا يوجد في اللائحة نصوص لإسقاط المتغيبين عن الجلسات، مؤكدًا أنه يمكن للنواب تعديل اللائحة «إن أرادوا ذلك»، لكن رئيس نواب طرابلس الصادق الكحيلي لوح بـ«حذف عضوية من لا يعترف بالاتفاق السياسي واستبداله بغيره من قوائم الانتخابات لدى المفوضية العليا للانتخابات، إذ إن شرعية مجلس النواب مستمدة أصلاً من الاتفاق السياسي بعد انتهاء ولايته القانونية نهاية العام 2015»–حسب تعبيره.

ويصل عدد أعضاء مجلس النواب إلى 188 عضواً، وينص قانونه الأساسي على أن النصاب القانوني لعقد جلساته واتخاذ القرارات يتطلب 120 صوتاً، لكن عدداً كبيراً من النواب يقاطعون جلساته، مما اضطر رئاسته إلى تعديل القانون الأساسي ليكون النصاب القانوني لجلساته 92 عضواً فقط.

ويقول متابعون إن انقسام مجلس النواب في هذا المفترق التاريخي الذي تمر به البلاد هو مؤشر خطير يرسخ التفكك العضوي في مفاصل البلاد، ويصعب فرص أي تقدم بالبلاد نحو التوحيد ولم الشمل إذا ما انتهت هذه الحرب، فيما يربط المراقبون بين ما يجري الآن وما شهدته الفترة الانتقالية منذ العام 2011 من توترات على صعيد المجالس التمثيلية.

على سبيل المثال، كان المؤتمر الوطني العام أول سلطة تشريعية منتخبة تسلمت السلطة من المجلس الوطني الانتقالي في 8 أغسطس 2012، وأنهى الأعضاء 200 للمجلس فترتهم في العام 2014 دون تحقيق النتائج التي كان يفترض به تحقيقها، وأبرزها البت في اختيار رئيس للبلاد بطريقة الانتخاب المباشر.

ثم علق الليبيون آمالا واسعة على مجلس النواب المنتخب الذي تولى سلطاته التشريعية من 4 أغسطس 2014 خلفاً للمؤتمر الوطني العام، وراهن الكثيرون على قدرة المجلس على إخراج البلاد من مشكلاتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، إلا أن الانتخابات التي جاءت نتيجتها في غير صالح مايعرف بـ«الإسلاميين» الذين حصلوا على 23 مقعدًا فقط من أصل 188 مقعدًا، أدى لظهور معارضين لمجلس النواب من بينهم المفتي الصادق الغرياني وهيئة علماء ليبيا وعدد من المجموعات المسلحة، التي شنت أعمال عنف واسعة.

«نواب طرابلس» و«مصروفات الرئاسي» في جلسة مجلس النواب

وما بين العامين 2014 و2019، تبدو المفارقة واضحة بين انطلاقة مجلس النواب على وقع حرب طاحنة، وبين مرحلة جديدة ينقسم فيها المجلس إلى مجلسين تحت قعقعة سلاح حرب طاحنة أخرى، ويتساءل باحث سياسي «كيف سيمثل مجلس النواب نفسه في أي تسوية أو تفاهم سياسي مقبل؟»، معبرًا عن اعتقاده « أن مجلس النواب المناط به الدخول كطرف أساسي في أي عملية سياسية والمصادقة على أي اتفاق مقبل سيتحول إلى معرقل حقيقي في حال انقسامه».