حصاد الأسبوع الخامس: وضع ميداني ساخن وجولة أوروبية للسراج ودعوات لوقف إطلاق النار

رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج خلال لقائه المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ماكرون. (أرشيفية: الإنترنت)

مع دخول حرب العاصمة طرابلس أسبوعها السادس، وتزايد فاتورة الخسائر البشرية والمادية، سجلت الأزمة تحركًا نوعيًا على الصعيد الدولي، وهو ما ترجمته أول جولة خارجية لرئيس المجلس الرئاسي فائز السراج منذ اندلاع الحرب، وشملت عدة عواصم أوروبية هي روما وبرلين وباريس ولندن، وهي الجولة التي خرج منها السراج بمواقف داعمة لوقف إطلاق النار لكن دون آليات أو ضمانات واضحة للتنفيذ، في الوقت نفسه عاد الموقف الأميركي إلى الحديث عن وقف الاشتباكات والعودة للعملية السياسية.

طالع في العدد 181 من «جريدة الوسط»: السراج في العواصم الأربع يسمع خطابًا أوروبيًا يدعو لوقف إطلاق النار

كر وفر
ومع استمرار حرب الكر والفر بين قوات الجيش التابعة للقيادة العامة وقوات حكومة الوفاق، لم تجد دعوة البعثة الأممية إلى هدنة إنسانية خلال شهر رمضان آذانًا صاغية، بل استمر القتال بين المعسكرين ليرفع حصيلة الخسائر البشرية إلى 443 قتيلًا و2110 من الجرحى، منذ اندلاع حرب العاصمة طرابلس، في 4 أبريل الماضي، وفق منظمة الصحة العالمية التي قالت إن حرب العاصمة طرابلس، دفعت أكثر من 60 ألف شخص إلى الفرار من منازلهم، وأنها تعمل على تنسيق الخدمات الصحية المستمرة لهم.

في هذه الأثناء، أظهر تقرير سرّي أنّ خبراء أمميّين يحقّقون فيما إذا كانت أبوظبي ضالعة عسكريًا في النزاع الدائر في ليبيا، حيث أُطلقت في أبريل صواريخ من طائرات مسيّرة صينية الصنع يمتلك مثلها الجيش الإماراتي، وبحسب التقرير الذي كشفته وكالة «فرانس برس» فإنّ «الصواريخ التي قصفتها الطائرات المسيّرة في الضاحية الجنوبية لطرابلس يومي 19 و20 أبريل هي صواريخ جو- أرض من طراز «بلو آرو»، استنادًا إلى شظايا درسها الخبراء الأمميّون».

وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يبحثون موقفًا موحدًا تجاه الأزمة ويجتمعون مع المبعوث الأممي غسان سلامة

في المقابل، تضاربت الروايات بشأن إعلان شعبة الإعلام الحربي التابعة للقيادة العامة ، إسقاط طائرة حربية قالت إنها تابعة لقوات حكومة الوفاق الوطني، مؤكدة «القبض على قائد الطائرة، وهو برتغالي الجنسية». إلا أن الناطق باسم القوات التابعة لحكومة الوفاق، العقيد محمد قنونو، نفى إسقاط أي طائرة تابعة لقوات الوفاق، قائلًا: «الوفاق ليس لديها أي طائرات مفقودة». فيما نفى الناطق باسم وزارة الدفاع البرتغالية، وجود « أي طيّار من طياري سلاح الجو البرتغالي في عداد المفقودين» وأكد الناطق باسم وزارة الدفاع، أن «سلاح الجو ليس حاليًا في مهمة في ليبيا ولا يملك «ميراج إف1» ضمن أسطوله».

وبموازاة استمرار المراوحات المصاحبة للوضع الميداني والخسائر البشرية المتصاعدة، دخلت المحكمة الجنائية الدولية بقوة على الخط، بإعلانها أن جميع القيادات العسكرية والمدنية من الأطراف المتصارعة في ليبيا مسؤولون عن «جرائم» بموجب القانون الدولي، وخلال جلسة لمجلس الأمن قالت المدعية العامة في المحكمة فاتو بنسودا، إن هؤلاء القادة «معرضون للمحاسبة الجنائية في حال ثبوت تغاضيهم عن هذه الجرائم، مؤكدة استعداد المحكمة للبدء في التحقيقات حول الصراع بليبيا.

الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي: خارطة طريق واحدة لليبيا، مع الاعتراف بالأدوار التكميلية للمنظمات والجهات الفاعلة الإقليمية

وسجلت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي تحركًا نوعيًّا الأسبوع الماضي، مع دعوتهما إلى ضرورة وضع خارطة طريق واحدة لليبيا، مع الاعتراف بالأدوار التكميلية لكل من المنظمات والجهات الفاعلة الإقليمية، وذلك في بيان مشترك عقب لقاء الإثنين، جمع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي محمد، في المؤتمر السنوي الثالث للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث لفتا إلى تطلعهما إلى النجاح في عقد مؤتمر وطني، ومؤتمر المصالحة الوطنية الليبية الشامل كليًا في أديس أبابا، بدعم من الأمم المتحدة.

وبشأن الموقف الأميركي، فلم يشهد تغيرًا كبيرًا مثلما كان الحال عليه الأسابيع السابقة، إذ اكتفت واشنطن بالدعوة إلى عودة جميع الأطراف في ليبيا إلى العملية السياسية للأمم المتحدة في ليبيا ، وذلك على لسان المندوب الأميركي المكلف السفير جوناثان كوهين، خلال جلسة مجلس الأمن، الأربعاء، مشيرًا إلى أن بلاده لن تتسامح مع الانتهاكات والتجاوزات التي تحدث في ليبيا، مضيفًا «ما زلنا نشعر بالقلق إزاء الانتهاكات التي ارتكبها المتاجرون بالبشر والمهربون ضد المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في ليبيا، ونحن ندعم الجهود الرامية إلى مساءلة هؤلاء الأفراد، بمن فيهم المسؤولون الحكوميون الذين ثبتت مشاركتهم في التواطؤ، وستواصل الولايات المتحدة العمل من أجل وضع حدٍ للإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق».

دعوات لوقف إطلاق النار
أما على صعيد جولة السراج الأوروبية، فقد حملت، ووفق مراقبين، دعمًا ودعوات إلى وقف إطلاق النار دون آليات أو ضمانات واضحة، ففي أولى محطات الجولة بالعاصمة الإيطالية روما، وخلال لقاء مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، في العاصمة روما طالب السراج الإيطاليين بـ«بذل جهد أكبر لما لدى إيطاليا من مكانة وثقل دولي يمكنه أن يحدث تغييرًا إيجابيًّا في المواقف المترددة لدول أوروبية وإقليمية، وبما يعجل في وقف العدوان وعودة القوات المعتدية إلى الأماكن التي انطلقت منها، وتجنيب ليبيا المزيد من إراقة الدماء». من جانبه، أعلن كونتي أنه يسعى للقاء القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر في القريب العاجل، ولم يخف في الوقت نفسه مخاوف بلاده من «أن تتسع الحرب وبما يلحق الضرر لليبيا والمنطقة»، مضيفًا أن «جهود بلاده لن تتوقف إلى أن تجد نهاية سريعة وعادلة توقف نزيف الدم».

طالع في العدد 181 من «جريدة الوسط»: السراج في العواصم الأربع يسمع خطابًا أوروبيًا يدعو لوقف إطلاق النار

وفي محطة باريس، التي كان هدفها استكشاف حقيقة المواقف بشأن دعم فرنسي مفترض للجيش بقيادة حفتر، فقد اشترط رئيس المجلس الرئاسي خلال محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس «أن تقترن دعوات وقف إطلاق النار بانسحاب القوات المعتدية وعودتها من حيث جاءت»، مؤكدًا أن «أي آلية يقترحها المجتمع الدولي في هذا الأمر يجب أن تحقق هذا المطلب العادل»، معتبرًا في الوقت نفسه «أن قاعدة المفاوضات للوصول إلى حل سياسي تغيرت بعد ما وقع من اعتداء».وفي هذا السياق، طرح السراج خلال لقائه مع ماكرون مقاربة جديدة دعا فيها«المنطقة الشرقية» إلى «العمل على اختيار ممثلين لهم من سياسيين ونخب وأعيان للعودة للمسار السياسي»، مشيرًا إلى أنه «لم يعد حفتر أوعقيلة صالح شركاء في الحوار أوالتفاوض».

باريس تطالب بهدنة غير مشروطة في ليبيا، مع تحديد خط وقف إطلاق النار تحت إشراف دولي

وعقب اللقاء، أعلنت الرئاسة الفرنسية أن باريس تطالب بهدنة غير مشروطة في ليبيا، مع تحديد خط وقف إطلاق النار تحت إشراف دولي، وذلك في إشارة إلى المواجهات الدائرة بضواحي العاصمة طرابلس، واقترحت فرنسا إجراء «تقييم لسلوك المجموعات المسلحة في ليبيا بالتعاون الوثيق مع الأمم المتحدة». وتابع بيان الرئاسة الفرنسية أن «الجانبين اتفقا على أهمية توسيع الحوار وتعميقه مع مجمل مكونات الأمة الليبية في الشرق والجنوب والغرب، بما في ذلك المجتمع المدني».

وفي المحطة الألمانية، كان تأكيد برلين واضحًا على مساعيها لإيجاد موقف أوروبي موحد يعجل بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات المعتدية وعودة الليبيين إلى المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، وذلك خلال لقاء السراج وميركل الأربعاء الماضي، في حين اعتبرت المستشارة الألمانية، أن الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان (السراج وحفتر) في أبوظبي فبراير الماضي، يمثل «ركيزة لحل سياسي للنزاع»، مناشدة الجانبين لإبداء الاستعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات.

تصعيد النزاع
والمقرر أن يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماع لهم في بروكسل الإثنين المقبل، موقف حكوماتهم تجاه مستجدات حرب طرابلس، والسعي لبلورة موقف أوروبي موحد تجاه الأزمة القائمة في ليبيا. وذكر مصدر أوروبي في بروكسل أن الوزراء سيجتمعون مع مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة في اليوم نفسه (الإثنين)، لتبادل الآراء بشأن تطورات الوضع في ليبيا. ومن المتوقع أن تركز المناقشة على التطورات الأخيرة في البلاد، والخطوات الإضافية التي قد يتخذها الاتحاد الأوروبي لتجنب المزيد من تصعيد النزاع.

وما بين محطات أوروبية شهدت تحركات نشطة دون نتائج ملموسة، وبين مجتمع دولي لم تجتمع لديه الإرادة لقرار وقف إطلاق النار، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل القتال على الأرض.