رائحة التاريخ تفوح من فزان.. عادات وتقاليد الأهالي في رمضان

«الوسط» يرصد استقبال أهالي فزان للشهر الكريم ما يتمتعون به من عادات وتقاليد وموروث ثقافي كبير ومتنوع

رمضان كرنفوده - يزيد الحبل
يحتل شهر رمضان مكانة فريدة في ذاكرة ووجدان الليبيين على مر العصور، وأصبغوه بمظاهر جعلته مختلفًا في بلادهم عن غيرها من سائر بلدان الشرق الأخرى، فهو الشهر الذي ميّزه الله، وجعله خير الشهور، فيه ليلة القدر ونزل فيه القرآن الكريم، ويتبارى المسلمون فيه للتقرب إلى الله بالطاعات والصدقات، كما يستعدون لاستقباله بالمـأكل والمشرب وأنواع الزينة.

ويميز استقبال أهالي فزان للشهر الكريم، الذي يُعد فرصة لتجمع الأقارب والأصدقاء، عن غيرهم من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ما يتمتعون به من عادات وتقاليد وموروث ثقافي كبير ومتنوع، في منطقة تاريخية بالجنوب الغربي من ليبيا، تكثر بها الجبال الصخرية، والمرتفعات والأنهار الجافة والوديان، كما تنتشر بها الواحات التي تعتمد على المياه الجوفية.

للاطلاع على العدد 181 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

تعوّد أهالي فزان، خاصة في غات وقبائل التبو وحي النزيلة في مدينة سبها، على تجهيز أكلات شهر رمضان، قبل حلوله بنحو شهر، وذلك بجمع حبوب الشعير والقمح والقصب والتمر الجاف وبعض البقوليات، كما يُدق التمر الجاف وينظف جيدًا، ثم يُعجن ويُشكل على هيئة قوالب، ويضاف إليه الزميتة المصنوعة من دقيق الشعير التي يتناولونها عند الإفطار مع اللبن.

أما حبوب القمح فيتم تنظيفها وطحنها حتى تصبح دقيقًا يصنع منه خبز الثريد، الذي تعود الأهالي على تناوله بعد صلاة التراويح أو وقت السحور مع طبيخ الوبيا «الفاصوليا الحمراء الصغيرة»، أوالبردقالش وهي البليبشاء أو البقل أي أوراق السلق.

كما تصنع «الروينة» من حبوب القمح المحمص وبعض البقوليات، مع بعض البهارات، وتطحن حتى تصبح مثل الدقيق ويضاف إليها الماء وتُشرب مثل العصير في وقت السحور.

أما شعير الهريسة، فيتم تدشيش الشعير، وتُطهى الهريسة مع البصل والطماطم، ثم يتم سكبها على الفتات من خبز الثريد، ليتم تناولها بعد صلاة التراويح، فيتم تجهيزها من حبوب الشعير بتحميص الشعير، ثم طحنه، وهناك من يخلط التمر المعجون مع الزميتة أوعجنها، ويضاف إليها زيت الزيتون وتؤكل عند السحور.

في المناطق حيث يقطن الطوارق فيجهزون التمر مع تنظيفه وخلطه بالجبنة الصحراوية وتسمى «تكمرين أو أولس» وعند العرب جبنة الكشك التي تعجن مع التمر ويضاف إليه بعض الحرارات، وهذا النوع يفطر عليه إما أن يؤكل أو يخلط مع الماء ويشرب، كما يتناول الطوارق حساء القصب مع قطع من لحم القديد من حيوان الودان الصحراوي، وبعد صلاة التروايح يتناولون وجبة «الفتات» من خبز الثريد أو الكسكسي، أما وجبة السحور فيأكلون عصيدة بالملوخية.

ومن عادات قبيلة التبو أنهم يجهزون التمر بعد تنظيفه وتجفيفه ويعجن وخلطه بـ «التابركة» وهي حبوب ثمار الحنضل مع قليل من الشطة ويعد قوالب ويؤكل عند المغرب مع شرب اللبن وحساء القصب، أما وجبة العشاء، بعد صلاة التراويح، عند التبو فهي عبارة عن عصيدة بالدرابة، وهي البامية الجافة ولحم القديد الجاف، يتم طهيهم سويًا وتسكب على عجين العصيدة، من دقيق القصب.

وكما يوجد بعض من الناس في فزان يعدون المديدة وهي عبارة عن دقيق قصب وبهارات وحليب وتمزج مع بعضها وتطهى وتقدم في أكواب مع أذان المغرب، وفي العشاء يكون عصيدة بالحليب، وتطهى مع صلصة طمام جافة مع الفلفل ويضاف إليها الحليب وتسمى «عصيدة حليب» وهناك من يسميها «عصيدة وحكيكة».

رمضان بني وليد والواحات
فيما يستعد سكان مدينة بني وليد لاستقبال شهر رمضان، بشراء الاحتياجات واللوازم الضرورية، حيث يكون موسما تمتلأ فيه الأسواق بمنتجات التجار إضافة إلى المواطنين.

ومن عادات رمضان في مدينة بني وليد اجتماع الأسر والأبناء المتزوجين في بيت الأب لتناول وجبتي الإفطار والسحور، إضافة إلى الحلويات مثل «الكعك، والغريبة، والزلابية، مع القهوة والشاي».

ويعتبر «خبز الفرن، خبز التنور»، من الأشياء الضرورية في وجبة العشاء، وتجهزه ربات البيوت في المنازل ويكون طازجًا، ويتناولونه مع الشربة قبل الوجبة الرئيسة طوال الـ 30 يومًا في رمضان.

بعد الإفطار يتوجه الرجال لأداء صلاة التراويح، ثم ينطلقون إلى السهرات الرمضانية، أما طعام السحور فأهالي بني وليد في أغلبهم يتناولون وجبة «العصيدة» بالرُبّ أو العسل.

يتميز رمضان في بني وليد بـ«موائد الرحمن»، وهي موائد إفطار جماعية تقدم لعابري السبيل، والمحتاجين، طوال أيام شهر رمضان.

ويعتبر «المسحراتي» من العادات الجميلة التي كانت موجودة في بني وليد وكثير من بلدان الشرق، وهو الرجل الذي يتولى إيقاظ الناس من النوم لتناول وجبة السحور قبل صلاة الفجر؛ استعدادًا لصيام يوم صيام جديد، وكان الناس يعتمدون عليه وينتظرون قدومه وقرعه لأبواب بيوتهم، معلنًا موعد السحور، مرددًا عبارات «اصحى يا نايم.. وحد الدايم».

رمضان في مدن الواحات
فيما تشهد مدن الواحات (جالو، وأوجلة، وأجخرة) زيادة في أغلب أسعار السّلع الغذائية والتموينية كاللحوم بأنواعها، والخضروات، والمواد الغذائية، وترتفع أسعار هذه المواد قبل نحو 20 يومًا من شهر رمضان، بحسب مواطنين من مدن الواحات.

قال علي تيتي، أحد تجار اللحوم بمدينة أوجلة، إن أسعار اللحوم شهدت ارتفاعًا طفيفًا، بخلاف صُدور الدّجاج التي أضيف لسعرها الأساسي أكثر من سبعة دنانير، أما سعر كيلو اللحم الوطني فوصل إلى 45 دينارًا، فيما وصل الخارجي لـ35 دينارًا، وكيلو المفروم بـ32 دينارًا، وكيلو الكبدة وصل إلى 45 دينارًا. ورجّح «تيتي» سبب ارتفاع الأسعار إلى الاشتباكات المسلحة والأحداث التي تجري في العاصمة طرابلس، حيث جرى غلق عدّة طُرق، يمر التجار من خلالها لجلب اللحوم والسّلع، وهذا يجعل التجار يطرحون ما لديهم من سلع في المخازن مع رفع الأسعار؛ بسبب كثرة الطلب عليها، وهو ما دفع عدد من النشطاء بمدينة جالو لمقاطعة اللحوم في الشهر الفضيل حتى تعود لسعرها الطبيعي.

وأضاف جمال بترون، أحد تجار الخضروات والفاكهة أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا لأسعار الحضروات والفاكهة، منها الموز والبطاطا والبصل والطماطم، التي ارتفع سعرها دينارين، وأوضح أنّ الدولار ليس له علاقة بارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة، كما يعتقد بعض المواطنين.

وأهم المواد الغذائية التي يكثر الطلب عليها في شهر رمضان: «حليب والباكوات، والدقيق، والمكرونة، والزيت»، ويحمّل المواطنون، المسؤولية في ارتفاع الأسعار لمسؤولي وزارة الاقتصاد والمكاتب التابعة لها؛ بسبب ضعف الرقابة على أصحاب المحال التجارية الذين يستغلون شهر رمضان ويعتبرونه موسمًا لرفع أسعار السّلع التي يتهافت المواطنون عليها.

المزيد من بوابة الوسط