هل تضع الحرب أوزارها من بوابة «دول الجوار»؟

تزايد اهتمام دول الجوار الليبي، خاصة تونس والجزائر خلال الآونة الأخيرة إزاء التطورات العسكرية التي تدور رحاها في الضواحي الجنوبية للعاصمة طرابلس، لاسيما عبر اتصالات وزيارات تجريها مع اللاعبين الدوليين المؤثرين والمتأثرين بالملف الليبي، ما يطرح تساؤلات حول ماهية هذه التحركات، وما إذا كانت تستهدف ممارسة ضغوط وثقلًا دوليًا لوقف الحرب الدائرة، أم تستند إلى تخوفات على أمنّها القومي المجاور لمناطق الصراع، أو كليهما، وفي الأخير مدى نجاح هذه المساعي على المدى القريب؟

ترتيبات جارية لعقد اجتماع وزراء خارجية مصر وتونس والجزائر في إطار المبادرة الثلاثية

التفاعل الأبرز على مدار الأسبوع تمثل في مناقشات للجانبين التونسي والإيطالي، عندما اصطحب رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، نائبيه ماتيو سالفيني ولويجي دي مايو، ووزير الخارجية إينزو موافيرو ميلانيزي إلى العاصمة التونسية، وهي المناقشات التي انتهت على مطالبة فورية لإطلاق النار في ليبيا والالتزام بالمسار السياسي لحل الأزمة.
وتسعى بلدان الجوار الليبي إلى إعادة تنشيط العملية السياسية المتعثرة، بما يساعد على وقف الحرب والاتجاه نحو إجراء انتخابات، وهو المعنى الذي تضمنته بيانات وزارة الخارجية لدى تونس والجزائر عقب مباحثات مع الجانب الإيطالي.

ومن العاصمة تونس، جدد جوزيبّي كونتي دعواته التي كررها في السابق بضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، خلال لقاء جمعه بالرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، حيث قال إنّ «إيطاليا تنظر بعناية شديدة إلى تونس كشريك متميز»، حيث تقاسما التقييمات حول أكثر المواقف الحرجة في المنطقة، وعلى وجه الخصوص فيما يخص الملف الليبي، وفقما نقلت وكالة «آكي» الإيطالية.
وعاد الجانبان التأكيد على أنه «لا يوجد خيار عسكري، بل هناك حل سياسي» للأزمة في ليبيا، باعتبار أنّ «الحرب الأهلية من شأنها أن تولد المزيد من العنف»، كما تعهدا بأنّ «إيطاليا وتونس ستواصلان العمل لتعزيز التماسك بين جميع الشركاء الدوليين أيضًا»، لاسيما أنّ الفرصة الوحيدة المتاحة هي حل سياسي يوفر الاستقرار المستدام للبلاد.

ورغم أنّ تونس وإيطاليا متفقتان بشأن مقاربات الحل في ليبيا، فإنّ المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة اشتكى مرة أخرى من حالة الانقسام الدولي داخل مجلس الأمن، مما تسبب في فشل التوصل إلى قرار بشأن الحرب الدائرة منذ الرابع من أبريل الجاري.

توظيف العلاقات والنفوذ التي تتمتع بها بلدان الجوار لدى الأطراف الليبية للعمل على وقف الاقتتال وترجيح الحوار

في الجهة الأخرى كان النقاش بين تونس والجزائر متواصلاً على مدار الأسبوع، عندما استضاف مقر وزارة الخارجية التونسية جلسة مشاورات بين وزيري خارجية البلدين خميس الجهيناوي، وصبري بوقادوم، والتي انتهت أيضًا بالمطالبة بالوقف الفوري للمواجهات العسكرية في ليبيا، واستئناف المسار السياسي الجاري تحت رعاية الأمم المتحدة.

تصريحات الوزيرين نبّأت بأنّ ثمة إصرار على المساعدة في إيجاد مخرج، عندما اتفقا على أن بلديهما لن تراقب الأحداث في ليبيا في موضع المتفرج، كما كان للوزير صبري بوقادوم تصريحات معضدة لهذه المواقف، عندما قال إنّ بلاده لا تقبل بقصف عاصمة في دولة من المغرب العربي، في إشارة إلى الأحداث الجارية بضواحي العاصمة الليبية طرابلس منذ الرابع من الشهر الجاري.

حل شامل للأزمة الليبية
وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التونسي خميس الجهيناوي قال بوقادوم: «لا نقبل أن يتم قصف عاصمة في دولة من المغرب العربي ونحن صامتون»، وهو ما أكّده أيضًا الوزير التونسي الذي التقط خيط الحديث ليقول «لن نقبل بأن يتواصل الاقتتال في بلد شقيق، ونحن نتفرج».

وعلى غرار الحديث مع الجانب الإيطالي، شدد الوزيران خلال جلسة العمل المشتركة على أنه لا يمكن التوصل إلى حل شامل للأزمة في ليبيا إلا من خلال الحوار والتفاوض بين كل الأطراف الليبية؛ بعيدًا عن الحلول العسكرية والتدخلات الأجنبية.

وبعدما دفعت الحرب في ضواحي طرابلس مستوى التنسيق بين تونس والجزائر إلى مستوى جديد، اتفق الجهيناوي وبوقادوم، على رفض البلدين القطعي للقتال الدائر في محيط العاصمة طرابلس، مؤكدين حرصهما على دعم مواصلة الاتصال بكل الأطراف ذات العلاقة بالملف الليبي وبكل أطراف المجتمع الدولي للدفع نحو وقف إطلاق النار في ليبيا وحقن الدماء، حفاظًا على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما شهدت تونس العاصمة الإعلان عن ترتيبات تجرى لعقد اجتماع لوزراء خارجية دول الجوار المباشر لليبيا تونس ومصر والجزائر في إطار المبادرة الثلاثية لحل الأزمة والنظر في التطورات الخطيرة في ليبيا، وبحث سبل إنهاء التوتر العسكري، وإعادة الاستقرار إلى ليبيا.

وتعمل الدولتان على دعوة دول الجوار الليبي الأخرى (تشاد والنيجر والسودان)، إلى حضور الاجتماع بسبب انعكاسات التطورات الأمنية في طرابلس على أمن واستقرار المنطقة.
وفي مطلع مارس الماضي استضافت العاصمة المصرية القاهرة مشاورات بدأت باجتماع ثلاثي لدول الجوار الليبي ضم مصر وتونس والجزائر أعقبتها اجتماعات في أروقة الجامعة العربية، تمحورت حول سبل إيجاد حل للأزمة الليبية.

ورغم تباين وجهات النظر لدى الأطراف الإقليمية ودول الجوار بشأن مقاربات الحل، فإنّ الجميع متفق على ضرورة تجنب أية حلول عسكرية والتمسك بالمسارات السياسية وصولاً إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ومن ثمّ إقرار دستور دائم للبلاد، وفق الخطة الأممية في هذ الشأن.

آمال عريضة
هذا المعنى تضمنه حديث الوزيرين خميس الجهيناوي وصبري بوقادوم، عندما جددا مواصلة دعمهما للجهود الأممية بإشراف غسان سلامة المبعوث الأممي لإيجاد تسوية سياسية شاملة في ليبيا تستند إلى التوافق بين كافة الأطراف، وبما يحفظ أمن واستقرار وسيادة ليبيا، مبرزين مسؤولية المجتمع الدولي في إنهاء الأزمة من خلال تشجيع الأطراف الليبية على استكمال المسار السياسي.

وبينما يعقد المراقبون آمالاً عريضة على قدرة دول الجوار في إيجاد صيغة لوقف الحرب وتجميع الفرقاء الليبيين، فإنّ بوقادوم أجرى اتصالاً هاتفيًا مع نظيره المصري سامح شكري والممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة، حيث اقترح عقد اجتماع طارئ لبحث الوضع الحالي في ليبيا، كما تركزت المشاورات على الوضع في ليبيا، حيث شدد على توحيد سريع للجهود وتوظيف العلاقات والنفوذ التي تتمتع بها بلدان الجوار لدى الأطراف الليبية للعمل على وقف الاقتتال وترجيح الحوار.

وسبق هذه الاتصالات إجراء الوزير الجزائري محادثات هاتفية مع وزير الخارجية في حكومة الوفاق الوطني محمد الطاهر سيالة، الذي أكد دعم بلاده المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.وتنسق الجزائر جهودها مع مصر وتونس منذ يناير 2017، بناء على مبادرة ثلاثية أعلنها الرئيس التونسي لحل الأزمة عبر الحوار الشامل والمصالحة الوطنية في ليبيا، لكن مساعيهم لم تمكن من إحداث اختراق مهم في الملف؛ بسبب التدخلات الخارجية.

المزيد من بوابة الوسط