جريدة «الوسط»: دبلوماسية الهاتف .. هل توقف إطلاق النار؟

آليات عسكرية تابعة لحكومة الوفاق الوطني في اشتباكات طرابلس. (فرانس برس)

طرابلس - واشنطن - عواصم - الوسط

مع قرب دخول حرب العاصمة طرابلس شهرها الأول، ووسط مراوحة الوضع الميداني الذي لا يزال يشهد كراً وفراً بين قوات الجيش التابعة للقيادة العامة وقوات حكومة الوفاق الوطني، وارتفاع حصيلة القتلى إلى 376 شخصاً و1822 جريحاً -حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية- كان التطور البارز الذي سجله المشهد الليبي هو «الحراك الدولي الدؤوب عبر دبلوماسية المكالمات الذي يتطور كل يوم لمحاصرة الأزمة الليبية والحيلولة دون تحولها إلى حرب أهلية عمودية شاملة»، وهو حراك يقول مراقبون إنه يكاد ينجح في تحقيق هدنة غير معلنة، ربما تسبق شهر رمضان.

تعزز ذلك مع تضارب الروايات والمعلومات بشأن الوضع الميداني، والذي لا يزال يشهد كراً وفراً على مختلف محاور القتال، إذ تقول قوات القيادة العامة إن «العمليات في كافة المحاور تسير بشكل جيد، وإنها تتقدم بشكل منظم نحو منطقتي الفرناج وصلاح الدين»، في المقابل تقول غرفة عمليات عملية «بركان الغضب» التابعة لحكومة الوفاق إن قواتها بالمنطقة العسكرية الغربية والوسطى سيطرت على غرفة عمليات تابعة لقوات القيادة العامة في محور إسبيعة.

وألقت الحرب الدائرة جنوب العاصمة طرابلس بظلها على مدينة سرت، بعد أنباء عن استنفار أمني في مداخلها الجنوبية والشرقية وانتشار لقوات تابعة لسرية الشرطة العسكرية وقوة حماية سرت وأفراد الأمن والمرور، بعد تداول أنباء حول نية قوة من الجيش التابعة للقيادة العامة دخول مدينة سرت التي تتواجد بها قوات حماية سرت»، بينما تفاقم الوضع الإنساني جراء الاشتباكات، إذ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة عن 38 ألفاً و900، وهو ما دفع المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ميشيل باشيليت، إلى الدعوة لإقامة ممر آمن بشكل عاجل داخل طرابلس لإدخال المساعدات إلى الليبيين والسماح للمدنيين بمغادرة منطقة الصراع. في حين أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن هناك أكثر من 3300 شخص في وضع خطر وعالقين في مراكز احتجاز قريبة من المعارك.

وحذرت مساعدة المبعوث الأممي إلى ليبيا، ماريا دو فالي ريبيرو، التي نبهت إلى «خطورة الأوضاع الإنسانية في العاصمة طرابلس مع اندلاع المعارك منذ الرابع من أبريل، مشيرة إلى احتمال «تدهورها».

وأضافت مساعدة مبعوث الأمم المتحدة المعنية بالأخص بملف المساعدة الإنسانية، «حين نرى استخدام وسائل جوية وقصفاً عشوائياً لمناطق مأهولة بكثافة مثل ما حصل الأسبوع الماضي، فمن الصعب أن نكون متفائلين».

على الصعيد الدبلوماسي، كان التطور الأهم -وفق مراقبين- هو تصريحات مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، لم يكشف عن هويته، بأن مسؤولين أميركيين يجرون مشاورات مع مجموعة واسعة من القادة الليبيين وشركاء دوليين للضغط من أجل تحقيق الاستقرار وإعادة رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج والقائد العام للقوات المسلحة المشير خلفية حفتر مجدداً إلى طاولة المفاوضات.

المسؤول الأميركي ذكر، لقناة الحرة، أن الولايات المتحدة تدعم الجهود التي يقوم بها الممثل الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة ومهمة الدعم الأممية، داعياً الأطراف الليبية إلى «العودة سريعاً إلى الوساطة التي تقوم بها الأمم المتحدة، والتي يتوقف نجاحها على وقف إطلاق النار في طرابلس وحولها».

يأتي ذلك في تطور نوعي على مسار الجدل الواسع الذي أحدثته المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحفتر في التاسع عشر من أبريل الماضي، والتي تناولا «الجهود الجارية لمكافحة الإرهاب والحاجة لإحلال السلام والاستقرار في ليبيا»–بحسب بيان للبيت الأبيض، وفي هذا السياق ترددت تسريبات عن تناقض بين موقفي البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية.

ويرى الإعلامي، محمود شمام، أن «دبلوماسية المكالمات تقود هذا الحراك الدولي»، منوهاً إلى أن «حكومة الوفاق نجحت في امتصاص صدمة ترامب التي وصفتها حينذاك بأنها (حقنة) لا نعرف مفعولاً لها»، ومعتبراً أن هذه الصدمة «جاءت نتيجة مباشرة لدبلوماسية السعودية ومصر والإمارات تصدى لها الوفاق بدبلوماسية مقاربة قادتها تركيا وقطر بمباركة إيطاليا وتونس والجزائر».

وقال إن «إعادة الأزمة الليبية لنقطة التوازن شجع إيطاليا ومالطا وتونس والجزائر على تنشيط دبلوماسيتهم»، ولا يستبعد في الوقت نفسه أن يبدأ «التحرك الدولي في البحث عن الحلفاء أو الخلفاء داخل كل معسكري الحرب إذا ما استمر التعنت».

وفي اتصال هاتفي الأحد الماضي مع السراج، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إنه «سيسخر كل إمكانات بلاده لمنع المؤامرة على الشعب الليبي»، مؤكداً في الوقت نفسه دعمه «الحكومة الشرعية المتمثلة في حكومة الوفاق الوطني». وفي اتصال آخر الثلاثاء الماضي مع السراج قال عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، ليندسي غراهام، (جمهوري) إنه «من المهم أن تعزز الولايات المتحدة التزامها بحل سياسي في ليبيا وترفض الجهود التي يبذلها أي طرف للاستيلاء العسكري».

وجدد مبعوث الأمم المتحدة رئيس بعثتها للدعم في ليبيا، غسان سلامة، في تصريحات الأحد الماضي شكواه من حالة الانقسام الدولي داخل مجلس الأمن ما تسبب في فشل التوصل إلى قرار بشأن الحرب الدائرة في طرابلس منذ الرابع من أبريل الجاري.

وفيما يبدو أنه دخول الكويت على خط الأزمة، تعهّد الشيخ جابر الحمد الصباح، بدور لبلاده في مجلس الأمن، وباعتبارها البلد العضو العربي في مجلس الأمن، أكدّ أمير الكويت «الدور الذي ستلعبه في مجلس الأمن لإيقاف الهجوم على طرابلس».

على الصعيد الداخلي، ظل كل معسكر يتمسك بموقفه، إذ يقول رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج إن أي حديث عن وقف إطلاق النار «يجب أن يرتبط بانسحاب القوة المعتدية والعودة من حيث أتت»، وهو الأمر المؤكد أن ترفضه قوات الجيش التابعة للقيادة العامة.

وفي هذه الأجواء يرى عديد المتابعين للشأن الليبي أنه لا خيار في النهاية إلا العودة للمفاوضات كطريق وحيد لإيقاف الحرب، كخطوة أولى، يعقبها بحث مسألة تمركز القوات والأسس الجديدة لأي مفاوضات بين الأطراف.