جريدة «الوسط»: حرب العاصمة رهينة اللاحسم والمزاج الدولي

سيارة مجهزة للقتال في طرابلس (الإنترنت)

دخلت حرب العاصمة طرابلس أسبوعها الرابع، وسط مراوحة ميدانية وخسائر بشرية متزايدة وانقسام الدولي حال حتى الآن دون التوصل إلى إجماع دولي حول قرار وقف إطلاق النار، منذ آخر اجتماع لمجلس الأمن يوم الخميس الماضي، أما الجديد فكان دخول قضية المهاجرين غير الشرعيين على خط الاشتباكات، عقب تضارب المعلومات حول ما تعرض له مركز لإيواء مهاجرين بمنطقة قصر بن غشير التي تعد أكثر المحاور سخونة في هذه الحرب.

ميدانياً، يبدو أن «المناطق المكتظة بالسكان تتحول تدريجياً إلى ساحات قتال»، وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي رصدت تدهوراً شديداً في «الوضع الإنساني في أنحاء العاصمة طرابلس، وذلك مع دخول الحرب بين قوات الجيش الوطني التابعة للقيادة العامة وقوات تابعة لحكومة الوفاق أسبوعها الرابع، إذ قتل ما لا يقل عن 264 شخصاً وأصيب 1266 بجروح، بينهم مدنيون منذ 4 أبريل، حسب آخر حصيلة نشرتها منظمة الصحة العالمية، بينما قدرت آخر إحصائية لحكومة الوفاق أعداد الأسر النازحة من مناطق الاشتباكات بنحو 9229 أسرة.

للاطلاع على العدد 179 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ولا يستطيع أحد أن يجزم بدقة المعلومات التي يسوقها كل من الطرفين حول حقيقة الوضع الميداني في محاور القتال. ففي حين أعلن الناطق باسم «عملية بركان الغضب»، التابعة لقوات حكومة الوفاق، مصطفى المجعي، أن «القوات بسطت سيطرتها على نقاط استراتيجية بمنطقة الهيرة»، قاطعة الطريق بين مدينة غريان وقوات القيادة العامة في ضواحي طرابلس، لتقترب من بدء مرحلة جديدة وصفتها بـ«الحاسمة»، ستعلن عنها في حينها.

لكن الناطق باسم القيادة العامة للقوات المسلحة، اللواء أحمد المسماري، قال إن «غرفة عمليات المنطقة الغربية بدأت النسق الثاني لـ(معركة طرابلس) من خلال قوات المشاة بعد إنجاز المرحلة الأولى»، مبيناً أن «قوات تابعة لغرقة المنطقة الغربية بدأت تزج بوحدات النسق الثاني للمعركة، بعدما ضمنت توزيعاً جيداً للقوات العسكرية، وحصلت على الأرض المناسبة لتنفيذ مبدأ المناورة، وحددت الاتجاهات الرئيسية والثانوية للهجوم».

اقرأ أيضًا: النائب عبدالله اللافي: لقاءات تونس أكدت دعم جهود الأمم المتحدة لوقف حرب العاصمة

ويزداد تعقيد الوضع مع تضارب المعلومات بشأن ما حدث في مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين بقصر بن غشير، إذ قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، الثلاثاء، إن تقارير وردت عن إصابة المهاجرين في المركز بجروح خطيرة في إطلاق نار عشوائي، وفي حين حمّل المجلس الرئاسي، القوات التابعة للقيادة العامة مسؤولية «استهداف مركز الإيواء»، لكن مدير الفروع وإدارة شؤون مراكز الإيواء بجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، العقيد عبدالسلام عليوان، نفى إصابة مهاجرين في مركز احتجاز جنوب طرابلس بجروح خطيرة في إطلاق نار عشوائي.

في هذه الأثناء يستمر الانقسام الدولي بشأن حرب العاصمة طرابلس، وكان آخر محطات هذا الإخفاق في 18 أبريل الجاري حين عارضت كل من الولايات المتحدة وروسيا إصدار قرار من مجلس الأمن يدعو أطراف القتال في ليبيا إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات، لتتعثر جهود دبلوماسية مكثفة قادتها بريطانيا خلال الأسبوعين الماضيين لإقناع أعضاء المجلس بتوحيد موقفهم، لكن وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، مارك فيد، شدد على أهمية «توحيد صوت المجتمع الدولي في الدعوة إلى وقف إطلاق النار».

المبعوث الأممي غسان سلامة، الذي يواصل جهوده لـ«جمع الليبيين قبل شهر رمضان المقبل»، لم يخف إحباطه من هذا الانقسام الدولي خلال مباحثاته في العاصمة الإيطالية، وقال خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية الإيطالي إينزو ميلانيزي «لو كان لدينا موقف دولي موحد كان سيساعد الليبيين كثيراً»، ضارباً مثالاً بعدم نجاح مجلس الأمن في تبني قرار بشأن وقف الحرب في البلاد، لكن سلامة -وعلى ما يبدو- ما زال يتمسك بالحديث عن الملتقى الوطني الذي كان مقرراً منتصف هذا الشهر، إذ قال «جرى تعليقه وليس إلغاءه، حسب المجريات الميدانية التي تشهدها ليبيا».

أما الموقف الأميركي، فقد اتخذ مساراً نوعياً عقب الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر الذي أعلن عنه يوم الإثنين، وتناولا خلاله «الجهود الجارية لمكافحة الإرهاب والحاجة لإحلال السلام والاستقرار في ليبيا» -بحسب بيان للبيت الأبيض الجمعة الماضي. وجاء في البيان أن ترامب «أقر بدور المشير (الجوهري) في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد ليبيا النفطية، وتناولا الرؤية المشتركة لانتقال ليبيا إلى نظام سياسي ديمقراطي مستقر».

اقرأ أيضًا: لجنة الطوارئ تطلع السراج على الوضع العام في العاصمة وما حولها

لكن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فائز السراج، قلّل من أهمية فحوى المكالمة، وقال في مقابلة مع صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية، «بالنسبة لنا، موقف وزير الخارجية الأميركي هو المهم وقد دعا خليفة حفتر بالاسم إلى وقف المعارك»، كما أعاد السراج التأكيد على هذا الموقف في تصريحات إلى جريدة «وول ستريت جورنال» الأميركية بالقول «ليس لدي تأكيد من إدارة ترامب بأنها غيرت مسارها»، لكنه حذر من أن هذا الدعم «قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع».

ويصف المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا، د. طارق متري، الموقف الأميركي بـ«الملتبس، ولعله مزدوج، فوزارتا الخارجية والدفاع تريدان وقف التصعيد في ليبيا، وهما لم تخرجا عن الموقف التقليدي لواشنطن، المؤيد السراج، والذي لا يثق بحفتر»، وفق تصريحات أدلى بها لصحيفة «القبس الكويتية».

للاطلاع على العدد 179 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويخيم الارتباك الموقف الفرنسي بعد أن اتهم وزير الداخلية المفوض علناً الأسبوع الماضي السلطات الفرنسية بدعم حفتر، فيما عبّر السراج عن تشاؤمه واندهاشه من الموقف الفرنسي، وفق تصريحات أدلى بها إلى الصحافة الفرنسية، لكن باريس نفت الخميس الماضي اتهامات حكومة الوفاق، مؤكدة أنها «تدعم الحكومة الشرعية لرئيس الوزراء فائز السراج ووساطة الأمم المتحدة من أجل حل سياسي شامل في ليبيا».

في هذا الوقت، جاء تطور موقف موسكو التي سبق وأن عرقلت قراراً دولياً لوقف إطلاق النار، على لسان نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي فيرشينين الذي قال لوكالات الأنباء الروسية الأربعاء إن موسكو «تطلب من حفتر وقف إطلاق النار» و«استعادة الحوار والجهود السياسية» التي تجري برعاية الأمم المتحدة، وهو الموقف الذي أعلنه فيما بعد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف أمام مؤتمر موسكو حول الأمن الدولي.

وفي القاهرة طالبت قمة الترويكا ولجنة ليبيا بالاتحاد الأفريقي حول الوضع في ليبيا، والتي عقدت في القاهرة بدعوة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في ليبيا، كما طالبت المبعوث الأممي بالتعاون بشكل كامل مع الاتحاد الأفريقي وبشفافية تامة وبتكثيف مشاوراته مع جميع الأطراف في ليبيا على حد سواء ودون استثناء.
ووسط استمرار اللاحسم الميداني، وانقسام المجتمع الدولي، تتصاعد فاتورة الخسائر البشرية والمادية جراء حرب العاصمة طرابلس، في انتظار حسم على الأرض أو إجماع دولي على وقف الحرب.

المزيد من بوابة الوسط